تبعات الجهل الأمريكى بثقافات وحضارات الغير
Jul ٠٤, ٢٠٠٨ ٠١:٢٨ UTC
هل تختار الإدارة الأمريكية سيناريو حلقات الخوف نتيجة لتورطها المتكرر؟ ما هى الأسس الفلسفية التى تقوم عليها أدبيات تيار
هل تختار الإدارة الأمريكية سيناريو حلقات الخوف نتيجة لتورطها المتكرر؟ ما هى الأسس الفلسفية التى تقوم عليها أدبيات تيار "المحافظين الجدد"؟ وما هو سر انفصام الشخصية التى تعانى منها الشخصية الأمريكية؟ تكفل الباحث المصرى راجى عنايت بالرد على هذه الاستفسارت وغيرها فى كتاب جاء تحت عنوان: "أمريكا إلى أين؟"، وصدر عن دار نهضة مصر القاهرية، وبداية، لا بد من إبداء بعض الملاحظات النقدية التى لا تقزم بأى حال من الجهد الكبير الذى قام به الكاتب فى مبحثه هذا. نلاحظ أولا أن الكتاب يخلو من مراجع الاستشهادات العديدة والهامة التى حفل بها، وأغلبها لساسة وباحثين وإعلاميين أمريكيين، فالكاتب، وفى إطار تبنى خيار النقد العلمى لأداء الإدارة الأمريكية خصوصا، اعتمد على منطق "وشهد شاهد من أهلها"، وكان موفقا إلى حد بعيد، لولا أن الاستشهادات التى أوردها، جاءت مفصولة عن الإحالة على مراجعها، ولو أننا نقرأ بين الفينة والأخرى، إشارات يتيمة لهذه المراجع، ولكن، دون تدقيق فى التواريخ وأسماء المنابر الإعلامية. نأتى للملاحظة النقدية الثانية، وتهم النقد الموجه لتيار "المحافظين الجدد"، وإذا كان المؤلف قد صادف صدور كتاب تحت هذا العنوان، ألفه مؤخرا الكاتب والإعلامى جهاد الخازن، فهناك إسم عربى بارز، أصبح أبرز باحث عربى متخصص فى ملف "المحافظين الجدد"، ويتعلق الأمر بالطاهر الأسود، الباحث التونسى المقيم فى كندا، كما تشهد له بذلك لائحة عريضة من المقالات الرصينة والدقيقة، والتى تعتبر حالة شاذة فى المشهد العلمى العربي، على اعتبار أن المشهد المعرفى العربي، ابتلى منذ عقود مضت ببدعة تحرير أغلب الأسماء فى كل شيء، وحول أى شيء، فيما يهدد فى العمق أسس وقواعد ثقافة وعلم التخصص، على غرار ما هو سائد فى المجالات التداولية الغربية "الأوروبية والأمريكية على وجه الخصوص". تبرز أول مؤاخذات المؤلف على الولايات المتحدة، فى أنها تحولت من الاعتماد على قوة الثروة أو المعرفة، نحو قوة العنف العسكري، التى تعتبر ببساطة، أسوأ أنواع القوة، وواضح أن المؤلف اعتمد فى هذا النقد على اجتهادات المفكر المستقبلى ألفن توفلر، مسطر أطروحة "القوة الناعمة". فلا ينكر أحد، أن العنف، سواء جاء من خنجر غزال أو صاروخ نووي، يمكن أن يحقق نتائج هائلة، إلا أن العنف، كنوع من أنواع القوة، يتصف بنقيصة أساسية، وهى أنه يولّد مقاومة، تجعل ضحاياه يتربصون أول فرصة للأخذ بثأرهم. من الشهادات الهامة التى يحفل بها الكتاب، نورد ما صدر عن وزير العدل الأمريكى السابق، رامزى كلارك، والذى يرى أن النظام السياسى السائد فى الولايات المتحدة أبعد عن النظام الديمقراطي، بقدر ما يقترب من النظام "البلوتوقراطي"، أى حكومة أثرياء، تجتهد أكثر فى تركيز الثروة وتكريس التفرقة بين الغنى والفقير. تصريح كلارك، الوزير، يتقاطع مع ما جاء فى كتاب "ما بعد البلوتوقراطية: ديمقراطية حقيقية لأمريكا"، والذى ألفه روبرت روثنبيرجر، ومفاده أن الخدمة الكبرى التى قدمها الشكل التمثيلى للأغنياء هى أنهم فى الوقت الذى يرفضون فيه الديمقراطية، يبدون كديمقراطيين! أما المفكر نعوم تشومسكي، فقد علّق على انتخابات الولاية الثانية للرئيس الأمريكى جورج بوش الإبن ـ فى تقاطع للمفارقة، مع ما يجرى هذه الأيام فى عز الحملة الانتخابية القائمة بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى ـ قائلا "لا تفعل الحملة الرئاسية للولايات المتحدة سوى أن تشير إلى العجز الديمقراطى الحاد فى أقوى دول العالم، فبإمكان الأمريكيين أن يختاروا بين اثنين من أعضاء أكبر حزبين، ولدا فى أحضان الثروة والسلطة والسياسة، ودرسا معا فى نفس جامعة النخبة الأمريكية، وانضمّا إلى نفس المجتمع السرى الذى يفرض على أعضائه أسلوب ووسائل الحكم، وهما يستطيعان الدخول إلى هذه المنافسة، بفضل تمويل كلّ منهما، على أيدى نفس قوى المؤسسات الاقتصادية". بالنسبة للمعلق الإعلامى فريد كابلان، فيرى بدوره أنه إذا كان الرئيس الأمريكى يريد فعلا أن ينشر الحرية والديمقراطية فى أنحاء الكوكب الأرضي، فسيحتاج، بالإضافة إلى أشياء أخرى، أن يقدم أمريكا باعتبارها نموذجا للديمقراطية، غير أن أحد تقارير المخابرات الأمريكية الذى صدر تحت عنوان "مشروع 2020"، يقول إن "الذين ينظرون إلى أمريكا كنموذج لأى شيء سيصبحون أقل فأقل، لأنه لا يمكننا أن نبيع الحرية، إذا لم نكن قادرين على أن نبيع أنفسنا". يقر المؤلف بأن الأنظمة العربية فى أمسّ الحاجة إلى الإصلاح وإعادة بناء شاملة، ولكن، هذه الدعوة إلى "الإصلاح الذاتي"، لا يجب بأى حال أن تُستغل كذريعة من قبل الإدارة الأمريكية لفرض الإصلاح السياسى والمجتمعى كما تراه هي، وذلك لسبب جوهرى مرتبط بغياب إصلاح ذاتى خاص بالأمريكيين أنفسهم، وتحديدا إصلاح الإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية والشعارات السياسية المروج لها لساكنة المعمور. نختم هذا العرض بما صدر عن الكاتب والناشط الأمريكى مانويل فلنزويلاس، الناقد الاجتماعى والمحلل فى الشؤون الدولية، فى مبحث طويل يحمل عنوان "الظلام الأبدى للعقل الأمريكي"، والذى توقف عند تبعات الجهل الأمريكى بثقافات وحضارات الغير، بالصيغة التى تجسدها تبعات الهجوم على العراق، ملاحظا أنه "كارثة غزو العراق، تؤكد لنا على جهلنا ونقص معارفنا، وفشلنا فى التعرف على الأديان والعقائد والمجتمعات الغريبة علينا، وأنها نتيجة أيضا لفشلنا فى فهم البشر خارج شواطئنا، ومساندتنا المتواصلة لإسرائيل وممارساتها غير الإنسانية ضد الفلسطينيين.. كلها شواهد على اضمحلال معرفتنا بالعالم، بشكل لا يخدم سوى إضافة المزيد من المخاطر لحياتنا، ويُبعِد عنّا البلايين التى كانت تبدى إعجابها ذات يوم بالولايات المتحدة".كلمات دليلية