«كرداسة» مدينة مصرية تدفع ثمن مواقفها السياسية
Sep ٢٠, ٢٠١٣ ٢١:٢٦ UTC
-
كرداسة تحت الحصار الامني
خلال الأيام القليلة الماضية، إحتلت مدينة (كرداسة) الواقعة بمحافظة الجيزة جنوبي القاهرة، مساحة كبيرة في وسائل الإعلام المصرية والأجنبية أيضاً، لما شهدته من أحداث بدأت بقيام عناصر مجهولة بحرق قسم شرطة كرداسة يوم 14 أغسطس الماضي، وقتل عدد من جنود الشرطة، منهم مأمور القسم وذلك في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.
ومنذ ذلك الحادث والمعارك مشتعلة بين قوات الأمن وأهالي كرداسة، الذين أعلنوا تبرأهم من حادث الاعتداء على جنود قسم كرداسة، لكنه تم إلصاق تلك الجريمة بهم، واشتغلت عليهم وسائل الإعلام المصرية حتى صورتهم أمام المجتمع المصري، على أنهم إرهابيون ويقتلون رجال الأمن، ويأوون قيادات الاخوان المسلمين الهاربين. تلك الصورة التي روجتها وسائل الاعلام المصرية، كانت بهدف تهيئة الأجواء لعملية اقتحام أمني موسع لمدينة كرداسة، قامت بها قوات الجيش والشرطة يوم الخميس الماضي، وألقت القبض على العشرات، وقالت عنهم انهم ارهابيون ومطلوبون أمنياً لاتهامهم بإثارة الفوضى والعنف والتحريض على القتل. لكن أهالي كرداسة قالوا إن معظم المقبوض عليهم، ليسوا لهم أي علاقة بأعمال عنف، بل إنهم فقط مناهضون لما وصفوه بالانقلاب العسكري ضد الرئيس المعزول محمد مرسي، كما أسفرت تلك العملية العسكرية، عن مقتل مساعد مدير أمن الجيزة وإصابة عدد من الجنود.
وتُعتبر (كرداسة) من المدن المصرية المعارضة للانقلاب العسكري، وشارك أهلها في جميع المسيرات والتظاهرات التي خرجت للمطالبة بعودة الشرعية وإنهاء الانقلاب العسكري.
و(كرداسة) تابعة لمحافظة الجيزة، وتقع على مقربة من اهرامات الجيزة، مساحتها حوالي سبعة كيلومترات وتعتبر أكبر قرى اقليم القاهرة الكبرى وأكثرهم كثافة سكانية، ولها شهرة عالمية اكتسبتها من صناعة الملابس والعبايات المطرزة والنسيج اليدوي الذي غزا كل بلدان العالم، ولذلك يقبل السياح من كل الجنسيات على زيارتها وشراء منتجاتها اليدوية.
ويرجع تاريخ كرداسة إلى فترة الفتح الاسلامي لمصر حيث ترجع تسميتها بهذا الاسم الى أن جيش عمرو بن العاص، أقام الكراديس بها ومنه اشتق اسم كرداسة واستمر الجيش بها فترة من الزمن، وتجد بكرداسة منطقة تسمى "الروضة" سميت بهذا الاسم لأن العديد من الصحابة دفنوا بها فصار اسمها روضة بسبب وجود هذه القبور التي لا أثر لها الآن. ولهذا تعتبر كرداسة من اوائل المناطق التي دخلت في دين الاسلام مع بواكير الفتح الإسلامي لمصر.
ولكرداسة أيضاً تاريخ طويل من الصدام مع السلطة وأجهزتها الأمنية، هذا التاريخ بدأ منذ عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، حيثُ تعرضت كرداسة لحرب شرسة، وصفها الأهالي بأنها إبادة جماعية قامت بها قوات الأمن في عهد عبد الناصر، وذلك في عام 1965وتحديداً في 21/9/1965 عندما داهمت قوة من الأمن منزل القيادي بجماعة الاخوان المسلمين (سيد نزيلي العوضية) وعندما لم يجدوه أصروا على اقتياد زوجته بالقوة، وعندما شاهد الأهالي هذا المنظر تحركت فيهم النخوة والشهامة ومنعوا قوة الامن من القبض على زوجة سيد نزيلي.
ودفع أهالي كرداسة ثمن موقفهم هذا، حيثُ حاصرت قوة أمنية ضخمة مدينة كرداسة وحولوها الى معتقل، وتم اعتقال أعداد كبيرة من الأهالي منهم شيوخ ونساء. وخلال هذه الفترة تم حظر التجوال لدرجة منع تشييع جنازات الموتى، فكان الميت يشيعه أربعة فقط هم حملة النعش كما منع الدخول الى القرية أو الخروج منها.
وعلى الرغم من أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات اختار (كرداسة) للاختباء اثناء اتهامه باغتيال امين عثمان في الاربيعنيات من القرن الماضي، وزواجه من احدى أسرها الا ان المفارقة ان (ناهيا) احدى القرى التابعة لمركز كرداسة كانت مسقط رأس عبود وطارق الزمر المتهمين في قضية اغتيال السادات، فاشتعلت المواجهة مرة أخرى بين أهالي كرداسة والأجهزة الأمنية.
وأصبحت الأجيال الجديدة من أبناء كرداسة يعانون من أثار القمع الأمني لأجدادهم وآبائهم فباتوا يمنعون من شغل المناصب الحساسة في الدولة أو الالتحاق بالكليات الحربية أو الشرطة، ومازالت القرية مصنفة لدى الجهات الأمنية على أنها من القرى الخطرة على الأمن.
وحتى مع سقوط مبارك ومجيء تيار الإخوان للحكم، لم تسلم كرداسة أيضاً من الملاحقات الأمنية لأهلها وحصارهم، بسبب مواقفها السياسية المؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي والمناهضة للانقلاب عليه.