فيدل كاسترو يكتب عن صديقه الکاتب غابرييل غارسيا ماركيز
Aug ٣١, ٢٠٠٨ ٢٢:٢٥ UTC
منذ أن تخلى الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عن رئاسة الدولة، وعن الموقع الأول في الحزب اختار أن يكتب عمودا سياسيا دوريا في صحيفة "غرانما "
منذ أن تخلى الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عن رئاسة الدولة، وعن الموقع الأول في الحزب اختار أن يكتب عمودا سياسيا دوريا في صحيفة "غرانما " لسان الحزب الشيوعي الكوبي يعرض فيه لوجهات نظره في العديد من القضايا المحلية وقضايا أميركا اللاتينية والعالم، ويظهر العمود أسبوعيا تحت عنوان " تأملات فيديل"، موقعا في نهايته بالأسم الثلاثي : فيديل كاسترو روز. وهذا الاسبوع قرر كاسترو أن يأخذ استراحة من السياسة فألقى بالبرقيات الأخبارية جانبا ليكتب عن لقائه بصديقه الروائي الكولومبي المشهور غابرييل غارسيا ماركيز الذي ترجع علاقته به لأكثر من خمسين عاما، والذي يزور هافانا هذه الايام مع زوجته مرسيدس بارتشا. يستذكر كاسترو كيف تعاقدت الوكالة الاخبارية الكوبية التي كانت قد أنشأت في حينه باقتراح من تشي جيفارا مع عدد من الصحفيين كان من بينهم صحفي كولومبي ما يزال في أول الطريق هو غابرييل غارسيا ماركيز. ولم تكن لدى مسؤولي الوكالة أو لدى غابرييل نفسه أية فكرة عن جائزة نوبل، ولم يخطر في باله وهو أبن عامل التلغراف في المركز البريدي لقرية كولومبية صغيرة، ضائعة بين أحراش غابات الموز الشاسعة التي تديرها احدى شركات (اليانكي) أن يحصل يوما على ما يساويها ومع أن له حزمة من أشقائه الا أن والده أن يحظى بامتياز الحصول على عمل وبفضل ذلك ضمن لأبنائه قدرا من التعليم . يقول كاسترو : " لقد خضت أنا تجربة معاكسة تماما فقد كان المركز البريدي ومفاتيح التلغراف وكذلك المدرسة العامة الصغيرة في قرية (بيراين) هي الاشياء الوحيدة في تلك القرية التي لم تكن مملوكة من قبل أبي اذ أن كل السلع والخدمات ذات القيمة الاقتصادية في القرية كانت تحت ملكية السيد آنجيل ولذلك استطعت أن ألتحق بالمدرسة , ولم أحظ بشرف زيارة (آراكاتاكا) القرية التي ولد فيها (الغابو) ولكن توفرت لدي الفرصة للاحتفال بعيد ميلادي السبعين في (بيراين) بحضوره". ويتحدث كاسترو عن مصادفة جمعته بماركيز وذلك عام 1948 عند حضوره مؤتمر طلبة أميركا اللاتينية في كولومبيا , وقد كان طالبا آنذاك بنفس الوقت الذي كانت فيه بوغوتا العاصمة تحتضن اجتماع قادة أميركا اللاتينية لاقامة منظمة خاصة بدول القارة , وفي حينها نظمت الحركة الشعبية الكولومبية تظاهرة احتجاجا على المجازر التي ارتكبتها الحكومة بحق الفلاحين , شارك في التظاهرة (غابو) نفسه . وقد تطورت العلاقة بين كاسترو وماركيز عبر سنوات طويلة أجريا خلالها مئات المحادثات التي يصفها بأنها " كانت مهمة وشيقة " , كذلك فان جولات الحوار بينه وبين ماركيز ومرسيدس في زياراتهما المتكررة الى كوبا بمعدل أكثر من مرة في العام " مثلت علاجا للتوترات الشديدة التي يعيشها باستمرار, على نحو غير واع , أي قائد ثوري كوبي " , بحسب قول كاسترو نفسه . ويروي كاسترو حكاية تعرضه للاغتيال أثناء جولة بالعربات التي تجرها الخيول نظمت لضيوف القمة الايبرو-أميركية السادسة في مدينة كارتاغينا الكولومبية الأثرية والمحاطة بالأسوار ,والشبيهة بهافانا القديمة فيقول " أبلغني الرفاق مسؤولو الامن الكوبيون أنهم لا ينصحون بمشاركتي في جولة كهذه , ولكنني فكرت أن ذلك يعكس قلقا مبالغا فيه , اذ أنهم قد لا يكونون قد اطلعوا على طبيعة الاحتياطات الأمنية الدقبقة التي وضعها المضيفون , وقد كنت دائما أحترم وجهات نظر رجال الامن وحرفيتهم , ولذلك كنت دائما أتعاون معهم . ناديت على الغابو الذي كان قريبا مني , وقلت له وأنا أمزح : " اركب معنا في هذه العربة حتى لا يفكر أحد باطلاق النار علينا ! " , والتفت الى مرسيدس التي كانت تجلس خلفنا لأقول لها بنفس النبرة " لعلك ستكونين الأرملة الأكثر شبابا ! " , ولا أعتقد أنها نسيت ذلك الى اليوم . وحين انطلقت بنا الخيل وهي تكاد تعرج جراء حمولتها الثقيلة كانت حوافرها تتزحلق بين الأرصفة حيث بدأت الجولة . وقد عرفت فيما بعد أنه حصل نفس الشيء الذي حدث معنا أثناء زيارتي لمدينة سانتياغو في تشيلي , حيث كانت الكاميرا التلفزيونية قد حملت بسلاح أوتوماتيكي وجه نحوي طيلة المؤتمر الصحفي الذي عقدته , لكن المرتزقة لم يمتلكوا الجرأة على الضغط على الزناد , وفي كارتاغينا كانت لديهم بنادق مزودة بعدسات مقربة , وكذلك أسلحة أوتوماتيكية أخفيت في مواضع لا تقع عليها العين , ومرة أخرى ارتجفت الأصابع المكلفة بالضغط على الزناد , ولم تتم العملية كما خطط لها , وكانت الحجة أن رأس ( الغابو )أعاق نظرهم الى الهدف المطلوب". ويضيف كاسترو أنه استعاد في محادثاته الأخيرة مع غابو ومرسيدس هذه الحادثة , وأنه سأل مرسيدس وهي المعروفة بقدرتها البطولية في حفظ الأرقام عن عدد المرات التي حضروا فيها سوية مناسبات كهذه سواء كان ذلك داخل كوبا أو خارجها , ومن بينها حدث تأسيس مؤسسة السينما لأميركا اللاتينية التي أنشأتها كوبا , وترأس ادارتها غارسيا ماركيز نفسه , واتخذت مقرا لها في مزرعة القديسة بربارا وهو المكان المعروف تاريخيا من خلال النطورات المهمة الايجابية والسلبية التي عاشها في الربع الأول من القرن الماضي , وكذلك مناسبة افتتاح معهد السينما الجديدة في أميركا اللاتينية الذي أشرف عليه الغابو بشكل دقيق " لدرجة لم تغب فيه عنه حتى التفاصيل الصغيرة " , يقول كاسترو " لقد كان لي قبل ذلك حكم غير منصف على هذا الرجل المثقف اذ تصورته ينطلق من احساس طاغ بالخيال والوهم , ولم أكن أدرك كم من الواقعية يكمن في عقله!" ومر في المحادثات العديد من الشخصيات الكوبية والأجنبية التي عبرت من خلال عشرات الأحداث التي حصلت داخل كوبا وخارجها , والتي كان كاسترو وضيفاه من شهودها .. " ترى .. كم من الأمور قد حدث على امتداد العقود الماضية" ؟ ولم تكف فترة الساعتين اللتين قضاهما كاسترو في الحديث مع ضيفيه لاستعادة كل التفاصيل , ولذلك دعاهما الى مائدة الغداء " .. وهو أمر لم يحصل مع زواري طيلة ما يقرب من سنتين كما لم يخطر ببالي ( منذ أن بدأت في تطبيق برنامج خاص بالحمية الغذائية ) , لكنني أدركت أنني فعلا في اجازة ترويحية , وهذا ما قلته لضيفي , وبشكل عفوي تم حل الاشكال فقد كان لهما أن يتناولا غذاءهما المعتاد , فيما تناولت أنا غذائي الخاص بي وفق برنامج الحمية المقرر لي وبكل انضباط , ومن دون أن أنحرف عنه انجا واحدا , لم أفعل ذلك لكي أضيف سنوات الى عمري , ولكن لأضيف انتاجية مفيدة للزمن الذي يمر بي . " وتسلم كاسترو من ضيفيه " هدية لطيفة مغلفة بورق جذاب وزاهي الألوان , حوت خمسة كتيبات صغيرة , كل واحد منها أكبر قليلا من بطاقة بريدية وأقل طولا, يضم 40 الى 50 صفحة , كتبت بأحرف صغيرة جدا ولكن يمكن قراءتها , انها الخطابات التي تم القاؤها في استوكهولم عاصمة السويد من قبل خمسة من الحاصلين على جائزة نوبل للآداب في السنوات الستين الأخيرة .. وهم : وليام فوكنر ( 1949 ) وبابلو نيرودا ( 1971 ) وغابرييل غارسيا ماركيز ( 1982 ) وجون ماكسويل كويتزي ( 2003 ) و دوريس ليسنغ ( 2007 ) .. " قالت مرسيدس وهي تسلم الهدية الى كاسترو " فكرنا أن نوفر لك مادة للقراءة ! " , طلب كاسترو منها المزيد من المعلومات عن مضامين الكتيبات , وقال للغابو وزوجته قبل أن ينصرفا " لقد قضيت معكما وقتا ممتعا لم أحظ بمثله منذ مرضي قبل سنتين .. هذا ما أحس به " . أجاب الغابو " من المؤكد أن فرصا أخرى ستتوفر لنا للقاء والحديث .. " يكتب كاسترو " .. لكن فضولي لمعرفة ما قاله الرجال الخمسة الحائزون على "نوبل" دفعني , وأنا أمارس رياضة المشي بعد خروج ضيفي للطلب من رفيق لي أن يأتي بالهدية , كنت أفكر , وأنا واع بوتيرة التحولات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة , بوجهات نظر هؤلاء الكتاب اللامعين الذين عاشوا قبل هذا العصر المضطرب , انني أطمح أن يستطيع مواطنونا يوما أن يقرأوا ما كتبه هؤلاء ! " ويتذكر كاسترو " أن الغابو لا يحب القاء الخطب , وهو يقضي شهورا في البحث عن المعلومة .. كما أنه كان متضايقا من الخطبة التي كان عليه ان يقولها في الحفل الذي أقيم لتسلم الجائزة في حينه .. ولوكانت مهنته القاء الخطب لمات بنوبة قابية حتما ! " يوضح الزعيم الكوبي رؤيته لجائزة نوبل التي كثيرا ما كانت مثار نقاش في الأوساط الثقافية والسياسية في العالم بتاكيده على " أننا ينبغي ان لا ننسى ان الجائزة تمنح في عاصمة بلد لم يشهد معاناة حرب منذ أكثر من 150 عاما , وهو خاضع لنظام حكم ملكي دستوري يهيمن عليه حزب من الحركة الاشتراكية الدولية وفيه رجال نبلاء مثل " أولف بالما " الذي اغتيل لمواقفه التضامنية مع فقراء العالم .. والمؤسسة السويدية المانحة للجائزة لا تحوم حولها الشبهات بانحيازها الى الشيوعية , ومع ذلك فقد منحت الجائوة لوليام فولكنر وهو كاتب أميركي متمرد وملهم , وبابلو نيرودا المناضل في الحزب الشيوعي الذي تسلمها خلال الأيام المجيدة في عهد سلفادور الليندي عندما حاولت القوى الفاشية السيطرة على تشيلي , وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز أحد الكتاب اللامعين الذين يحظون بالتقدير في عصرنا الحاضر". يضيف كاسترو : " لا يحتاج المرء الى القول كيف كان الغابو يفكر , يكفي أن يقرأ المقطع الأخير من خطبته الفريدة , التي ألقاها أثناء تسلمه الجائزة في العاشر من ديسمبر 1982 , في حينها كانت كوبا تقاوم حصار ( اليانكي ) : " .. في يوم كيومنا هذا وقف معلمي وليام فولكنر ليقول في نفس هذا المكان : " انني أرفض القبول بنهاية لانسان ! " ولقد أضاف الغابو الى مقولة فولكنر قوله : " انني أشعر انني غير جدير بالوقوف في مكانه هنا اذا لم أمتلك الوعي الكامل على أن التراجيديا الانسانية الهائلة التي رفضها منذ اثنين وثلاثين عام, هي الآن ولأول مرة في تاريخ الانسانية مجرد امكانية علمية بسيطة . وفي مواجهة هذه الحقيقة المذهلة التي كانت تبدو ضربا من اليوتوبيا على امتداد العصور ينبغي علينا – نحن مخترعي الأساطير والحكايات الذين نؤمن بكل شيء – أن نشعر أنه يحق لنا الاعتقاد أن الأوان لم يفت لنشرع في صنع اليوتوبيا المعاكسة الخاصة بنا .. انها ستكون يوتوبيا عاصفة وزاخرة بالحياة , حيث لن يكون أحد بمقدور أحد أن يقرر , نيابة عن الآخرين طريقة موتهم , بنفس الوقت الذي نثبت فيه للعالم أن السعادة أمر ممكن , وحيث تستطيع كل الأعراق التي كانت محكومة بمئة عام من العزلة أن توفر لنفسها في آخر المطاف , والى الأبد , فرصة ثانية للعيش الكريم على سطح المعمورة.كلمات دليلية