باحث بريطاني يكشف عن الجذور الشرقية للعولمة الغربية
Jul ١١, ٢٠٠٨ ٠٠:٢٩ UTC
أصدرت مكتبة الشروق الدولية في القاهرة مؤخراً كتاباً يحمل عنوان «الجذور الشرقية للحضارة الغربية» للكاتب البريطاني وأستاذ العلاقات
أصدرت مكتبة الشروق الدولية في القاهرة مؤخراً كتاباً يحمل عنوان «الجذور الشرقية للحضارة الغربية» للكاتب البريطاني وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيفيلد «جون إم. هوبسون» الذي يناقش في کتابه جانباً جديداً في مجال المقارنة بين الحضارتين، من حيث إن الحضارة العربية والعولمة الشرقية لم تكن حضارة منفصلة عن الغرب، ولم تتعمد الفصل أو الانعزال عن جيرانها في أنحاء المعمورة. ولم تحتكر الاكتشافات العلمية كما تفعل العولمة الغربية الآن، ولم تكن العولمة الشرقية تحمل مضمون تعريف العولمة الغربية الحالي، والذي جاء على لسان أحد أباطرتها وهو «برس بارنفيك» رئيس إحدى الشركات عابرة القارات بقوله «إن العولمة هي حرية شركتنا بأن تقوم باستثمارات، حيث تشاء في الوقت الذي تشاء لإنتاج ما تشاء، وأن تتحمل أقل قدر من القيود فيما يتعلق بحق العمل، والاتفاقيات الجماعية الاجتماعية»، وهو تعريف نمطي لدى أباطرة الرأسمالية المعاصرة، ويستند إلى تراكم القوة الذي اجتمع للرأسمالية عبر تاريخ طويل ومساحات شاسعة من المعمورة. لكن كيف يتحقق هذا التراكم، وما مصدره؟ يبحث الكاتب في السجل التاريخي القائم على الملاحظة والرصد للإجابة عن هذا السؤال ليكشف لنا أنه لأكثر من 1000عام مضت كان الشرق هو المحرك الأول لتنمية العالم. وهو يرد من خلال رصده على فلاسفة مركزية أوروبا مثل «ديفيد لاندرز» الذي يرى أن الغرب وليس الشرق هو الذي حقق النجاح، لذا فهو يدعي أن الأوروبيين هم فقط الذين عرفوا كيف يقودون التقدم نحو الرأسمالية الحديثة أو العولمة الاقتصادية بشكلها الحالي بما تحمله من مضامين تقدمية علمية وتكنولوجية، تصب في النهاية في خانة تعريف العولمة السابق، ولكن هوبسون يعتبر أن مركزية أوروبا تعتبر إشكالية ليس لأنها غير سليمة سياسياً . وتختلف عن التطور الطبيعي للحضارات، وإنما لأنها لا تتفق مع ما حدث بالفعل، ويؤكد «أنه بدون مدّ يد المساعدة من الشرق الأكثر تقدما في الفترة من عام 500 إلى عام 1800 لم يكن للغرب أن يتخطى الحدود إلى الحداثة». وبالتالي كما يقول الباحث كثير من تفكيرنا الغربي ليس علمياً أو موضوعياً إنما هو موجه من خلال وجهة نظر واحدة تعكس بدورها قيم الغرب المتحيزة التي تحول بالضرورة دون رؤية الباحث للصورة الكاملة ويتساءل «ماذا يحدث إذن عندما نرى العالم من خلال منظور أكثر شمولاً ذي وجهتي نظر»؟ يدحض الكاتب جون إم. هوبسون حجة مركزية أوروبا إلى عدة حقائق وضعية، بداية منذ انتشار الموارد الفكرية الشرقية واستيعابها من خلال العولمة الشرقية، وذلك قبل الدخول في تفاصيل الاستيلاء على الثروات الشرقية من خلال الامبريالية الأوروبية. ويضرب على ذلك بمثال ما يسميه «أسطورة فاسكوداجاما»، حيث يتباهى الغرب بأن أول رجل دار حول «رأس الرجاء الصالح»، وأبحر إلى الهند الشرقية هو المكتشف البرتغالي كما يدعي مركزيو الحضارة الأوروبية إلا أنه قبل ذلك بحوالي عقدين إلى خمسة عقود كان البحار الإسلامي «أحمد بن ماجد» قد دار حول الرأس وأبحر حتى شاطئ افريقيا الغربي ثم دخل البحر المتوسط عن طريق مضيق جبل طارق علاوة على ذلك أبحر الساسانيون الفرس نحو الصين والهند منذ القرون الأولى للألفية الأولى. كما فعل أيضاً الاثيوبيون السود ثم بعد ذلك المسلمون في نهاية القرن الميلادي من جزيرة «جاوة الأندونيسية» والهنود والصينيون، قبل داجاما بعدة عقود، وتم نسيان أن داجاما ما استطاع الإبحار إلى الهند لأنه اتخذ من بحار مسلم مجهول الاسم من جوجارات الهندية دليلا له. ولا تقف الحدود الجغرافية لاكتشاف الجذور الشرقية للحضارة الغربية لدى الكاتب عند الشرق الأوسط وحسب وإنما يتخطى ذلك إلى الصين والهند والشمال الافريقي فهو يقول «لم يكن الهنود برابرة بدائيين، في الواقع كانوا أكثر تحضراً من مكتشفيهم البرتغاليين لأن الهند كانت لديها ولمدد طويلة اتصالات تجارية مع أغلب آسيا وشرق أفريقيا وبطريقة غير مباشرة مع أوروبا. وذلك قبل قرون من ادعاء داجاما اكتشافه لها بصفة عامة فإن الموارد الفكرية الشرقية كان لها تأثير كبير في كل من نقاط التحول الأوروبية الكبرى، حيث يبدو أن التقنيات الأساسية التي مكنت الثورة الزراعية الأوروبية في العصور الوسطى بعد عام 600م قد جاءت عبر الشرق». احتفظ الشرق الأوسط الإسلامي وشمال أفريقيا في الفترة بين عامي 650م، 1000م تقريباً بأعلى مستويات القوة الاقتصادية الانتشارية والتكثيفية، وقد حافظ الشرق على هذه القوة حتى القرن الخامس عشر تقريباً. يناقش الباحث عدة دفوع من جانب مؤيدي مركزية أوروبا يؤكدون فيها أن العولمة ظهرت فقط بعد عام 1500م مع مجيء عصر الاستكشاف الأوروبي، ومنها افتراضهم أن الحضارات الإقليمية الرئيسية كانت منعزلة عن بعضها البعض، ولكن يرد الباحث على ذلك بقوله: لقد خلق كل من الفرس والعرب والأفارقة والجاويين واليهود والهنود والصين اقتصاداً عالمياً، وحافظوا عليه حتى عام 1800م تقريباً. وهي الفترة التي تداخلت فيها حضارات العالم الرئيسية، ومن هنا يأتي الكاتب بتعبيره «العولمة الشرقية» في مقابل مصطلح العولمة الغربية الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، ويقدم الأدلة على ذلك بتفاصيل كثيرة. ويتفرع ادعاء انعزال الحضارات بدوره من افتراض أن الثمن السياسي كان مرتفعاً لدرجة أنه لم يفسح مجالاً للتجارة العالمية حيث إن الحكام الشرقيين الطغاة كما يصفهم مؤيدو المركزية الأوروبية أرادوا محو كل أنواع التجارة وفوائدها من الوجود، ولكن الكاتب يؤكد ردا على هذا «لقد حكم مناطق عديدة حكام قاموا بتوفير أجواء سليمة. وحافظوا على ضرائب عبور منخفضة من أجل تسهيل التجارة العالمية، ويفترض المؤيدون للمركزية الأوروبية بأنه قبل عام 1500م لم يكن من الممكن وجود تجارة عالمية ذات أهمية لأنه لم تكن هناك أعراف رأسمالية مثل الائتمان، وصرافي العملات، والبنوك، وقوانين العقود. ولكن ظهرت مجموعة من الأعراف الرأسمالية العقلانية بعد عام 500 م، وكان يتم نقل السلع وتحديد الأسعار، والاتفاق على أسعار الصرف وأبرمت العقود، وكان هناك توسيع في الائتمان ويرى مؤيدو المركزية الأوروبية أن وجود حركة تجارة على مستوى عال كان ببساطة غير ممكن لأن تكنولوجيا المواصلات كانت بدائية. ويشير الباحث إلى نقطة مفصلية تفرق ما بين العولمة الشرقية التي ظهرت ما بين عام 500م وعام 1800م، وما بين العولمة الغربية التي ظهرت ما بين عام 1800م إلى2007، فالتطور الأساسي للعولمة الشرقية جاء نتيجة ظهور مجموعة من الإمبراطوريات ذات الصلة ببعضها البعض، مما وفر مناخاً سلمياً انعشت خلاله التجارة البرية والبحرية منشأة حكم الإمبراطور الصيني «تانج 618م ـ907» والإمبراطورية الأموية والعباسية في الشرق الأوسط «6611258»، والفاطمية في شمال أفريقيا «909م ـ1171م» كان لها أكبر الأثر في ظهور شبكة تجارة عالمية، وكما يشير الباحثون مثل فيليب كورتن لقد أدى تزامن قوة العباسيين والإمبراطور الصيني في نفس الوقت إلى أن تبدو المسافات الطويلة بالنسبة للتجارة سهلة نسبياً للقيام بكامل الرحلة عبر آسيا وشمال أفريقيا.كلمات دليلية