كيف يتعامل المترجمون مع نصوص شعرية؟
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i21580-كيف_يتعامل_المترجمون_مع_نصوص_شعرية
بفضل شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، لم يعد النشر حكراً على فئة دون أخرى من الكتاب، ولم تعد الثقافة أسيرة بيد بعض القائمين عليها
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Aug ٢٢, ٢٠٠٨ ٠٦:٣٤ UTC
  • كيف يتعامل المترجمون مع نصوص شعرية؟

بفضل شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، لم يعد النشر حكراً على فئة دون أخرى من الكتاب، ولم تعد الثقافة أسيرة بيد بعض القائمين عليها

بفضل شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، لم يعد النشر حكراً على فئة دون أخرى من الكتاب، ولم تعد الثقافة أسيرة بيد بعض القائمين عليها يوجهونها الوجهة التي يريدون لخدمة هذا السلطان أو ذاك أو لمحاباة هذه الجهة أو تلك، أو ليستخدموها مطية دعائية رخيصة للدفع باتجاه فكري أو عقائدي ما دون آخر. هذه فضيلة من فضائل شبكة الانترنت العديدة إلا إن من مساوئها، وهي قليلة، إن النشر فيها متاح للغث والسمين على حد سواء، ولكن لا ضير في ذلك على أية حال، لأن فرص النقد والتصدي للغث وتمييزه عن السمين متاحة للجميع ولا حصانة لأحد في ذلك، مما سيزيد من قدرة العملة الجيدة على طرد العملة الرديئة والمزيفة. ليس خافيا على أحد إن الترجمة الأدبية فن صعب، وإنها علم لا يؤتى لطالبه بسهولة ويسر ولا يناله كل من هب ودب، وان كل مراكبها صعب إلا إن أصعبها مركب الشعر. فترجمة الشعر عملية يكتنفها الكثير من الخلق والإبداع شأنها شأن الإبداع الشعري ذاته. لذلك فكلما ازداد نفاذ المترجم إلى أعماق النص لفك مغاليقه، كلما اتسعت مساحات الإبداع أمامه وكبر هامشه بين يديه وكلما تضاءل بالتالي خوفه، ولا أقول تخوفه أو تهيبه، من النص الشعري. لا يكفي لمن يتصدى لترجمة الشعر امتلاك بعض المؤهلات الأكاديمية كالشهادة العليا أو التمتع ببعض الامتيازات الحياتية كالعيش في بلد أجنبي، ذلك لأن الترجمة بوصفها فناً وعلماً في آن واحد تتطلب مهارات وقدرات إضافية أخرى يعرفها من خاض غمارها وركب مركبها الصعب، فمنها ما يتعلق بالجانب العلمي، وهو جانب ينبغي أن يكون التحصيل العلمي فيه قد وفر للمترجم فرصة امتلاك ناصية اللغة، بل اللغتين معا، إلا انه وحده لا يمكن أن يكون بديلا عن الجانب الفني والذوقي، أو ما اصطلح عليه بالموهبة، أي تلك القدرات والملكات التي ينبغي أن يتوافر عليها المترجم لكي يستطيع بوساطتها توظيف علمه وخبرته ومؤهلاته توظيفا يصب في النهاية في صالح عملية الترجمة لكي تكون بذلك عملا إبداعيا يطمح إلى مضاهاة الأصل. إن عدم الإحاطة التامة والمعرفة الكاملة بالنص الشعري من حيث طبيعة لغته ومعانيه السياقية المستنبطة من النص نفسه، لا من القواميس، ومن حيث دلالات صوره ورموزه وتناصاته وإحالاته الثقافية المختلفة، ومن حيث بناه النحوية السطحية والعميقة، وأخيرا وليس آخرا من حيث نظامه الصوتي الوزني والإيقاعي والتقفوي وغير ذلك، كل هذه سوف تؤدي بالتأكيد إلى ترجمة النص الشعري ترجمة حَرْفية لا روح فيها يكون المترجم قد انتزع من خلالها الحياة من القصيدة الأصل ليعطينا جثة هامدة باللغة الأخرى. ثمة أسباب عديدة تكمن وراء ذلك، منها ما هو ناتج عن بعض الأفكار الخاطئة عن ماهية الترجمة الأدبية وطبيعتها. من هذه الأفكار مثلا الاعتقاد السائد بأن الترجمة الجيدة الممكنة الوحيدة هي ترجمة الأفكار، أو المضامين، وليس الكلمات. قد يصح هذا الاعتقاد في ترجمة النصوص التي هي أقرب للعلمية منها إلى الأدبية، نصوص ليس للأسلوب والصياغة اللغوية دور مهم فيها، نصوص يهتم كتابها بإيصال الأفكار أكثر من اهتمامهم بطريقة إيصالها. أما في ترجمة الشعر، فالأمر بكل تأكيد مختلف تماما. إن القصيدة، أية قصيدة، تخلق واقعا مختلفا عن الواقع الحقيقي حتى لو كانت صادقة كل الصدق في محاكاة هذا الواقع. وإلا لما كان الشعر خلقا وإبداعا. القصيدة تخلق واقعا ينبغي على المترجم أن يتعامل معه وفق قوانينه هو، وليس وفق قوانين تفرض عليه من خارجه حتى لو كانت تلك القوانين صارمة صرامة قواعد اللغة ونحوها وإلا لما خرج شعراء كبار مثل شكسبير على قواعد اللغة أحيانا وبالأخص عندما تقف اللغة في بعض جوانبها عاجزة عن تلبية حاجاته الإبداعية، وهذا الخروج هو في حقيقة الأمر ليس إلا خروجا مجازيا لا يتم إلا من داخل هذه اللغة ووفقا لقوانينها لا كما يراه بعض النحاة المتزمتين مثلا على انه خروج على لغة الأسلاف، والشواهد كثيرة في أدبنا العربي كما في آداب الأمم الأخرى. إن الشعراء الكبار من أمثال المتنبي وشكسبير هم الذين أثروا لغاتهم ونفخوا فيه الحياة على مر العصور من خلال قدرتهم على الخلق والإبداع في لغة شعرهم. ومثلما يؤدي الشعراء الكبار هذا الدور في لغاتهم الأم كذلك ينبغي أن يكون في حسبان المترجم انه يلعب الدور ذاته فيما يخص لغته التي يترجم إليها، دورا لا يقل أهمية عن سابقه في الخلق والابداع. من هنا فان مسؤولية المترجم كبيرة وخطيرة، يضاف إليها انك تستطيع التعبير عن أفكارك على قدر كبير من الترابط المنطقي والوضوح، أما التعبير عن أفكار غيرك بالقدر نفسه من الترابط والوضوح فليس بالأمر الهين على الإطلاق. يتعامل بعض المترجمين مع النص الشعري بحَرْفية مبالغ فيها تصل حد التقديس حتى لكأن النص متحجرة من متحجرات ما قبل التاريخ وليس عملا إبداعيا ينبض بالحياة ويقبل أن يتنفس حياة جديدة إذا ما نفخت فيه بلغة جديدة؛ وهناك من المترجمين من يستسهل الترجمة الأدبية حتى كأنها تصريف عملة؛ وهناك منهم من لا يستطيعون سبر أغوار النص فتراهم يحومون حوله ويطوفون طوافهم حول المحراب فلا يستطيعون كسر قشرته والنفاذ إلى داخله فيترجمون قشرته فتأتي ترجمتهم ركيكة في لغتها وصياغاتها وأسلوبها وبعيدة كل البعد عن روح النص الأصلي. وهم يفعلون ذلك بحجة الأمانة للنص. إن الأمانة للنص وهم لا يصدقه إلا العاجزون عن فهم الشعر ولغة الشعر والعاجزون بالنتيجة عن ترجمته كما ينبغي أن يترجم. ومن يظن انه يكون أمينا للنص بنقله كلمات القصيدة نقلا مطابقا لمعانيها المعجمية هو في الحقيقة ليس أمينا إلا لقشرة النص. إن تقديس النص علة من علل الترجمة الرديئة لأنه ببساطة ليس تقديسا حقيقيا نابعا من احترام حقيقي للنص الشعري ومن شعور بالرهبة المشروعة تجاهه، وهو أيضا لا ينبع من الحرص على النقل بأكبر قدر من الموضوعية والأمانة، بل هو في حقيقة الأمر خوف من النص. وماذا تعني الأمانة حقا؟ أتعني فقط انك تكون أمينا للمضمون فحسب؟ ألا ينبغي لمن يدعي ترجمة الشعر ترجمة أمينة أن لا يكتفي بنقل المعنى المعجمي الحرفي فحسب بل عليه أيضا أن ينقل الوزن والإيقاع والقافية والنبرة واللهجة والأسلوب وحتى جرس الكلمات؟ الأمانة الحقة تعني أن عليك أن تنقل كل شيء في النص بدءاً بالمعنى ومروراً بكل ما يختزنه النص من صور وإشارات ورموز وتناصات وانتهاء بالوزن والإيقاع وحتى القافية. إلا إن المترجم الذي يعاني من علة تقديس النص هو في واقع الحال لا يقدس إلا المعاني المعجمية فقط فتراه يقطـّع جسد القصيدة إلى أوصال يجدها في القاموس وكثيرا ما يقع، نتيجة لذلك، في فخ المفردات أو العبارات أو الجمل التي تلبس النص المترجم لباسا ليس على مقاسه وذلك لأنه يبحث عن القصيدة في القاموس وليس في النص الشعري.