التواصل الثقافي مع العالم يمر عبر الترجمة
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i20064-التواصل_الثقافي_مع_العالم_يمر_عبر_الترجمة
هل يمكن أن نتخيل عالماً دون ترجمة؟ كيف يمكن للشعوب المختلفة أن تفهم بعضها البعض دون ترجمة؟
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Jul ٠٦, ٢٠٠٨ ٢١:٠٥ UTC
  • التواصل الثقافي مع العالم يمر عبر الترجمة

هل يمكن أن نتخيل عالماً دون ترجمة؟ كيف يمكن للشعوب المختلفة أن تفهم بعضها البعض دون ترجمة؟

هل يمكن أن نتخيل عالماً دون ترجمة؟ كيف يمكن للشعوب المختلفة أن تفهم بعضها البعض دون ترجمة؟ وما هو الدور الذي لعبته الترجمة في تعريف الحضارات البشرية على بعضها البعض؟ تثبت الترجمة أن الحوار بين الحضارات شيء ممكن. بل وحصل هذا الحوار في التاريخ أكثر من مرة. فهل كانت النهضة الأوروبية سوف تحصل لولا ترجمة أمهات الكتب الفلسفية والعلمية العربية إلى اللاتينية؟ من المعلوم أن مدرسة طليطلة هي التي نقلت فكرنا إلى الأوروبيين بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلاديين. ولكن كانت هناك مدارس أخرى أيضاً في صقلية وغيرها من مدن جنوب أوروبا. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن ترجمة العلم الأوروبي إلى لغتنا العربية في بداية القرن التاسع عشر أيام محمد علي. ثم ما انفككنا نترجم منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. وقل الأمر ذاته عن اليابانيين الذين ابتدأت نهضتهم عام 1860عن طريق ترجمة المؤلفات الإنجليزية والفرنسية والألمانية. يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير بول ريكور إن هناك طريقتين للترجمة. الأولى هي النقل الحرفي لرسالة لفظية من لغة إلى أخرى. وهذا هو المعنى الضيق أو الاصطلاحي للترجمة. فهكذا نترجم كتب ديكارت إلى الألمانية، أو كتب هيغل إلى الفرنسية. ولكن هناك معنى واسعا لكلمة ترجمة ألا وهو: تأويل نظام فكري كامل داخل نفس الجماعة القومية أو اللغوية او بين لغتين وثقافتين مختلفتين. فالترجمة بالمعنى الأول كانت دائماً ضرورية. لماذا؟ لأنه توجد عدة لغات بشرية وليس لغة واحدة. فلو كانت البشرية تتكلم لغة واحدة لما احتجنا إلى الترجمة! هذا تحصيل حاصل. وبالتالي فإن الترجمة كانت دائماً وسيلة للتواصل بين اللغات والثقافات المختلفة. فالمثقف الفرنسي لكي يفهم ديكارت ينبغي أن يترجمه، أي أن يستوعب فكره وظروفه على ضوء الظروف الحالية. والمثقف العربي المعاصر لكي يفهم المعري مثلاً ينبغي أن يترجمه إلى لغة عربية حديثة أولاً، وأن يستوعب تساؤلاته في عصره على ضوء تساؤلاتنا في عصرنا . ويرى بول ريكور أن البشرية كانت دائماً تترجم حتى قبل ظهور المترجمين المحترفين. فقبلهم كان يوجد الرحّالة، والتجار، والسفراء، وغيرهم، وكلهم مترجمون بشكل أو بآخر. كلهم كانوا يعرفون أكثر من لغة. ثم يحصر ريكور مسألة الترجمة بين هذين القطبين: الإخلاص والخيانة. فالترجمة إما أن تكون مخلصة لحرفية النص أو خائنة له. ويقال بهذا الصدد ان الخيانة مكروهة في كل شيء ما عدا الترجمة! ينبغي أن تخون الحرف لكي تخلص للمعنى، لروح النص. ويرى بول ريكور أنه لا يوجد معيار مطلق للترجمة الجيدة. ولهذا السبب توجد عدة ترجمات لنفس النص أحياناً. أما الباحث جيل دولانوا الأستاذ في المعهد القومي الفرنسي للعلوم السياسية فيتحدث عن كيفية ترجمة الفكر الصيني. ويرى أن الترجمة تزداد صعوبة كلما كانت اللغات متباعدة جداً. فما الذي يجمع بين اللغة الصينية واللغة الفرنسية؟ لا شيء. يمكنك أن تترجم من اليابانية إلى الصينية، أو من الكورية أو الفيتنامية، ولكن من الفرنسية؟ ومع ذلك فقد ترجمت العديد من الأعمال الفرنسية إلى اللغة الصينية، والعكس صحيح أيضاً. وهذا دليل على وجود شيء مشترك بين اللغات والثقافات الأكثر تباعداً. وهذا الشيء المشترك هو البعد الكوني للمشاعر والعواطف البشرية. فالحسد، أو الغيرة، أو الحب، أو الحكمة، أو الجنون، أو العقل، كلها أشياء موجودة في جميع اللغات، ولكن تعبّر عنها الأمم بكلمات مختلفة. وبالتالي فيمكن ترجمتها من لغة إلى أخرى. بالطبع فإن أصعب شيء هو ترجمة الشعر لأن الشعر مرتبط باللغة أكثر مما يجب، الشعر هو اللغة... ويستحب أن تقرأ الشعر في لغته لا مترجماً. ولكن على الرغم من ذلك فهناك ترجمات فرنسية للشعر الصيني أو الياباني أو العربي..والعكس صحيح ايضا. فكم ترجمنا نحن العرب شعر الانجليز والفرنسيين من أمثال شكسبير وت.س. ايليوت وبودلير ورامبو الخ..؟ هذا وقد وجه بعض الناشرين والأساتذة الجامعيين الباريسيين الى الهيئات العليا "رسالة مفتوحة عن سياسة الترجمة". وفيها يحذّرون المسؤولين من خطورة تراجع الترجمة الفكرية أو الفلسفية في فرنسا وعموم أوروبا. فحتى وقت قريب كانت دور النشر الفرنسية تترجم أهم الأعمال الألمانية، أو الأنغلوساكسونية أو غيرها إلى اللغة الفرنسية. ولكن الترجمة ابتدأت تتراجع منذ عام 1995 على الأقل. وهذا خطر على الخصوبة المعرفية أو التلاقح الفكري بين الثقافات الحية. ونعرف من هذه المقالة أن ميشيل فوكو هو الذي حثَّ على ترجمة الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي إلى الفرنسية عام 1980. ولولاه لما ترجم أو لتأخرت ترجمته. بل وكان فوكو قبل موته يفكر بتخصيص قسم كامل في دار نشر "سوي" لعرض الكتب الألمانية والانجليزية وسواها لكي يتعرف عليها القارئ الفرنسي. فعرض الكتب الجديدة أصبح فعالية ثقافية مهمة جدا ولا تخلو منها أي جريدة كبرى او دار نشر او مجلة تحترم نفسها. فتخيلوا ان ميشيل فوكو في أواخر حياته يتحول الى عارض للكتب الأجنبية! ولم لا؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فإننا نعلم أن أكثر الفلاسفة المترجمين حالياً إلى اللغات الأجنبية هم دريدا، فوكو، هابرماس، رولس.. وبالطبع فإن الترجمة مرتبطة بقوة اللغة أو أهميتها على المسرح الدولي. فمن الواضح أن الفرنسيين يترجمون عن الإنجليز والأميركان أكثر مما يترجم هؤلاء الأخيرون عنهم. لماذا؟ لأن الإنجليزية أقوى من الفرنسية وأهم. وهذا ما يحزن الفرنسيين كثيرا بل ويغيظهم.. فالإنجليزية همَّشت الفرنسية، والأفلام الأميركية غزت العالم، وقل الأمر نفسه عن المسلسلات التلفزيونية والكتب والمجلات..ولذلك أدان كلود شيسون في البرنامج الثقافي الخارجي لفرنسا الإمبريالية الثقافية الأميركية.وحذَّر من هيمنة نمط ثقافي واحد على العالم. ودعا إلى عالم متعدد الثقافات.