حکايات النأى والنار عند الشاعر مولانا
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i1354-حکايات_النأى_والنار_عند_الشاعر_مولانا
إن هذا الأنين نار وليس هواء، كل من ليس فيه نار فهو هباء
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
May ٠٤, ٢٠٠٨ ٢١:١٨ UTC
  • إسمع الناي ما يقص ويحكى  هو يشكو من الفراق ويبكى
    إسمع الناي ما يقص ويحكى هو يشكو من الفراق ويبكى

إن هذا الأنين نار وليس هواء، كل من ليس فيه نار فهو هباء

إن هذا الأنين نار وليس هواء كل من ليس فيه نار فهو هباء لعوالم الروح مقامات، وللمقامات عرفانات، ولكل عرفان علم وعلامات.. فمن أية بنية مرئية أو لا مرئية انطلقت الروح وصلت وما وصلت.. وليس أجمل من التناغم بين العناصر الكونية والكينونية التى تحرك الروح فتحركها الروح وذلك حين تتمركز فى محور تحاورى فاعل يجتاز السبات والسكون ليظل فى الحركة المشتعلة فى الحركة. ولذلك اختار الشاعر والعارف الایرانی الکبیر مولانا جلال الدين محمد البلخى عنصر النار محوراً أساسياً للاحتراق مع الكشف والمكاشفة، ومن ثمة، لتكوين موسيقى عميقة كثيفة شفيفة تنبعث فى الفضاء الداخلى من الأعماق كما تنبعث النغمات من فتحات الناي.. ما بين الناى والنأى والنار دلالات متشابهة لفظياً، متقاربة معنييّـاً وذلك من خلال اللغة الصوفية التى لم يترمـّـد عندها ومعها الرومى وأمثاله، بل نزع كما نزع الرائون إلى استبعاد الدلالة الأولى للنار المألوفة بغية الولوج فى دلالات النار اللا مألوفة، المتحركة، المتشكلة، التى لا تعرف شرراً للبداية، ولا رماداً للنهاية، بل تستطير أكثر فى التسبيح والكشف والحجاب لتبدو المحرق الأساسى لروح نورانية تحرق النار والنور وتتمدد لتتكثف، وتتكاثف لتشفّ ، وتشفّ لتذوب عميقاً فى وحدة الوجود التى نادى بها الشيخ الأكبر ابن عربي: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبى إذا لم يكن دينى إلى دينه دانى فأصبح قلبى قابلا ً كل صورة فدير لرهبان ومرعى لغزلان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآنى أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب دينى وإيمانى وضمن هذه الترائيات العاشقة لوحدة الإله والإنسانية والوجود يقول مولانا: "انظر إلى العمامة أحكمها فوق رأسي، بل انظر إلى زنار زرادشت حول خصري، مسلم أنا ولكنى نصرانى وبرهمى وزرادشتي. ليس لى سوى معبد واحد؛ مسجد أو كنيسة أو بيت أصنام/ فى التصوف الاسلامى وتأريخه، ص 94 ـ نيكلسون المستشرق الإنكليزى الذى ترجم مثنوى جلال الدين الرومي". ولا يخفى على المبصر ما يتشاكل بين العناصر لا سيما النورانية منها سواء انعكس نورها من ملفوظة مطوية بالنار والنور كملفوظة "النار" مثلا ً، أم انعكس نورها من حجبها مثل "الناي" و"النأي" حيث هما مقامان، بمفهوم ما، يندغمان، أو يوصلان إلى القرب الذى بعده بعد ٌ حيث البعد لا مسافة والقرب لا مسافة فلا يمكث فى الحركة إلاّ شجو الرؤيا وموسيقاها المنبعثة من "الناي" والتى من المحتمل أن تضمر الأنا "أناي" ثم لتتوالى على اللا مسافة بـ "النأي" فتدور مولوية من الأنوار، مولوية من اللا نهايات، مولوية من الإيقاعات، مولوية من البصائر، فتتشابك لتتخلى وتتجلى راعدة ً ذات مقام، بارقة ً ذات مقام، متصلة، بلا شك، بمدلولات الآية الكريمة: "نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم".. ولهذه الأنوار كما يكتب ابن عربى فى مواقع النجوم، أثير يجعلها " تسبح فى ثمانية أفلاك، ولها ثمانى حركات، وثمانية مشارق، وثمانية مغارب، وثمانية مواسط، حيث نقطة الاستواء، وتقابلها نقطة الحضيض، فألقابها الشمس، والهلال، والقمر، والبدر، والكوكب الثابت، والبرق، والسراج، والنار"ص 97/ دار ابن القيم"" ولو تابعنا مكاشفات الأنوار، وقراءة الأسرار فى كتاب "مواقع النجوم لابن عربى وشرحها للكاشاني" لرأينا للمقامات أهلها ودلالاتها:" فالنور الشمسى لأهل المعرفة، والهلالى لأهل المراقبة، والقمرى لأهل الاعتبار، والبدرى لأهل المسامرة، والكوكبى لأهل المراعاة، والسراجى لأهل الخلوات، والنارى لأهل المجاهدات، والبرقى لأهل العلم؛ أهل الاختصاص الجامعين للمقامات؛ وهم أهل الذات؛ وهو أرفع الأنوار وأعلاها، وهو لمح يخطر للعالم لا يثبت لقوته فإنه مهلك؛ لكن فائدته عظيمة لمجيء رعد الهيبة بعده وأمطار الأسرار. هذا إذا تجلى هيبة فإنه تجليَ جمالاً، فهو الخلـّـب. وأما مقاماتها فثمانية، وأعنى بمقاماتها، مدلولاتها التى هذه الأنوار دلائل عليها: فمدلول البدر الدنيا الكبرى ـ الجسم الإنسانى من حيث هو كون مصغر عن العالم الدنياوى قابل للفناء، ومن حيث هو نسخة جامعة للعالم الأصغر ـ، ومدلول الكوكب الثابت الدنيا الصغرى، ومدلول السراج الجنة الكبرى، ومدلول النار الجنة الصغرى، ومدلول القمر جهنم الكبرى، ومدلول الهلال جهنم الصغرى، ومدلول الشمس صفات المعنى، ومدلول البرق صفات النفس الكبرى من هذا العالم الإنسانى والصغرى فى العالم الكبير، فانظرْ وتحقق. وظلمات هذه الأنوار ثماني: فنور الشمس يزيل ظلمة النفس، ونور الهلال يزيل ظلمة الشك، ونور القمر يزيل ظلمة الغفلة، ونور البدر يزيل ظلمة الخيانة، ونور الكوكب يزيل ظلمة الجهل والشبهة، ونور السراج يزيل ظلمة الوسوسة، ونور النار يزيل ظلمة الرعونة والكون، ونور البرق يزيل ظلمة التنزيه. / ص 97 ـ 98". وما بين ظاهر الدلالة وباطنها تنمو النار من الموسيقى كما تنمو الموسيقى من النار، ولا بد لناى النار من نار الناى ليكتمل النأى ويصبح أول مولوية للقرب المفترض لتختفى النقطة الفاصلة بين نقطة الذات الصغرى ونقطة الذات الكبرى، برْقتـَـها، ربما صاح المتصوف كما صاح الحلاج:" ما فى الجبـّـة إلا الله" أو لربما أنشد مع الرومى بمولوية نصف دائرتها انغماس الروح، ونصفها الآخر عوَد الروح: إسمع النّايَ ما يقصّ ويحكى هو يشكو من الفراق ويبكى قال: إنّى قُطعت من قصباء فبكى النّاس كلهم من بكائى هاتِ صدراً مقطّعاً بالفراق لأبثّ الآلامَ من أشــواقى كلّ منْ غابَ عن ذويه وكيدا رامَ عودَ الزمانِ حتى يعـودا أنا فى كلّ مجمـع وفق أهله فى عسير الزمان أو فى سهله كلهم ظنّ أنـه لـى حــبيب وهو عن سرِّ خاطرى محجوب إنّ سرّي، يا صاح، لحنى يذيعه غير أن الآذان لا تســتطيعه صوت نايى نارٌ، ومـا ريح كلّ خالٍ من ناره فهو ريح هى نار الغرام فى النـّايّ تلفى وهى غليّ الغرام فى الخمر عنفا إنّ ذا النّاى إنْ تمادى أنينه كان خدْناً لمن جفاهُ خدينه ترى، أية نار رآها ابن عربى فى مولانا حين رآه يمشى خلف والده فقال: "سبحان الله.. محيط يمشى خلف بحيرة!".ألا تحيلنا دلالات ابن عربي، بكيفية ما، إلى نار ليست هى النار، وإلى محيط ليس من ماء؟ إذن، هو الباطن الذى شفّ كالظاهر فأنتج أنين الأعماق والأرواح، وكتب بلغة أخرى لا تفك شيفراتها، ورموزها، واحتمالاتها، وما فوق احتمالاتها، سوى النغمة الراعدة المشرقة فى مولوية تتكوكب أحوالها وحالاتها متخطية مادتها الأولى المرموز لها، هنا، بالقصب تبعاً لابن الرومي، وبالمحيط تبعاً لابن عربي، ولا يأتى بعد هذا التخلى عن المكونات المادية للعناصر إلا حكايات الرؤيا وشجنها وبكائها المتصاعد من مقام أدنى إلى مقام أعلى، يمر من طريق الفقد والفناء والفراق، وألم اللقاء الذى سيتخلى فيه العابر إلى الله عن الناسوت ليدخل فى اللاهوت، وهناك، بين البرزخ الرؤيوى والبرزخ الاستبصاري، ينخطف إلى الملكوت، فشطحات وشطحات من دلالات النار وقد تناغمت شوقاً لا تسمعه الآذان، وإن سمعته لا تألفه، لا تفهمه، لكنها، قد تحسُّ بألمه الملتهب بالبقاء.. وهنا، تتصاعد نايات أخرى لنأيات ٍ أخـَـر، فلا يبقى من الذات فى الذات سواه، وكيفما استدار اللحن غاب فى الغياب ليبدو الغياب كشفاً، وليبدو الكشف حجاباً، وليبدو الحجاب غياباً، فتشتعل النار بالشطحة، النار بلا ريح، النار صوت وصمت وخمرة.. والخمرة برزخ بين فناء وبقاء.. قبل البرزخ، أثناء البرزخ، بعد البرزخ، تحتار الشطحة بالشاطح، وتجعله يرفض أو يفرض عشقاً آخر تتقاطر نغماته اتصالا ً وتتقاطر قطراته انفصالا ً، فيريد ـ فى ذات الآن الروحى ـ أن يخرج من طباق ذاته الملتهبة خروجاً مؤقتاً، ويريد أن يخرج من طباق ذاته خروجاً صاعداً متصعداً ودائماً أبداً، فتبصره ينزح أبعد فى اللا زمكان عاشقاً يقول فيه الرومي: يا عشقاً.. يا عاشقاً، عن كوننا هيا ارتحلْ الطبل أرعد فى السما.. فى مسمع الروح اعتمل جمالنا نادى السفر.. بقطاره ضرب المثل عشق، رحيل، كون، طبل السماء، مسامع الروح، الجمال المطلق، السفر، التقاطر، مجموعة علائق تشاكلت فى النسق لتمنح القارئ صورتها تاركة لـه كيفية التماوج للوصول إلى هيولاها.. أ ليس لكل صورة هيولى؟ أليس لكل هيولى صورة؟ أ ليس لهذه المفردة المثنوية الجمعية الجامعة من وحدة كونية؟ تتشابه ولا تتشابه، تشير ولا تشير، لكنها تظل ترتكب الرحيل المستغور فى الأعالى بدءاً من الذات بطبقاتها السبع، وطباقها اللا معدودة، وتحولاتها اللا متناهية، وتكوينها المتشكل كما لم يتشكل ولن يتشكل مع كل حال، أو كل شطحة! مولوية أخرى للكلمات والروح، نايها الجسد، ومحورها النأى عن الجسد، وملكوتها النار اللا مرئية.. تغدو مواقع النجوم مقامات فى مواقع الذات الصغرى لتصير الألهبة طبولا ً وموسيقى وسماوات وعرائش من نور تتلألأ فيها العروجات إلى الذات الكبرى باحثة عن مستقرها التاسع، أو نورها التاسع، كما يبحث الأنين عن لغته فى النار، والأبجدية عن موسيقاها، والروح عن ألواحها، والحال عن المولوية.. وهكذا، تغدو البنية الجمالية بين كل من النار والناى والنأى شبكة علائقية منغلقة عن العودة إلى المادة، منفتحة على بياض لا يتسعه مجهول فكيف سيتسعه كتاب ولا تضيق عليه لغات وحجاب؟ وفى ذلك يقول الرومي: " إن الكتاب ليس حروفاً وكلمات ولكنه قلب أبيض كالثلج". الحروف، مسامع الروح، الكتاب، كلها تمثل الفؤاد، والفؤاد جزء من القلب، القلب البياض، والبياض المحبة ظاهراً وباطناً.. والمحبة لطائف النور الأقدس، وفى ذلك يقول الشيخ البونى فى كتابه "شمس المعارف الكبرى ـ ص11/ المكتبة العلمية الفلكية": "القلب لـه ثلاث تجويفات إحداها فى أعلاه مما غلظ منه وفى نور ساطع وهو محل الإسلام ومعانى الحروف هنالك مشكلة وهو أيضاً محل القوة الناطقة فى الإنسان المدبرة لمعانى الإرادة المنبعثة من النفس، والثانية وسط القلب وهى محل التفكر والتذكر وهو نور ساطع وهو محل السكينة ومحل الخيال فيما تلقيه الروح، والثالثة فى آخره وهى أرقـّـه وألطفه ويعبّـر عنها بالفؤاد وهى محل الإيمان والعقل والنور والتصوف والأسرار وميزان العقل ولطائف الحكم ومحل حب الحياة الطبيعية من الحرارة اللطيفة ولهذا الفؤاد عين نورانية يدرك بها حقائق الملكوتيات وأسرار العلويات الجزئيات والكليات وموازين الحقائق وهى محل الأنوار الوهبيات وأسرار العلويات وتلك البصيرة التى ينظر بها وهى التى قال الله تعالى فيها: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور". ما كانت السماء لتصفو، لو لم تكن فى حالة عشق. وما كان النهر ليجري، لو لم يكن فى حالة عشق. وما كان لشيء أن ينمو، لو لم تكن الجبال والأرض فى حالة عشق.. هذا العشق المختلف للفناء والبقاء، للتنائى والتداني، لعناصر الكينونة لا يكتمل إلا إذا تحوّل القلب إلى بصيرة متقدة بالعلو إلى المطلق..، إلى اللا نهائي.. والقلب هو طريق المعرفة العلوية عند التاوى والبوذى والصوفى كل بطريقته، ولأن القلب "اسطرلاب" بمعنى بصيري، أو "بوصلة رؤيوية" بمعنى سرائري، فهو الذى تترسب فيه المعرفة القادمة من كل محجوب ليشد الرحال والترحال إلى ما يبدو مستـَـقراً لكنه فى باطنه اللا مستقر.. لماذا؟ لأن المعرفة لا تثبت.. كيف؟ أ ليست وهى فى ثباتها متحركة وثابة تطمح إلى ولوج القلق بالقلق، الرؤيا بالرؤيا، البصيرة بالبصيرة، اللا متناهيات باللا متناهيات؟ ولذلك، صاح مولانا ذات شطحة: كنت ميتاً فأصبحت حياً كنت باكياً فأصبحت ضاحكاً جاءت دولة العشق فأصبحت راسخاً.. ورغم بساطة التعبير، أو خيانة الترجمة، إلا أن جماليات الرومى تنبع من مفهومياته الكلية المتحررة إلى الكلمات وعلائقها كجزئيات نسقية تشكـّـل فى النهاية تجربته التى علينا أن نأخذها وحدة واحدة أو نصاً واحداً بأبواب متعددة تجنح إلى المثنوية الواقعية العِـبَـرية فى "فيه ما فيه = مقالات مولانا = أسرار الجلالية" وإلى "شمس تبريز" الروح المثنوية الطيفية الأثيرية للرومى التى لم تدُم معه ولم تزُل منه.. لكنها منحته آلام البرزخ! فارتفع شوقه إلى كلمات، وتحول قلبه إلى مكان رمزى للقاء.. ولا أستبعد أن يكون قلب الرومى هو الناى الذى انفتحتْ ألحانه على الوجود واللا وجود فكان كما أصبح وكما زال وما زال ناراً تشعل بعضها من الغيب، وتترك كلـّـها فى النأي، لتعود ليس كما كانت.. تستقرُّ فى اللا مستـَـقرّ! ولا داع للاستغراب حين أعود إلى العالم الموسوعى السورى القديم الشهير "بوسيدونيوس" الذى نظم رباعياته " دعوة للنسيان" قبل واحد وعشرين قرناً، تبعاً لما ورد فى جريدة الثورة "الخميس ـ 10/4/2008 ـ العدد 13585": لماذا أنا ولدت، و من أين أتيت؟ وكيف حدث أنى موجود حيث أنا الآن؟ لا أعلم شيئاً عن ذلك‏.. وكيف لى أن أعلم أى شيء؟ ..... أنا كنت لا شيئاً‏ و قبل مضى مدة طويلة، ‏ سأعود ثانية إلى العدم!‏ إذن أنا لا شيء ..... هذا هو مصير أى إنسان كما أرى..‏ لهذا..، املأ لنا الأقداح بمزيج النبيذ الصافي، ودعنا ننسى...‏ لأنه عن طريق النسيان، والنسيان فقط، يمكن لنا أن نتحدى العدم !‏ ويظل النداء الباطنى هو البصمة لكل روح تتساءل وتندغم، تبحث وتنفلت، تلتحم بالمركز وتنفصم.. وكلما اشتد النداء الباطني، اشتد الصعود إلى البقاء، وذاب الفناء، وذلك فى حلقات متواترة تشبه موسيقى الناى صوتاً "الناى كرمز للقلب بتجويفاته الثلاثة"، كما تشبه حركتها الدائرية الراقصة "رقصة المولوية أو الدراويش" تشكيلية حرف "النون" التى بين "كن فيكون"، فتدور الروح بمثلـّـثـيّــتها: "الذات/ النفس/ الجسد" دوراناً فنياً جمالياً تلبّـى فيه النداء الذى ما إن يتصل حتى ينقطع، وما إن ينقطع حتى يصل.. وهكذا، إلى أن تتخذ الشطحة أبعادها اللا جهوية، فتكون أقرب إلى ما أسمـّـيه "حلزونية الروح" الأقرب إلى شريط المورثات "DNA".. تتحلزن الروح أكثر مع النداء والناي، ولا تكتمل الدائرة تماماً.. لأنها إذا اكتملتْ تمّ الانغلاق والوصول.. الدائرة فى مولوليتها "النون" تظل باحثة عن نقطتها الأشد غوراً فى الأزلية والأبدية.. نقطة "النون" لا تكفي، لذلك لا بد من نقطة "الباء" فى "البسملة"، ولا بد من "ثلاث نقاط" أخرى لـ "البرزخ"! وإذا ما تخيلـْـنا الحركة المولوية الراقصة المنشدة الشاطحة ضمن هذه الهرمونيـّـة الهندسية الموسيقية للنقاط، فلنا أن نضع نقطة النون مركزاً محورياً محرقياً تدور حول مداراته النقاط الأربع الأخرى، وبقراءة استبصارية أولى، تتشكل لدينا مجموعة مؤلفة من قطب الأقطاب "نقطة النون" وأربعة أقطاب حولها: نقطة كل من "الباء والبرزخ"، وإذا ما قرأنا تبعاً للمألوف فإننا نرى بأن الشيخ الذى يدور حوله المريدون يمثل الشمس بدلالاتها الكونية والصوفية، بينما ترصد حركات الرقص الأخرى للمريدين حركتين للروح إحداهما هابطة وثانيتهما صاعدة.. وتتسم المولوية عموماً بتحدى الزمان والعدم والوجود والمادة سعياً للعودة إلى الينبوع الصافى للروح، سعياً للتواجد فى الطهر الأبدى للكلمة الإلهية "كن فيكون".. إنها لوحة مصغرة للكون بموجوداته وأجرامه، وثانياً، للإنسان بكل تحولاته الباطنة والظاهرة، المعلومة والمجهولة، التائهة المستقرة، الباحثة القلقة اللا مستقرة.. ولأكثر من ذلك، شعر جلال الدين الرومى بأن قلبه بين "ناي" و"نار" هو "النأي"، وبين"نار" و"نأي" هو "الناي"، وبين "ناي" و"نأي" هو "النار".. ولو قمنا بقراءة هذه الدلالات ومدلولاتها بالطريقة الهندسية الموسيقية للنقاط، لاكتشفنا أن هذا النص المؤلف من ثلاث كلمات " الناي/ النأي/ النار" يختزن إيقاعات "نون ثلاثية"، تتراقص مع "ثلاث نقاط" لا بد لها من نقطة رابعة لتكتمل نقاط البرزخ مع نقطة الباء، ولن تكون هذه النقطة سوى نقطة النون فى "أنا" التى لن تكون فى أية حال من الأحوال ـ هنا ـ هى الأنا المفردة، لأنها، وكما نسميها "أنا النحن"، حيث الأنا الجمعية بطبيعتيها: الطبيعية والإنسانية، تبدأ العزف والانعزاف فى آن معاً، ولك أن تسمـّـها ما شئت: "الأنا أنت/ الأنا هو/ الأنا أنا/ الخ"، وهذا ما يجعل الأقطاب الأربعة فى حركات الرقص والشطح والانبعاث المتشظى من كل فناء، وبذلك يصبح القلب هو النقطة المعادلة للمركز، وتحديداً نقطة الباء فى كلمة القلب.. وإذا ما تراءينا ما وراء هذه المولوية وأقطابها، فلنا أن ندرك لماذا قال ابن الرومي: يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدّ الرحال قبرنا يا هذا فى صدور العارفين من الرجال أخيراً، ترى إلى أية غاية توصلنا اليونسكو فى اختيارها مولانا كشخصية دولية لعام 2007؟ ولماذا لم تكن هذه الشخصية الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى مثلاً؟ أو أستاذه "التلمساني" الذى قال:" وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟ ولماذا لم تحتفل حلب كعاصمة للثقافة الإسلامية 2007 بهذه الشخصية فى 2007؟ ترى، هل لأن الشاعر جلال الدين الرومى كان أكثر انفتاحاً من سواه من المتصوفة؟