الروائي الألماني غونتر غراس يصدر کتابه الجديد "الصندوق"
Sep ٢٢, ٢٠٠٨ ٠١:٣٧ UTC
لا يزال الروائي الألماني الكبير غونتر غراس الذي سيبلغ في السادس عشر من تشرين الأول- اكتوبر المقبل
لا يزال الروائي الألماني الكبير غونتر غراس الذي سيبلغ في السادس عشر من تشرين الأول- اكتوبر المقبل الحادية والثمانين، قادراً على جذب الانتباه وإثارة الجدال. عندما قرأ غونتر غراس من كتابه الصادر مؤخراً بعنوان «الصندوق» على خشبة مسرح «تاليا» في مدينة هامبورغ اندفع شابان من الصفوف الخلفية ورفعا لافتة يتهمونه فيها بأنه يكتب نثراً ضبابياً يغطي على الحقيقة. بالطبع لم يكن الشابان يقصدان كتاب غراس الجديد فهما بالتأكيد لم يقرآه، لكنهما كانا يقصدان الجزء الأول من سيرته الذاتية الذي صدر قبل عامين تحت عنوان «أثناء تقشير البصل» والذي اعترف فيه حائز نوبل لأول مرة بالتحاقه طواعية وهو في السابعة عشرة بجهاز الـ «إس إس» النازي الإجرامي. أراد الشابان اليمينيان أن يستغلا الأمسية للهجوم على غونتر غراس الذي كان طوال عقود سلطة أخلاقية قبل أن يتعرض للهجوم والتجريح من معسكري اليمين واليسار معاً. آنذاك تحتم على غراس أن يواجه الاتهامات بأنه كذاب ومنافق ومدع للأخلاق، لأنه كان طيلة حياته يهاجم غيره على محاولتهم التنصل من الماضي النازي أو إخفائه دون أن يعترف هو بماضيه. ولكن إذا غضضنا النظر عن تلك الشوشرة البائسة في هامبورغ فإن الجزء الثاني من سيرة غونتر غراس بعنوان «الصندوق» صدر بهدوء ولم يثر أي ضجة، أدبية كانت أو سياسية. «الصندوق» كتاب عائلي، أبوي، وكأن «البطريرك» غراس ملّ إثارة الضجيج، ويريد أخيراً أن يستريح وأن يستمتع بدفء عائلته الكبيرة. في «الصندوق» يتحدث غراس عن نفسه من منظور أولاده الثمانية، في الفترة منذ صدور باكورة رواياته «الطبل الصفيح» عام 1959 حتى الحصول على جائزة نوبل عام 1999. «الصندوق» كتاب مسالم لن يثير حفيظة أحد، ألفه غراس على شكل حكاية يحكيها لأولاده وبناته، ويبدأ بالجملة التقليدية التي تبدأ بها حكايات الأطفال: «كان يا ما كان هناك أب تقدم به العمر فنادى على أولاده وبناته- الأربعة، الخمسة، الستة، الثمانية. بعد تردد طويل رضخوا لإرادته وجاؤوا. وهم الآن يجلسون حول مائدة ويتجاذبون أطراف الحديث.» وليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها غراس إلى هذا الشكل القصصي الذي استخدمه كثيراً من قبل، مثلما نقرأ في روايته الشهيرة «الطبل الصفيح». في الكتاب يتحدث غراس أيضاً عن المصورة ماريا راما التي رافقت غراس بالكاميرا في مختلف محطات حياته، وهي التي منحت الكتاب عنوانه، فالصندوق يشير إلى كاميرا «أغفا» من طراز قديم تبدو للرائي اليوم كالصندوق. هذه الكاميرا يمنحها غراس صفات إعجازية، فهي تستطيع أن تقرأ الغيب وتستحضر الماضي. أعطى غراس كتابه العنوان الجانبي «حكايات من الغرفة المظلمة»، وبه يشير إلى طبيعة نصه الذي يحاول أن يلقي الضوء على الذكريات المظلمة وذلك بالمزج بين الحكاية الخيالية وبين وقائع حياته. يرى غراس في هذا المزيج شكلاً مناسباً لكتابة سيرته الذاتية، لأن الذاكرة - كما يقول - خداعة تجمّل الماضي أو تلف حوله ستاراً كثيفاً من النسيان. غراس يتحدث في كتابه صراحةً عن الكذب، وعلى غرار القول الشائع «أعذب الشعر أكذبه»، يقول غونتر غراس «إنني أكون أقرب ما يمكن إلى الحقيقة عندما أكذب.» ويضيف حامل نوبل: «مهنتي تحتم عليّ الكذب، والأدب في أفضل حالاته هو شكل سام من أشكال الكذب.» وهل تبوح الحكايات التي استخرجها غراس من «الغرفة المظلمة» بأسرار جديدة عنه؟ هل يواصل بهذا الجزء من سيرته الكشف عن المجهول في ماضيه؟ لا، فالكتاب لا يضم سوى حكايات عن رب العائلة غراس، عن أولاده وزوجتيه. أما نشاطه السياسي ومعاركه الأدبية فتبقى مدفونة في ذلك «الصندوق» المظلم. يبدو أن ضجة «تقشير البصل» دفعت بالأديب الـــــذي كان في شبابه من قارعي «الطبل الصفيح» أن يختار للبوح سبيلاً أخفت صوتاً وأقل صراحةً وإثارة. والسؤال الذي يثيره «الصندوق» هو: لماذا إذاً يكتب سيرة ذاتية إذا كان يخشى عواقبها؟ لماذا لا يكتب شعراً عذباً بدلاً من سيرة تتجنب الصراحة المؤلمة؟كلمات دليلية