المكتبة العالمية تفتقر الى الكتب العربية المترجمة
Sep ١٨, ٢٠٠٨ ٢٢:٠٥ UTC
قبل بضع سنوات حل العالم العربى ضيف شرف على المعرض الدولى للكتاب فى مدينة فرانكفورت
قبل بضع سنوات حل العالم العربى ضيف شرف على المعرض الدولى للكتاب فى مدينة فرانكفورت. وتبين لمعظم العرب الذين زاروا المعرض وضوح حقيقة مؤسفة حذّر منها الكثير من المهتمين بالأدب العربى من دول عربية ومن ألمانيا وهى قلة عدد الترجمات الأدبية وانتشارها فى الدول الناطقة باللغة الألمانية وهى إلى جانب ألمانيا، سويسرا والنمسا. وهذا الأمر ليس بحاجة إلى أبحاث بل تؤكده الأرقام والإحصائيات التى صدرت عن مؤسسة تشجيع آداب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التابعة لمعرض الكتاب الدولى فى فرانكفورت. ورغم حماس المشاركين العرب لحصول العالم العربى على فرصة نادرة جدا باستضافته كضيف شرف على ما يعتبر أكبر معرض للكتاب فى العالم، فإن زوّار المعرض وقتذاك لم يتوفر لديهم الكثير من الكتب والمؤلفات المترجمة للغة الألمانية. وتعتبر هذه انتكاسة قوية للأدب العربي. فاختيار الكاتب المصرى الراحل نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الأدب قبل سنوات، وكان قبل ذلك يحصل قوته ليس نتيجة كتاباته فى صحيفة مصرية يومية أو من خلال تأليف الكتب وإنما من خلال عمله فى كتابة السيناريوهات للأفلام، تم بعد ترجمة مجموعة من أعماله إلى لغة أجنبية. فى أواخر عام 2003 بلغ عدد المؤلفات الأدبية الصادرة لكتّاب عرب باللغة الألمانية 476 كتابا، أى أقل من 0،5 بالمائة من مجموع الكتب المتوفرة فى سوق الكتاب فى الدول الناطقة بالألمانية. وبعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 شعر القراء الألمان برغبة قوية فى قراءة كتب ومؤلفات عن الإسلام وتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، لكن بعض الكتّاب والمؤلفين الألمان والفرنسيين والبريطانيين أدركوا الفرصة وأغنوا سوق الكتاب فى الغرب بمؤلفاتهم عن الإسلام والقاعدة وبن لادن، كل منهم حسبما توفر لديه من معلومات أما أعمال الكتاب العرب فقد غابت تماما عن سوق الكتاب فى الغرب وضاعت فرصة هامة. وحقيقة أخرى تشير إليها ليلى شماع وهى لبنانية تعيش فى برلين وصاحبة وكالة "ألف" للنشر والترجمة، هى أن غالبية الكتب التى عرضت فى المكتبات الغربية لم تترجم عن العربية ولكن عن الفرنسية أو الإنجليزية وهى لكتاب عرب يكتبون بهاتين اللغتين. جزء آخر من هذه الكتب منشور أصلا باللغة الألمانية لكتاب من أصل عربى يقيمون فى ألمانيا ويكتبون بالألمانية مثل رفيق شامى الذى ينحدر من سوريا وسليم الإفنيش الذى ينحدر من فلسطين وغيرهما. وهكذا فإن عملية مسح للكتب المترجمة للألمانية توضح أن عدد المترجم منها عن العربية 170 كتابا فقط. وبالتالى يتراوح مجموع الكتب المترجمة عن العربية إلى الألمانية بين عشرة إلى أربعة عشر كتابا فى السنة. ولعل أبرز ما يتبين من خلال الاطلاع على الأرقام الضعيفة أن دور النشر التى تقوم بأعمال الترجمة عن اللغة العربية قليلة جدا، ليس فى العالم العربى فحسب بل فى الغرب أيضا. وعادة تهتم دار نشر غربية بترجمة كتاب حسب توقعات المبيع والرواج فى سوق الكتاب، أى تنظر لأعمال الترجمة من باب التجارة فقط. وقامت إحدى دور النشر الأوروبية بالتركيز على ترجمة وتسويق أعمال نجيب محفوظ فقط بعد فوزه بجائزة نوبل. تقول ليلى شماع إن الرصيد المتواضع للأدب العربى فى سوق الكتاب الألمانى لا يرجع إلى قلة الاهتمام بالأدب العربى نفسه، فأدب الشرق يبقى ساحرا، لكن هناك أسباب أخرى. وتضيف: خلال زياراتى إلى معارض الكتب وعبر مناقشاتى مع الناشرين تبيّن لى أن هناك دور نشر كبيرة تبدى رغبة فى نشر الأدب العربى المعاصر ولكن اللغة تشكل عائقا رئيسيا. وتمضى ليلى شماع قائلة: يشكل الحاجز اللغوى مشكلة جذرية إذا قارنا نشر وتوزيع الأدب العربى المكتوب بالفرنسية ونقله للألمانية مع الأدب المكتوب باللغة العربية وترجمته للألمانية. الأول يتفوق بحجم دور النشر وأهميتها وعدد النسخ المطبوعة وكمية التوزيع وهذا عائد حسب رأى ليلى شماع إلى سبب لغوي، إذ لا عائق لدى الناشرين حيال اللغة الفرنسية، ولكن الحال يختلف تماما بالنسبة إلى اللغة العربية. وفضلا عن الحاجز اللغوي، توجد مشكلة تواصل هيكلية بين الناشرين العرب والناشرين فى ألمانيا وسويسرا والنمسا، ويعود السبب كما ترى ليلى شماع إلى اختلافات تركيبية أساسية على الصعيد القانونى فيما يتعلق بترخيص حقوق الترجمة على كلا الجانبين. فى المعتاد لا تكون حقوق الترجمة فى البلاد الناطقة بالألمانية لدى المؤلفين ولكن لدى دور النشر التى لديها عادة اهتمام تجارى بأن تنشط فى بيع حقوق الترجمة وبالتالى عرضها على دور نشر أخرى لغرض ترويجها وتحقيق أرباح. أما منظومة دور النشر العربية فوضعها مغاير. بغض النظر عن بعض الاستثناءات القليلة فإن حقوق الترجمة فى الدول العربية ليست لدى دور النشر بل لدى المؤلفين مما يعنى أن دور النشر غير مخولة ببيع حقوق الترجمة وليس لديها الاهتمام التجارى بذلك. ولهذا السبب فإن الناشرين العرب على النقيض من زملائهم الأوروبيين لا يقدمون أنفسهم كممثلين لكتابهم، ولا يعملون من أجلهم وإنما يظهرون فى معارض الكتب، كما يحدث كل عام فى المعرض الدولى للكتاب فى فرانكفورت على سبيل المثال، كمشترين فقط لا كبائعين. توضح ليلى شماع أن أغلب الترجمات الألمانية للكتب العربية لا تتم من خلال عقود بين ناشر عربى وناشر ألماني، وإنما من خلال عقود بين مؤلف عربى وناشر من الدول الناطقة بالألمانية. وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف وبناء على أى مبادرة تتم هذه التعاقدات؟ إذ أن المؤلفين فى المعتاد ليسوا رجالا يقومون بتقديم منتجاتهم لأكبر قدر ممكن من المشترين. إن الجزء الأكبر من الترجمات وعملية الاتصال تمر فى أغلب الأحيان من طريق عدد قليل من الأشخاص المهتمين بالأدب العربى أو ممن يشتغلون به مهنيا. وتلاحظ ليلى شماع أن أكثر من يقوم بدور الوساطة بين المؤلفين العرب ودور النشر فى البلدان الناطقة بالألمانية هم المترجون، وإليهم يعود الفضل فى دفع نشاط الترجمة إلى الأمام، كونهم يقومون برحلة بحث أدبية لما يمكن أن يثير اهتمام دور النشر الألمانية من المؤلفات العربية، فضلا عن أنهم يوفرون الاتصال بين المؤلف والناشر فى أغلب الأحيان. لكن هذا النشاط يبقى محدودا لأنه نشاط فردى وعشوائى أيضا. وتشير ليلى شماع فى السياق إلى أن إدراكها لهذه العوائق وخبرتها كمترجمة دفعا بها إلى تأسيس وكالة "ألف" كحلقة وصل بين المؤلفين العرب والناشرين الألمان للخروج من مأزق العزلة وتخطى الحواجز اللغوية والقانونية. وحتى الآن استطاعت ليلى شماع أن تدفع موضوع ترجمة الأدب العربى إلى الألمانية وتسعى للتعريف به على مستوى أكبر والعمل بصورة خاصة لإخراج الأدب العربى من الزاوية التى حشر فيها ووضعه فى مكان يليق به فى رفوف الأدب العالمي. وتوضح ليلى شماع مدى الصعوبة التى يواجهها الناشرون فى الدول الناطقة بالألمانية حيال نشر الأدب العربى وتقول: نظرا إلى أن الطلب على الأدب العربى ما زال محدودا ونخبويا فى البلدان الناطقة بالألمانية، فإن تحمل تكاليف ترجمة ونشر مثل هذه الكتب يعنى من الناحية التجارية مجازفة مادية بالنسبة إلى الناشر. والناشر لا يقدم على هذه المجازفة إلا إذا حصل على دعم مادي، لذلك تقوم مؤسسة تشجيع آداب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بتقديم مساهمات مالية إذ تساعد فى تمويل الترجمات سواء كان ذلك من خلال المؤسسة الثقافية السويسرية "بروهلفيتسيا" أو من خلال وزارة الخارجية الألمانية وقد قامت هذه المؤسسة منذ تأسيسها فى عام 1984 بتمويل ترجمة 97 كتابا لمؤلفين عرب بما فيهم 60 كتابا من اللغة العربية. أما بالنسبة إلى الترجمة فى الاتجاه المعاكس، أى من الألمانية إلى اللغات الأخرى وخاصة العربية، فينشط معهد "غوته"، أهم مؤسسة ثقافية ألمانية تعمل خارج حدود ألمانيا، فى تشجيع الناشرين على ترجمة أعمال عن الألمانية وتقديمها لقراء اللغات الأخرى. وقد قام معهد "غوته" خلال ثلاثين عاما بنشر أربعة آلاف كتاب مترجم إلى 45 لغة مختلفة. ويتركز الدعم على ترجمة كتب علمية تعالج مواضيع سياسية واجتماعية واقتصادية وتاريخية وتحليلات للتطورات الراهنة على الصعيد العالمى والأوروبى ولاسيما الألماني. علاوة على ذلك تساهم المؤسسة الألمانية المذكورة فى ترجمة أعمال أدبية كلاسيكية ومعاصرة بالإضافة إلى أدب الأطفال. وبإمكان كل ناشر مهتم بعد الحصول على ترخيص حقوق الترجمة أن يقدم طلبا لدعم هذه الترجمة ويتحدد مبلغ الدعم من قبل لجنة تجتمع ثلاث مرات فى السنة. بصورة عامة ترى ليلى شماع أن وضع الأدب العربى فى الدول الناطقة بالألمانية مؤسف جدا خصوصا وأننا نعيش فى عصر العولمة وتداول الإنتاج المادى والثقافى على نطاق لم يعرفه العالم من قبل. وتفرض هذه العولمة وانفتاح المجتمعات والثقافات على بعضها البعض تواصلا فى الكتابات والأفكار بين العالم العربى والغرب، خصوصا فى ظل تردى الأوضاع السياسية العالمية الراهنة وهكذا يصبح الحوار والتبادل الثقافى أمرين أكثر أهمية من ذى قبل. والترجمة كما تؤكد ليلى شماع لها دور مركزى فى عملية التبادل الثقافى بحيث أنها تقيم جسورا لغوية وتردم فجوات وتقرب من عوالم وتتصدى للأحكام المسبقة، كما أن ترجمة النصوص الأدبية تسهم فى عملية التواصل الثقافى وتخلق نوعا من التأثر والتأثير فى الإنتاج الثقافى نفسه. فالأدب حسب ليلى شماع من أكثر الوسائط قدرة على التغلغل فى الذات الإنسانية وتصوير حياة البشر فى مواقفهم الحياتية اليومية وفى تناقضاتهم الاجتماعية والعاطفية وفى مخاوفهم. وترى ليلى شماع أن الجانب العربى يتحمل مسؤولية بالغة فى الترويج للأدب العربى والتعريف به خارج الحدود العربية. وكما بينت المشاركة العربية فى المعرض الدولى للكتاب فى فرانكفورت، لا بد أن ترصد مبالغ الدعم وتشجيع أعمال الترجمة، لعل هذه خطوة تساعد فى مواجهة الأحكام المسبقة تجاه الإسلام والعرب وربما أيضا يفوز أديب عربى ثان بجائزة نوبل فى الأدب.كلمات دليلية