ماهي ذرائع نظام آل سعود في هدم قبور اهل البيت في البقيع؟
-
مقبرة البقيع بالمدينة المنورة
احمد مهدي شيرازي
يصادف اليوم 8 شوال ذكرى جريمة هدم قبور ائمة اهل البيت الاربعة في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة قبل نحو 80 عاماً فهل استند الى أدلة شرعية في ارتكابه هذه الجريمة التي لم يسبقه سابق في العالم الاسلامي منذ قيامه ولحد الآن؟
آراء حرمة البناء على القبور:
اعتبر عالم الوهابية في السعودية عبد العزيز بن باز ان "من البلايا التي وقعت الآن في الناس، البناء على القبور، القبر يكون في الأرض ثم يبنى عليه قبة أو مسجد، وهذا واقع في مصر وفي الشام وفي العراق وغير ذلك، وقد كان واقعاً في مكة المكرمة وفي البقيع، حتى غير الله ذلك على يد الحكومة السعودية، وأحسنت في ذلك جزاها الله خيراً؛ لأنها أزالت البدع، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فنهى عن البناء على القبور وعن تجصيصها، وقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)".
واضاف ان "هذا هو الواجب على حكام المسلمين أن يمنعوا البناء على القبور، وأن يمنعوا اتخاذ المساجد عليها، والصلاة عندها، وألا يطاف بها، وألا تدعى من دون الله، وألا يستغاث بأهلها، كل هذا من المنكرات، لكن البناء من وسائل الشرك، أما الدعاء للميت والاستغاثة به وطلب المدد منه هذا هو الشرك الأكبر والعبادة لغير الله سبحانه وتعالى، كما هو واقع في بعض البلاد، فالواجب الحذر وتحذير الناس منه".
أما يوسف القرضاوي فقد ورد في كتابه (حقيقة التوحيد) حول هذا الموضوع "ومما حذر منه الإسلام أشد التحذير . تعظيم القبور ، وبخاصة قبور الأنبياء والصالحين ، ولذلك نهى عن جملة أشياء تفضي إلى تعظيم القبور منها إتخاذها مساجد: روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس : (( ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك ))، وعن عائشة وابن عباس قالا : (( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم – أي في حالة الاحتضار – طفق يطرح خميصة له على وجهه . فاذا اغتم كشفها ، فقال وهو كذلك : (( لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) يحذر ما صنعوا".
البناء على قبور الاولياء وفق نظرة القرآن الكريم واهل البيت
في هذا السياق ينبغي التمييز بين تقديس وتعظيم صاحب القبر وبين عبادته وجعله لله شريكا.
فالقرآن الكريم والعقل لايرفضان تعظيم صاحب القبر، (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى))الشورى
وليس هناك مسلم في العالم لايعتقد عند زيارته قبراً من الاولياء والصالحين انه عبد من عباد الله تعالى خلافاً لاتباع الديانات الاخرى.
وليس هناك اوضح مما ورد في سورة الكهف المباركة في جواز بناء القبور:
(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً) الكهف.
1- ورد في تفسير الطبرسي (مجمع البيان/ج6/ص328) : (وكذلك) اي كما بعثناهم (أعثرنا) أطلعنا (عليهم) قومهم والمؤمنين (ليعلموا) أي قومهم (أن وعد الله) بالبعث (حق) بطريق أن القادر على إنامتهم المدة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى (وأن الساعة لا ريب) لا شك (فيها) (إذ يتنازعون) أي المؤمنين والكفار (بينهم أمرهم) أمر الفتية في البناء حولهم (فقالوا) (ابنوا عليهم) أي حولهم (بنيانا) يسترهم (ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم) أمر الفتية وهم المؤمنون (لنتخذن عليهم) حولهم (مسجدا) يصلى فيه وفُعِلَ ذلك على باب الكهف.
2- من كتب اهل السنة حيث ورد في تفسير الطبري جامع البيان حول هذه الآية: حدثنا ابن حميد... عن عبد الله بن عبيد بن عمر قال: عمّى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف في مكانهم فلم يهتدوا وقال المشركون نبني عليهم بنياناً فانهم آباء أبنائنا ونعبد الله فيها وقال المؤمنون بل نحن أحق بهم هم منا نبني عليهم مسجداً نصلي فيه ونعبد الله فيه.
3- وفي تفسير السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور): أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال:..... فقال الملك لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً فلأعبدن الله حتى أموت فذلك قوله قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ.
4- تفسير الثعلبي: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) يعني (تيدوسيس) الملك وأصحابه (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) وقيل: الذين تغلبوا على أمرهم وهم المؤمنون وهذا يرجع الى الأول.
5- في تفسير الجلالين: (يتنازعون) أي المؤمنون والكفار (بينهم أمرهم) أمر الفتيه في البناء حولهم (فقالوا) أي الكفار (أبنوا عليهم) أي حولهم (بنيانا) يسترهم (ربهم أعلم بهم قالوا الذين غلبوا على أمرهم) أمر الفتية وهم المؤمنون (لنتخذن عليهم) حولهم (مسجدا) يصلي فيه، وفعل ذلك على باب الكهف.
ويعد الدليل القراني لفظي نصي غير مقيد بحادثة ما، بل تجري احكامه في كل مفاصل الحياة على مدار الأزمنة والا لسقط التشريع بالكامل ان ربطنا احكامه بالحوادث.
ومايهم هو عبارة (لنتخذن عليهم مسجدا) والذي وقع فعلا باجماع المفسرين حيث اقاموا مسجدا عليهم يعبدون الله كما يحدث الان في اضرحة الائمة المعصومين واولياء الله الصالحين.
ان الامر واضح فلو كان فعلهم يحمل الذنب والشرك لم لم ينه الله عنه؟ وكل متطلع في امور القران الكريم يعلم ان الله تعالى ان سرد فعل قوم وكان قبيحا ينهي عنه، فالمختصون بعلم الاصول يدركون ان تاخير الحكم الشرعي عن وقت حاجة المكلفين له قبيح شرعا وهو مالايقبله سبحانه.
ولم يكن فتية الكهف من الانبياء او الائمة وقد اجاز الله بناء مسجد عليهم فكيف بمن افضل منهم كالرسول الاكرم واهل بيته الطاهرين؟
وفي هذا السياق فإن المسجد الحرام والكعبة الشريفة مليئة بقبور الأنبياء والأولياء عليهم السلام.
بل ان حجر إسماعيل عليه السلام ما هو الا قبره وقبر امه عليهما السلام ونحن نطوف ونصلي حولهما؟ وقد اجمع علماء الفرق الاسلامية ان الكعبة الشريفة مليئة بقبور الانبياء والاولياء عليهم السلام.
كما في تاريخ الطبري: وعاش إسماعيل فيما ذكر مائة وسبعا وثلاثين سنة، ودفن في الحجر عند قبر أمه هاجر. ج1 ص 221.
و في تفسير القرطبي: ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا، جاءوا حجاجا فقبروا هنالك عليهم السلام. ج2 ص 130.
وفي الكافي: عن الإمام الصادق انه قال (الحجر بيت إسماعيل وفيه قبر هاجر وقبر إسماعيل) ج4 ص 210.
ولا يأتينا قائل باحاديث حول كراهة بناء القبور ما زاد عن الاربعه اصابع فالامر الاول هو عن نفس القبر لا عن المسجد الذي يقام عليه وكما نعلم ان قبور الائمة المعصومين والاولياء هي شرعية بذاتها وما اقيم عليها من شباك او ما شابهه هي تعريف بصاحب القبر وهو ما لم يرد فيه نهي ابدا وثانيا اغلب الاحاديث عن الكراهة اوردها ابي هريرة وضاع الاحاديث على رسول الله او عن عائشة المتروكه الحديث عندنا.
الآية الثانية في سورة الحج 32: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ). وفي نفس السورة (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ). ولاشك ان الاهتمام بالمعالم الاسلامية وحفظها من الاندثار والخراب نحو من انحاء التعظيم للشعائر الدينية. ولا يخفى ان الله تعالى جعل الصفا والمروة وهما جبلين سعت بينهما هاجر عليها السلام من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها بقوله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) فكيف بالبقاع التي حوت اجساد انبياء واولياءه الصالحين اليست اولى بالتقديس والتعظيم؟ اليس من الاولى ان تعتبر شعائر الله ايضا؟ كيف لا وهي بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه؟ فان المراد بالبيت بيت الطاعة, وكل محل أعدّ للعبادة, فيعم المساجد والمشاهد المشرفة لكونها من المعابد.
اما على صعيد السنة الشريفة فيكفي اقرار النبي الاكرم (ص) والصحابة على البناء على القبور فالنبي الاكرم قد اقر مدفن اسماعيل وامه عليهما السلام وقبور الانبياء في القدس الشريف واقر الصحابة بدفن النبي الاكرم في غرفته واقامتهم عليه بناءاً كل هذا دليلا قطعيا ان تهديم القبور ما هو الا بدعه اتى بها الوهابيون لهدم الآثار الاسلامية.
وكذا وردت الكثير من الروايات التي تحث على زيارة القبور وثواب من زار قبر النبي وان النبي زار قبر امه آمنه بنت وهب عليها السلام ونستعرض هنا بعض الامثلة على ذلك:
1- جاء ذلك في صحيح مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم. عن بن بريدة عن ابيه, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. قال النووي في كتاب المنهاج: قوله (كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها وأجمعوا على ان زيارتها سنة لهم.... (كتاب المنهاج في شرح صحيح مسلم-ح976).
2- وايضا في صحيح مسلم وبن ماجة وبن داود: عن أبي هريرة قال: زار النبي قبر أُمه فبكى وأبكى من حولهُ... وقال: استأذنته في أن أزور قبرها, فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت.
3- وعن ابن ماجة.. عن عائشة: ان رسول الله رخص في زيارة القبور. وهناك الكثير عند اهل السنه مما يطول بنا المقال لذكرها.
4- عن ابن عمر: قال رسول الله (صلى الله عليه واله): من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)..... (السنن الكبرى للبيهقي –كتاب الحج-باب زيارة النبي (صلى الله عليه واله وسلم)-ح10274).
اهل البيت عليهم السلام يحثون على زيارة القبور:
1- عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب أحدكم حاجتكم عند قبر أبيه وعند قبر أمه بما يدعوا لهما..... (الكافي-الفروع-ج1-كتاب الجنائز-باب زيارة القبور-ح10).
2- عن محمد بن مسلم ايضا قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) نزور الموتى؟ فقال: نعم. قلت فيسمعون بنا إذا أتيناهم؟ قال: أي والله إنهم ليعلمون بكم ويفرحون بكم ويستأنسون إليكم.... (الفقيه –ج1-باب26-ح39).
3- عن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) أنه قال: علامات المؤمن خمسة، صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)..... (التهذيب –ج6-باب فضل زيارة الحسين-ح37).
4- عن الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: أن لكل إمام عهداً في عنق أولياءه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه، كان أئمتهم شفعائهم يوم القيامة.... (الكافي –كتاب الحج-باب مسجد غدير خم-ح2).
وفي حياة الانبياء أمر الله تعالى المؤمنين ان ياتوا النبي(ص) ليستغفر لهم (صلى الله عليه وآله) وفي قصة يوسف ومافعله اولاد يعقوب باخيهم لكنهم طلبوا في النهاية من والدهم الاستغفار لهم.
ومن الطريف ان علماء الوهابية لم يصدروا فتوى في هدم قبر الامام البخاري الذي يروون عنه احاديث وجوب هدم القبور بل مايزال قائما ويزوره الكثير من المسلمين ويتقربون بزيارته الى الله تعالى!
ومن ناحية تاريخية لم يحدث عند المسلمين ان قام سلطان عادل او جائر او حاكم منصف او ظالم في منطقة ما بهدم قبور الاولياء والصالحين او المساجد التي اقيمت عليها سوى مافعله آل سعود حينما استولوا على الحرمين الشريفين فقد ارتكبوا هذه الجريمة النكراء التي يندى لها الجبين.
ومادللت عليه تصرفات آل سعود انهم لم يكتفوا بهدم القبور بل أمروا بهدم كل الآثار التاريخية التي ترتبط بالاسلام فهل هذا يرتبط ماتذرعوا به من الشرك والحجج الواهية؟
وفي المقابل أحيا آل سعود في ارض الحجاز كل مايمت الى المشركين بصلة فهم يطلقون اسامي رؤوس الشرك واعداء الرسول (ص) واهل بيته (ع) على الشوارع والساحات والمدارس فهذا شارع ابي لهب وهذه مدرسة ابي جهل وهذا سوق ابو سفيان وهذا زقاق عتبة وهذه ساحة يزيد وماشاكل وشابه من هذه النماذج المقيتة في تاريخ الاسلام فهل يبقى شك في ان هذا النظام الفاسد يسعى بكل وسيلة للقضاء على رموز الاسلام واحياء رموز الكفر بذريعة الشرك!