"غاندي".. فيلم يجسد قصة حياة الزعيم الهندي
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i24342-غاندي_.._فيلم_يجسد_قصة_حياة_الزعيم_الهندي
لم يعرض فيلم "غاندي" للمخرج البريطانى ريتشارد أتنبورو ضمن برنامج الدورة الثانية لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبوظبي
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Nov ٠٣, ٢٠٠٨ ٠٠:٠٨ UTC

لم يعرض فيلم "غاندي" للمخرج البريطانى ريتشارد أتنبورو ضمن برنامج الدورة الثانية لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبوظبي

لم يعرض فيلم "غاندي" للمخرج البريطانى ريتشارد أتنبورو ضمن برنامج الدورة الثانية لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبوظبي، لمجرد الرغبة فى إعادة عرض هذا الفيلم الكبير الذى يُعد من كلاسيكيات السينما العالمية، وإنما هناك مبرر لعرضه من جديد خصوصا وأن المخرج قد أضاف بعض المشاهد الجديدة التى قد تضفي أبعادا ودلالات فكرية وبصرية مفيدة إلى السياق العام لهذه الملحمة الفنية التى تُقارَن غالبا مع أفلام من طراز "لورنس العرب" و"الدكتور زيفاكو" وغيرهما من كلاسيكيات السينما العالمية. يتمحور الفيلم الطويل ومدته 188 دقيقة حول قصة الزعيم الهندي الماهاتما موهانداس كارامشاند غاندى الذى يعد أهم زعماء حركة استقلال الهند فى القرن العشرين حيث كان يدعو إلى مقارعة الاحتلال البريطانى بواسطة العصيان المدنى والاحتجاج السلمي. بدأ الفيلم زمنيا منذ عام 1888، أى حينما كان عمر غاندى تسع عشرة سنة حيث سافر إلى لندن لدراسة الحقوق. ثم تعين لاحقا فى إحدى الشركات الهندية فى جنوب أفريقيا فى عام 1893. وخلال مدة وجوده فى لندن كان التمييز العنصرى قائما على أشده إلى الدرجة التى منع فيها المتطرفون الإنكليز الهنود من السير على الأرصفة مجردين إياهم من حق المساواة مع أقرانهم البريطانيين. ولم يكن هذا المنع مقتصرا على المملكة المتحدة لوحدها وإنما امتدّ ليشمل كل المستعمرات البريطانية الخاضعة للتاج البريطانى ومن ضمنها جنوب أفريقيا حيث ركز الفيلم على أحد المشاهد المؤلمة التى أُهينَ فيها غاندى لأنه حجز تذكرة الدرجة الأولى فى القطار، وحينما ضبطته السلطات الرسمية البريطانية "مُتلبسا بالجُرم المشهود" قذفته من عربة القطار كأى منبوذ طالبين منه أن يعود الى عربات الدرجة الثالثة. لقد تعرّض غاندى للإهانة فى جنوب أفريقيا كما تعرض للضرب المبرح حينما كان يطالب بحقوق أقرانه الهنود فى المساواة والعيش الكريم، لكنه كان مصرا على الاحتجاج السلمى لكى يُظهِر وحشية أجهزة الشرطة البريطانية ويكشف عن قساوتها وفظاظتها فى التعامل مع الهنود على وجه التحديد. وربما يكون مشهد إحراق بعض الهنود لوثائقهم الرسمية هى خير دليل على وحشية الشرطة البريطانية آنذاك، إذ إنهال كبيرهم بالهراوة على غاندى تارة، وعلى أناس آخرين تارة أخرى لأنهم أحرقوا هذه الوثائق الرسمية التى لا تضمن للهنود حقوق المواطنة، ولا تضمن لهم إنسانيتهم. ونتيجة للعديد من المواقف العنصرية التى تعرض لها غاندى تفتق وعيه منذ وقت مبكر، وقرر مقاومة الاحتلال البريطانى لبلاده بالطرق السلمية التى أجبرت البريطانيين على التعامل معه فى نهاية المطاف لأنه تحول الى بطل قومى وروحى للهنود من مختلف الطوائف. وعلى الرغم من كونه هندوسيا إلا أنه لم يكن يفرّق بين هندوسى أو مسلم، وبين سيخى أو مسيحى أو يهودى طالما أن الجميع يؤمنون بإله واحد. ومرة قرر مقاطعة الأقمشة البريطانية التى تصنع فى مصانع مانشستر وكبّد البريطانيين خسائر مادية جمة. ولعل مشهد إحراق الكدس الهائل من الملابس كان من المشاهد المؤثرة التى قلّد فيها الشعب الهندى زعيمهم غاندى الذى كان يرتدى قطعة قماشية واحدة يستر بها عورته. كما أن فكرة صناعة الملح الهندى على بساطتها قد أربكت التاج البريطانى هى الأخرى، وقصّرت من عمر الإحتلال البريطانى للهند، بل أجبرت البريطانيين فى نهاية المطاف على توجيه الدعوة الى الماهاتما غاندى للتفاوض معه حول موضوع استقلال الهند. وبالفعل يشرع غاندى فى رحلته البحرية إلى لندن دون أن يتخلى عن لباسه التقليدى الذى لا يؤمِّن له الدفء من البرد القارس فى لندن، خصوصا وأنه كان قد قرر سلفا زيارة بعض مصانع الأقمشة التى تضررت جراء سياسة العصيان السلمي. وفى عموم المدن البريطانية التى زارها قوبل غاندى بالترحيب الحار من قبل شرائح واسعة من الشعب البريطانى التى كانت متعاطفة مع الشعب الهندى الذى لاقى مختلف أصناف الوحشية والتعذيب على أيدى العساكر البريطانية التى ارتكبت أبشع المجازر بحق المتظاهرين الهنود الذين اتبعوا سياسة العصيان المدني. وقد توقف الفيلم عند واحدة من أبشع المجازر التى راح ضحيتها نحو 1500 مواطن هندى أعزل بينهم عدد من الشيوخ والأطفال والنساء. أما فيما يتعلق بسياسة غاندى مع شعبه متعدد الأعراق والديانات فإنه كان يصوم عن الطعام كلما اندلعت نيران الفتنة بين الهندوس والمسلمين على وجه التحديد. وكان لا يفطر إلا حينما يسمع أن أعمال الشغب والعنف قد هدأت أو انتهت تماما. ورغم الجهود العظيمة التى بذلها غاندى من أجل شعبه إلا أنه يذهب ضحية لأحد المتطرفين الهندوس، إذ رسمت رصاصات الجهل والتخلف والأصولية المتشددة نهاية مأساوية لهذا الزعيم الذى عاش ومات من أجل كرامة شعبه فاستحق لقب البطولة عن جدارة بعد أن استقر فى الذاكرة الجمعية كرمز كبير قد لا يتكرر بسهولة. لم يكن غاندى شخصا استثنائيا فحسب، وإنما كان شخصية فذة ولامعة بين الأبطال والعباقرة والقديسين. ففى ذكرى وفاته عام 1948 قال عنه ألبرت أينشتاين الذى لم يكن يعرفه قط، ولكن كانت صورهُ تغطى جدران مكتبه "لن تصدق الأجيال القادمة على الأرجح أن شخصية كهذه من لحم ودم عاشت على الأرض" وأكثر من ذلك فقد ذهب اللورد لويس مونتباتن، وهو آخر حاكم بريطانى على الهند، الى القول "إن غاندى سيدخل التاريخ، وسيكون فى مصاف بوذا والمسيح". قد يبدو فى هذا الكلام نوعا من المبالغة أو المغالاة الخارجة عن الحد، فهو فى نهاية الأمر إنسان، غير أن عمق إنسانيته، وأسلوب حياته، وطريقته فى التفكير هى التى خلقت منه كائنا إستثنائيا لا يختلف كثيرا فى نزوعه ودعواته عن الأنبياء والقديسين والصالحين وأصحاب الكرامات. ومن هنا تأتى الصعوبة فى إنجاز فيلم يتناول سيرته الذاتية النضالية على وجه التحديد. فتفاصيل حياته منسوجة بتفاصيل حياة شعبه الذى تجاوز السبعمائة مليون نسمة آنذاك. فمن المستحيل فك الاشتباك والتداخل الكبير بينه وبين شعبه الذى آمن بتوجهاته وآزرها على الرغم من التضحيات الجسام التى قدمها فى سبيل التحرر من ربقة الاستعمار البريطاني. وربما من المفيد هنا أن نقتبس بعضا من جمله وعباراته الجميلة والعميقة التى رسخته فى ذاكرة الهنود على وجه التحديد وفى الذاكرة العالمية عموما. لنتمعن فيما يقوله بصدد العنف الذى يستعمل غالبا فى إجلاء وطرد المحتلين "إن النصر الناتج عن العنف هو مساو للهزيمة، إذ أنه سريع الانقضاء" لذلك فهو لم يبحث عن النصر الذى يزول بسرعة، وإنما كان يفكر فى النصر الدائم الذى يثبت أمام تقادم الأعوام. تحاول الشعوب المُحتَلة أن تبرر استعمالها للعنف لطرد القوات المحتلة. ونحن فى أمتنا العربية والإسلامية نردد فى الأعم الأغلب المَثل الذى يقوم على مبدأ "العينُ بالعين، والسِن بالسِن، والبادئ أظلم " بينما يؤكد غاندى أن سياسة " العين بالعين تجعل العالم بأكمله أعمى". كان غاندى منفتحا على جميع الثقافات البشرية، وممتصا لها، فلا غرابة فى أن يقول "أنا لا أريد أن يكون منزلى محاطا بجدار من كافة النواحي، ولا أريد أن تكون نوافذى مسدودة. أريد أن تكون ثقافات كافة البلدان منتشرة حول منزلى بحرية، ولكنى أرفض أن أُنسَف من قبِل أى منها"، إن هذه المقولة تؤكد إيمانه العميق بتلاقح الثقافات، ولا يجد ضيرا فى أن يُعير ثقافته أو يستعير من الثقافات الأخرى. الشيء الوحيد الذى كان يعترض عليه هو أن يُنسَف من قبل الثقافات الأخرى التى تحبذ فكرة الهيمنة على عقول الآخرين وأذهانهم. لا بد من الإقرار بأن الماهاتما غاندى كان على قدر كبير من التضحية فمن الصعب أن تجد إنسانا مستعدا لأن يموت، ولا يملك بالمقابل ذرة استعداد للقتل حيث قال ذات مرة" أنا مستعد لأن أموت، ولكن ليس هنالك أى داعٍ لأكون مستعدا للقتل"، ولتأكيد نزوعه الإنسانى الجميل يقول "أينَ يتواجد الحب تتواجد الحياة" ومن يتتبع حياة غاندى فسيجد أنها قائمة على الحب بأعمق أشكاله، وعلى الكرم فى أقصى حدوده. غير أن جل ما يخشاه هو حرمان الآخرين من الحب والحياة الحرة الكريمة حيث كان يردد باستمرار "إن حرمان شخصٍ من حريته الطبيعية وإنكار أسباب راحته العادية هو أسوأ من تجويع الجسد؛ إذ أن ذلك تجويع للروح القاطنة فى الجسد" ولا شك فى أن العلاقة واضحة وعميقة فى ربطه بين الجوع المادى والجوع الروحى الأشد وطأة وتأثيرا على الكائن البشري. إن فلسفة غاندى كانت تنبذ العنف، وتتبنى العصيان السلمى المبرمج فلا غرابة فى أن يقول "إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية. إنه أقوى من أفتك سلاح دمار تم تصميمه ببراعة الإنسان"، لقد قيّدوه وسجنوه وضروبه أكثر من مرة، لكنهم لم يفلحوا فى سجن أفكاره أو احتجازها لمدة قصيرة من الزمن لأنها كانت تنتشر أسرع من انتشار العطر فى الهواء. على الرغم من الجهود العظيمة التى بذلها الماهاتما غاندى من أجل محاصرة كل أشكال التوتر التى كانت تعم المدن الهندية إلى درجة أن غاندى وافق عن قناعة راسخة على أن يكون محمد على جناح أول رئيس وزراء مسلم للهند إلا أن سياسة بريطانيا العظمى كانت هى الأقوى على الرغم من موافقتها المبدئية على منح الإستقلال، إذ تقرر منح الإقليم الشمالى الغربى الذى سمى لاحقا بالباكستان، والجزء الشرقى من الهند "بنغلاديش حاليا" للأغلبية المسلمة فيما نزحت أعداد كبيرة من الهندوس من الإقليمين المذكورين الى المدن الهندية وبقيت التوترات والانقسامات الحادة تحدث بين أوان وآخر فى المدن التى تجمع بين الهندوس والمسلمين. وقد جسد الفيلم هذه التوترات القائمة على العنف فى مشهد سينمائى يقطّع الأنفاس. أما النهاية المأساوية فتتمثل فى المشهد المرعب الذى أطلق فيه أحد الهندوس النار على غاندى من مسافة قريبة جدا وأرداه قتيلا فى الحال بعد أن أطلق جملة قصيرة واحدة مفادها "أوّاه، يا إلهي" لينسدل بعدها الستار على مأساة أمة بأكملها.