السجال بين الشعراء والفلاسفة
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i2047-السجال_بين_الشعراء_والفلاسفة
يعتبر الشعر أقدم من الفلسفة بزمن كثير، إذ يعود إلى بدايات تكوين الحضارات الإنسانية. وملحمة كلكامش "حوالى 2000 ق.م" والملحمتين:
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Apr ١٢, ٢٠٠٨ ٠١:٥٣ UTC
  • في قصيدته
    في قصيدته "العينية" يصف إبن سينا نزول النفس من العالم الإلهي لتسجن في جسد الإنسان الفاني

يعتبر الشعر أقدم من الفلسفة بزمن كثير، إذ يعود إلى بدايات تكوين الحضارات الإنسانية. وملحمة كلكامش "حوالى 2000 ق.م" والملحمتين:

يعتبر الشعر أقدم من الفلسفة بزمن كثير، إذ يعود إلى بدايات تكوين الحضارات الإنسانية. وملحمة كلكامش "حوالى 2000 ق.م" والملحمتين: الإلياذة والأوديسى للشاعر اليونانى هوميروس "القرن الثامن ق.م" والملاحم الهندية الكبرى الثلاث: ماهاباراتا "مابين 400 إلى 200 ق.م" ورامايانا التى تتألف من 24 ألف بيت شعري، وبوراتاس التى أمتد تأليفها إلى سنة 1000 ميلادية، وغيرها من ملاحم فارسية ورومانية وصينية هى دلائل على عمق الشعر بالوجود الإنساني. وكما هو معروف، فالشعر ينطلق من الأحاسيس والوجدان والشعور فى الوصف والتعبير لأى شيء. ولذلك مهما تفلسف بعض الشعراء فى قصائدهم، فإنهم بصورة أو بأخرى لا يخضعون إلى الفلسفة تماماً. أعنى كمنهج والتزام بمبادئها العقلية والمنطقية، لأن التقلبات النفسية يدركها العقل دونما أن يكون باعثاً لها.وهكذا يقول إفلاطون "427-347 ق.م" فى جمهوريته: "أن الشعر يقودنا إلى الشعور العميق بأحزان وآلام الآخرين، وعليه فإنه يُصغّر نفوسنا ويضعف عزائمنا ويبعدنا عن أداء مهام واجباتنا. وإذن يجب يكون الشعر مختص بتسابيح الآلهة فقط". لأن عملية إصلاح النفوس حسب تصوره أمراً ليس هيناً. وكذلك أجاز إفلاطون من الشعر تقريظ علية القوم والأعمال الشريفة التى يبرز فيها دور وشأن الشعر بين الناس.أما الفلسفة عند إفلاطون فهى منهج الحياة القويمة، وفيها تقوم سعادة البشرية جمعاء؛ حيث من خلالها يكون معرفة "الخير" و "العدل" على أُسس عقلية متينة تؤدي بالفرد إلى بلوغ درجة الكمال فى المجتمع. إذ بالنسبة لإفلاطون كلما ازدادت معرفتنا الفلسفية كلما ازداد فينا النضج العقلى وبالتالى يقل ويضمحل "الشر" من نفوسنا.وعليه فإن عمل الفلسفة أهم وأرقى نفعاً من عمل الشعر، وأن منزلة الحاكم الأعلى فى الدولة تليق بالفيلسوف كونه الأكفأ والأقدر من الشاعر أو غيره. ورغم أن إفلاطون نبغ فى الشعر الغزلى والتمثيلى وكتب المسرحيات، فضلا عن مشاركته فى عدد من المعارك وتعرض للأسر وتم بيعه كالعبيد، إلا أنه اعتنق مبادئ إستاذه سقراط "468-399 ق.م" ولذا فضل الفلسفة على الشعر أو العقل على القلب.أما تلميذه أرسطوطاليس "384-322 ق.م" ينص فى كتابه: "فى الفن الشعري" على أن الملاحم الشعرية بكل أنواعها الأسطورية والمأسوية والفكاهية، ورغم ما يصاحب بعضها من عزف القيثارة والناي، فإنها جميعاً ليست أكثر من "صيغ محاكاة". علاوة على أن الاختلافات الموجودة بين بعضها الآخر يكون أما فى النوع أو المعنى أو الأسلوب ليس غير. ومن هنا يؤكد أرسطو على أن المحاكاة الشعرية بمختلف صورها تكون متصلة أو ذات قرابة مع بعضها البعض. كما هو الحال مع قصائد سوفوقليس تجاه أشعار هوميروس. وكذلك بالنسبة إلى قصائد أرسطو الذى يكتب على نمطهم أيضاً. أي أن الشاعر يقلد لا أكثر. هذا التشخيص الفلسفى للشعر يُراد منه إبراز مفهوم الواقع على أساس المفهوم العقلى له. بمعنى آخر، أن الواقع بكل أشيائه وظواهره يمكن إدراكه بالعنصر العقلى لا بعنصر أدنى منه. وبناءً على هذه القاعدة، ركز فلاسفة اليونان على أولوية الفلسفة بالحياة الإنسانية دون الشعر. كما وأن هذه الأولوية جعلت إفلاطون أن ينصب الفيلسوف حاكماً مثالياً يتربع على رأس السلطة الهرمية. بينما الشاعر مهما أجاد "فن التقليد" وحاكى الواقع فإن منزلته أدنى وأقل.وإذا كان موقف إفلاطون فى جمهوريته هكذا، فأن الفارابي "870-950" الذى تأثر به وبأرسطو على حد سواء، فإن كتابه "المدينة الفاضلة" يساوى من حيث المبدأ المعرفى بين منزلة الفيلسوف والنبي. بيد أن الأول يسعى جاهداً فى تحصيل المعرفة بينما الثانى يتلقاها مباشرة من اللوح المحفوظ، حيث ينذر بما سيكون ويخبر بما هو آتٍ من الجزئيات. وهذا "الإنسان" فى أكمل مراتب الإنسانية وأعلاها فى درجة السعادة.وعلى هذا النهج أيضا سار أبو علي سينا "980-1037". إلا أن قصيدته "العينية" التى نظمها على خطى إفلاطونية رغم فلسفته الأرسطية حيث يصف فيها نزول النفس من العالم الإلهى لتسجن فى جسد الإنسان الفاني، كأنها حمامة فى قفص هذه الطبيعة والتى تشتاق إلى عالمها الأزلي. حيرت هذه القصيدة الكثير من الباحثين، لأن أبن سينا قد خرج فيها عن طور فلسفته؛ كأنها لؤلؤة بين قوالب الذهب. يقول فى مطلعها: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع محجوبة عن كل مقلة ناظر وهى التى سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما كرهت فراقك وهى ذات تفجع أنفت وما نست فلما واصلت ألفت مجاورة الخراب البلقع ويعتبر أبو العلاء المعرى "973-1057" من أقوى شعراء العرب فلسفة، لا لكونه صاحب نظرية عقلية خاصة أو منهج فلسفى واضح، بل لكونه قد تفلسف بالإنسان والطبيعة والوجود والماورائيات تفلسفاً شعرياً مسهباً ومميزاً. غير أن تقلباته النفسية الحادة التى تجتاحه بسبب عاهته المستديمة والصراعات السياسية المتوالية بين الحمدانيين والبيزنطنيين. بالإضافة إلى الاضطرابات الفكرية والنزاعات بين فرق المسلمين. جعلت فلسفته الشعرية ذات صبغة تشاؤمية قاتمة سبق فيها فلسفة التشاؤم عند آرثر شوينهور "1781-1860"، وعدميٌ لا يقل عن عدمية الوجودى جان بول سارتر "1905-1980". أما الشاعر والفيلسوف الآخر هو جورج سنتيانا "1863-1952" الذى شيد صرح أفكاره على هيكل فلاسفة اليونان. حيث أخذ من ديمقريطس "460-370 ق.م" مفهوم الذرة المادية؛ ومن أرسطو مبدأ الأخلاق مفضلا إياها على مفهوم الأخلاق عند عمانوئيل كانت "1734-1804". حيث تنص على أن الأخلاق تكون مطبوعة بطابع الواجب. بينما سنتيانا عندما يسلم بالأخلاق اليونانية القائلة: "أفعل هذا لأنه يؤدى إلى سعادتك". فإن هذا المنطق يدعم بشكل كبير فلسفة الذرائع الأمريكية التى اعتنقها ودافع عنها. وإذا ترك سنتيانا تفسير ماهية المادة إلى علماء الذرة فى سبر غورها، إذ يكفيه أن "يسميها مادة" وحسب. إن سنتيانا عبر رؤيته الشعرية المتفلسفة للأشياء لم يقدم فيها نظرية جديدة تخدم وروح العصر. بل فضل فلسفة القدماء على الحديثين والمعاصرين. الواقع أن الفلاسفة الشعراء أمثال نيتشة وسنتيانا وغيرهم من الذين يسيرون الفلسفة على حساب الشعر، أو الشعراء الفلاسفة أمثال المعرى وغيره، حيث تمشية الشعر على الفلسفة، فإن أفكارهم لابد وأن تتضارب بين الجانب الحسى والعقلي، بين المادى والروحي. و"عينية" ابن سينا خير دليل. وعليه فإن المعرى رغم مناصرته و تبيانه لأهمية العقل، حتى قال فى إحدى قصائده: "فأسله فكل عقل نبي". إلا إننا لا نستطيع أن نصفه بالفيلسوف العقلي، وذلك لقلة التزامه بالمفاهيم الفلسفية للعقل. وكذلك لا نستطيع أن نقول بحق سنتيانا بأنه فيلسوف طبيعي، رغم قوله: "إنى فى الفلسفة الطبيعية مادى صميم". لأن بعض قصائده تنم عن نكهة روحانية فى هذا العالم. وهكذا يبقى الأمر سجالاً بين الشعر والفلسفة.