اللغة العربية تحتاج لجهاز دفاعي يحميها من الغزو الثقافي المضاد
Apr ٠٥, ٢٠٠٨ ٠٠:٢٠ UTC
يحاول الباحث حسن عباس فى كتابه "خصائص الحروف العربية ومعانيها" الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق
يحاول الباحث حسن عباس فى كتابه "خصائص الحروف العربية ومعانيها" الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، الكشف عن مظاهر الإعجاز اللغوي فى بنية اللغة العربية، على ضوء ما تحصل له عن تطورها عبر مراحل مختلفة. وقد حافظ على خصائص ومعانى كل فئة منها فى مفرداته وقواعد صرفه ونحوه. فكل حرف عربى له خصائصه ومعانيه، ومعنى كل مفردة هو بعامة محصلة خصائص ومعانى أحرفها، مما يثبت فطرية العربية وأصالة مبدعها، كما أن العربى قد آخى بين القيم الجمالية والإنسانية فى لسانه، فخصَّ الألفاظ التى فى أصوات حروفها رقة وأناقة وجمال وفعالية، مما ترتاح له النفس بمعان جيدة، والعكس بالعكس.ويرى المؤلف أن دراسته هذه تمهد للانتقال بالعربية من مرحلتها التراثية التى دامت ألف عام ونيف.. "كيف استعمل العربى مفرداته وقواعد صرفه ونحوه؟" إلى مرحلة حديثة هى "لماذا استعملها العربى هكذا؟". كما يرى المؤلف أنه ما من وسيلة عصرية متاحة، هى أصلح من خصائص الحروف العربية ومعانيها لإنقاذ العربية وحمايتها من الغزو الثقافى المضاد، لا لمحاصرته.أنه على الرغم مما ساقه فى هذه الدراسة من الأدلة على صحة انتماء أصول الحروف العربية إلى المراحل "الغابية والزراعية والرعوية"، لا يبعد أن يظل فى نفس القارئ بعض الشكوك حول هذه الانتماءات الغريبة على علوم اللغة، فقد يتساءل مستنكراً، وبفرض أن الإنسان العربى قد اعتمد فى المرحلة الرعوية صدى الأصوات فى نفسه للتعبير عن حاجاته بكلمات توحى أصوات حروفها بمعانيها إيحاء: فلماذا ظل فى المرحلة الرعوية يستخدم الخصائص الهيجانية لحروف المرحلة الغابية، والخصائص الإيمائية لحروف المرحلة الزراعية بما يتوافق مع خصائصهما، وثمة فواصل زمنية بين هذه المراحل الثلاث آلاف الأعوام؟ لماذا ظل يعتمد هاتين الطريقتين المتخلفتين "الهيجانى والإيمائي"، من طرق التواصل اللغوي البدائى بعد أن اهتدى فى المرحلة الرعوية إلى طريقة التواصل بالأصوات الموحية، أرقى طرق التواصل الإنساني، براعة فى النطق، ورهافة فى الأحاسيس وشفافية فى المشاعر؟يرد الباحث حسن عباس على هذه التساؤلات الاستنكارية بتساؤلات مضادة: "إذا كان الإنسان العربى قد اعتمد فى المرحلة الرعوية صدى الأصوات فى نفسه، فأبدع الحروف الإيحائية للتعبير عن معانيه، فهل يعقل أن يعود القهقرى فيبدع الحروف الإيمائية والهيجانية فى تواصله اللغوي؟ وإذن لا مفر من الإقرار بأن الإنسان العربى قد أبدع الحروف "الهيجانية والإيمائية والإيحائية" تباعاً فى المراحل "الغابية ثم الزراعية ثم الرعوية" التى مر بها فى الجزيرة العربية، كما ثبت ذلك فى دراستى "الحرف العربى والشخصية العربية". ولكن لماذا ظل الإنسان العربى يتعامل فى المرحلة الرعوية مع الأحرف "الغابية والزراعية" للتعبير عن معانيه وفقاً لخصائصهما الهيجانية والإيمائية؟ ففى دراسة حرف "الفاء" مثلاً عثرت على 120 مصدراً جذراً تتصدرها "الفاء" لمعانى "الشق والقطع والتوسع والبعثرة" بما يتوافق مع خصائصها الإيمائية، كانت الحروف الإيحائية "الرعوية" تشارك فى تراكيب معظمها. مما يقطع بأن الإنسان العربى قد أبدع معظم هذه المصادر الجذور فى المرحلة الرعوية. وهكذا الأمر مع باقى الحروف "الهيجانية والإيمائية" كما لاحظنا ذلك فى المعانى المعجمية للمصادر الجذور التى شاركت فى تراكيبها. والأغرب مما سبق أن يلتزم العربى فى المرحلة الرعوية بالخصائص الإيمائية فى "الفاء" لمعانى "الشق والقطع والتوسع والبعثرة" بنسب بلغت 55 فى المئة ولم یتم العثور على أى مصدر تتزعمه "الفاء" لمعانى الإلصاق. وأن يلتزم العربى أيضاً بالخصائص الإيمائية فى "اللام" لمعانى الإلصاق واللوك والأطعمة بنسب بلغت "63" فى المئة من المصادر التى تبدأ بها، لم يكن ثمة واحد منها لمعانى الشق والقطع والتوسع والبعثرة. وإذن فإنه لا بد لنا من التسليم بأن الإنسان العربى قد التزم أيضاً فى المرحلة الرعوية بخصائص الحروف "الهيجانية والإيمائية" بمعرض التعبير عن معانيه. وهكذا يمكن المصالحة بين "لما ذات" القارئ الاستنكارية، وبين "لما ذاتي" المضادة فى "كيف" "كيف تم هذا التداخل المرحلى بين خصائص الحروف فى اللغة العربية؟".ويوضح المؤلف أن الحروف العربية والإنسان العربى ينتميان إلى المراحل "الغابية والزراعية والرعوية" التى أمضياها فى ربوع الجزيرة العربية، لكن كيف تم التواصل بين أبناء الجزيرة العربية مرحلة حياة بعد مرحلة؟ يقول عباس: "إن تقسيمى تواصلهم اللغوى إلى مراحل هيجانية "غابية"، وإيمائية "زراعية" وإيحائية "رعوية" لا يعنى وجود فواصل قاطعة بين هذه المراحل، وإنما يعنى أن كل مرحلة منها قد انطبعت بطابع خاص يميزها من بعضها بعضاً. وإن كانت متداخلة فيما بينها، فكيف تم تداخل التواصل اللغوى الراهن فى تلك المراحل؟ أولاً- فى المرحلة الغابية: إن التواصل اللغوى فى هذه المرحلة كان يتم بالأصوات الهيجانية والحركات العفوية. إذن، فالإنسان "الغابي" قد اعتمد الحركات الجسمية للتعبير عفوياً، وليس "إرادياً" عن حاجاته وبذلك تكون الحركات الجسمية الإرادية "المحدثة" فى المرحلة الزراعية لها "أصولها" الفطرية فى المرحلة الغابية.كما أن الإنسان "الغابي" باعتماده الأصوات الهيجانية الانفعالية، كان يعتمد بذلك أصداء أصواتها فى نفسه للتعبير بها عفوياً لا "إرادياً" عن حاجاته وهكذا كانت الأصوات الإيحائية الإرادية "المحدثة" فى المرحلة الرعوية لها "أصولها" الفطرية فى المرحلة الغابية. ثانياً- فى المرحلة الزراعية: عندما انتقل أبناء الجزيرة العربية من المرحلة "الغابية" المشردة إلى المرحلة "الزراعية" المستقرة، كانوا يمتلكون ثروة متواضعة من الأصوات الهيجانية والحركات الجسمية العفوية، بما يكفى للتعبير عن حاجاتهم المعيشية المحددة.ولكن معظم هذه الأصوات والحركات قد سقط من التداول فى المرحلتين الزراعية والرعوية لعدم اللزوم. أما ما بقى منهما، فقد تهذب بما يناسب التواصل اللغوى فى المرحلتين آنفتى الذكر ولم يبق لنا من أصولهما يقينا مما احتفظ بخصائصه "الهيجانية والإيمائية" سوى "الهمزة والألف اللينة والواو والياء". وبفرض أن الإنسان العربى قد اهتدى فى المرحلة "الغابية" إلى أصول بعض الأصوات مما يسهل النطق بها عفوياً مثل "الباء- الميم- التاء- الدال.." فإنها لم تحتفظ بخصائصها الهيجانية، وهذا يجيز لنا أن نستبعدها عن فئة الأحرف "الغابية" ونلحق كلاً منها بالمرحلة التى تتوافق مع خصائصه الإيمائية أو الإيحائية فى معظم استعمالاته ومعانيه. كما أضافوا فى المرحلة الزراعية إلى ما ورثوه عن المرحلة الغابية حركات جسمية إرادية ترافقها أصوات مناسبة للتعبير عن حاجاتهم الحضارية المستجدة. وقد سقط معظمها من التداول فى المرحلة الرعوية لعدم جدواها، ولم يبق لنا منها يقيناً سوى أصول أصوات "ف- ل- م- ث- ذ" واحتمالاً، حرفى "ش-خ" أيضاً كما مر معنا فى دراستهما.وهكذا كان من طبيعة الأمور أن يظل أبناء الجزيرة العربية يستخدمون فى المرحلة الزراعية ما ورثوه من الأصوات والحركات الغابية بما يتوافق مع خصائصهما "الهيجانية والإيمائية" العفوية، لتتأصل بذلك هذه الخصائص فى معانيهما بفعل التداول والاستمرار.وعلى مدى آلاف الأعوام من التعامل الحضارى البكر مع الأحرف الغابية "الهيجانية" والزراعية- "الإيمائية"، كان لا بد لهاتين الفئتين من الأحرف أن تستكملا الكثير من مقوماتهما "الشخصية" فتصبح أصواتهما والحركات المرافقة لهما صالحين للتعبير عن حاجات المرحلة الزراعية فى لغة "إرادية" فطرية غير اصطلاحية، كما لاحظنا ذلك فى متن هذه الدراسة. ثالثاً- فى المرحلة الرعوية: وكما انبثقت المرحلة الرعوية القطيعية البكر لأول مرة فى تاريخ الإنسانية من رحم المرحلة الزراعية الأم فى الجزيرة العربية حصراً منذ الألف "9" ق.م. كذلك كان الأمر مع التواصل اللغوي. فعندما غادر أبناء الجزيرة العربية الحياة الزراعية المستقرة إلى الحياة الرعوية الجوالة، كانوا يملكون ثروتين عظيمتين من القطعان المستأنسة فى القطاع الاقتصادي، ومن الأصوات الهيجانية والحركات الإيمائية المروضة فى القطاع اللغوي. وفجأة يجد الرعاة الأوائل أنفسهم فى العراء لا أسوار تحمى ولا سقوف تقي. فالبيئة "الطبيعية- الإنسانية" التى واجهتهم لا عهد لهم بالتعامل مع معظم ما تحويه من الكائنات الحية والنباتات البرية والتضاريس الأرضية والكواكب والنجوم. كما لا عهد لهم بما أصبحوا يعانون فيها من قساوة المناخ وشظف العيش، ومن مخاطر التجوال دفاعاً عن النفس وحماية للقطيع، ونزاعاً على المناهل والمراعي. دنيا جديدة فى تحركها ومحتوياتها ومخاطرها، قد اضطرهم التعامل معها إلى إبداع المزيد من المفردات الجديدة للتواصل فيما بينهم.وهكذا كان من طبيعة الأمور أن يلجأوا فى بادئ الأمر إلى ما ورثوه من الأصوات الهيجانية والحركات الإيمائية عبر المرحلتين "الغابية والزراعية" للتعبير عن حاجاتهم ومعانيهم الجديدة.وحول "الشعر العربى الأصيل وموسقة الكلمة العربية" يقول الباحث حسن عباس: "ما أحسب أن كلمةً عربية وردت فى تراثنا المعرفى القديم والجديد إلا وقد وردت أصولها فى الشعر العربى الأصيل مراراً، وإن بمعان مختلفة، ولكن بما لا يخرج عن خصائص ومعانى أحرفها حفاظاً على أصالتها.كلمات دليلية