في ذكرى ميلاد "برتولت بريخت" مجدّد المسرح العالمي
Nov ٢٤, ٢٠٠٨ ٠٠:٢٦ UTC
يرتبط المسرح التعليمي عند برتولت بريخت (1898-1956) ارتباطاً وثيقاً بالمرحلة التاريخية وبما تحتضنه من أحداث سياسية واقتصادية وبالتالي اجتماعية
يرتبط المسرح التعليمي عند برتولت بريخت (1898-1956) ارتباطاً وثيقاً بالمرحلة التاريخية وبما تحتضنه من أحداث سياسية واقتصادية وبالتالي اجتماعية، وبمناسبة مرور أكثر من 110 أعوام على ميلاد هذا الرجل الذي كان مجددا حقيقيا في المسرح لا بد من تسليط الضوء على انجازاته. فمن المعروف أن بريخت كان قد كتب أهم مسرحياته التعليمية ما بين عامي 1929 و1933، أي في الأعوام التي بلغ فيها المسرح الاشتراكي المبكر قمة تطورّه في ألمانيا، ولاشك بأن هذا التطوّر لم يكن من قبيل الصدفة، بل كان انعكاساً للتطوّر التاريخي آنذاك. فنتيجة للأوضاع الاقتصادية العالمية وما أصابها من تردٍّ كان لابدّ أن ينعكس هذا على الوضع الثقافي بشكل عام والمسرح بشكل خاص. لقد أدركت الأوساط الامبريالية التي سعت إلى الإسراع بتقوية الفاشية - مدى تأثير الحركة الثقافية العمالية - وبشكل خاص المسرحية المرتبطة بالحركة الثورية على خلق وعي ثوري لدى الطبقة العاملة، فعملت على سد أبواب المسارح الكبرى أول الأمر في وجه كتّاب المسرح الثوريين والقريبين من المواقع البروليتارية بعد أن فشلت معهم محاولات الامتصاص الكلية وما كان هذا الفشل إلاّ نتيجة لما يعانيه المسرح البرجوازي من التسطيح الشكلي وخلو المضمون من كل قيمة . إن البحث عن سبل درامية جديدة جعل برتولت بريخت ينطلق إلى التراث المسرحي العالمي ليستقي منه ما يناسب مسرحه الجديد ويؤدي إلى التواصل الذي يبتغيه، ومن المؤثرات الهامة التي اعتمدها المسرح التعليمي نجد مسرح «النو» الياباني والذي كان من أهم المؤثرات على بريخت على الصعيد الفني. إذ كان يعجبه لأنه كان يقدم المسرحيات اليابانية التقليدية في حيز خال. تتوضح مرتكزات بريخت التي استند إليها وهو يقدم على هذه المرحلة بوضوح من خلال كتاباته، حيث الانطلاق من نظرته إلى المسرح على انه الشكل الفني القادر على استيعاب أي موضوع يصبّ فيه وهو غير عاجز عن تقديم مواضيع تهمّ الطبقة الدنيا من المجتمع. ويمكن من وضع واقع هذه الطبقة على مشرحة البحث والمناقشة، لقد اراد بريخت مواضيع مختلفة لغايات مختلفة، والمسرح قادر على تحقيق تلك الرغبة ويمكن ان نجد في هذه المرحلة انه قد اصبح البترول والتضخم الاقتصادي والحرب والصراعات الاجتماعية والعائلية والقمح وتجارة المواشي موضوعات للعرض المسرحي. إن تعامله مع المسرح في تلك الفترة العصيبة من تاريخ ألمانيا، جعله، وهو الاشتراكي أولاً والشيوعي أخيراً ينظر إلى هذا الشكل الفني المسمّى مسرحاً، نظرة تمكنّه من توظيفه لغير غاية التسلية، بل لأكثر من غاية التسلية، وعلى الرغم من تمييزه بين هذه التسلية وبين العلم إلاّ انه لا يراهما على حدي النقيض بحيث لا يجتمعان في عمل مسرحي. إن برتولت بريخت لم يكن مجرّد مجرّب في فن المسرح، وإذا كان قد ارتكز على أسس تجريبية في أعماله التعليمية فإنما كان لهذه التجربة أهدافاً يمكن لمسها من خلال أعماله التي كُتبت في هذه المرحلة، إنها تكشف إصراره على وضع الواقع على الخشبة ومناقشته وصولاً إلى الحكم بضرورة قلب هذا الواقع وتغييره. ذلك ان روايته لما هو سائد من قوانين الأعراف والأخلاق إنما هو مصنوع ومكرّس لغاية واحدة تتمثّل في خدمة صانعيها لقد فرض الحكّام على المحكومين قوانين الأخلاق والأعراف التي تعكس مصالح هؤلاء الحكام وتحافظ على امتيازاتهم وسلطاتهم حتى أضحت هذه القوانين الأخلاقية بمرور الزمن لدى الطبقات الدنيا قوانين وأعراف أبدية شرعية وتوارثتها الأجيال. لذا كان لا بدّ من إعادة البناء الفكري وفي طابع تعليمي لا يقبل القوانين والأعراف والبديهيات السائدة لقد حاول بريخت أن يعكس إمكانية تغيير هذا الواقع في كل أعماله، ويظهره على انه قابل للتغيير، بالإضافة إلى تقديم مفاهيم جديدة تتناسب مع مصلحة الغالبية المسحوقة في هذا المجتمع، مع التأكيد على أن المسرح قبل كل شيء هو فن وان ما يقدمه من معرفة يجب ألاّ يُلقى على المتفرج بفظاظة لا تبرير لها مباشرة ومهما بلغت كمية المعرفة العلمية التي يتضمنها العمل الفني فإن هذا المعرفة يجب أن تتحوّل إلى فن. تعود بدايات هذا الشكل الفني المسرحي الجديد إلى مسرحية «رجل برجل» عام 1926 إذ نجد بها بوادر الاتجاهين النقديين اللذين سيهيمنان في السنوات التالية على أعمال بريخت المسرحية: نقد المجتمع البرجوازي الذي تتحول أوبرات بريخت ساحة له، ونقد المفهوم البرجوازي الفرد، الذي يمارس فيما أُطلقت عليه تسمية المسرحيات التعليمية. في تلك المسرحيات يختفي المجتمع البرجوازي مؤقتاً من حقل الرؤية، بذلك يتخلى بريخت أيضاً عن الفن المسرحي القائم على الاستفزاز العنيف، بدلاً من ذلك يحلّ الآن السعي لعرض ما تتطلبه الجماعة من الفرد وتقديم أمثلة على السلوك الايجابي أو السلبي المأخوذة من الحالات المتنوعة من الصراع الطبقي لجمهور عمالي أو إعطاء دروس موضحة للتلاميذ في اتخاذ القرارات المناسبة للحالة. إضافة إلى ذلك تدور كل المسرحيات التعليمية تقريباً حول المشكلة، الموافقة وانخراط الفرد في التنظيم، بريخت يعتبر مفهوم الفرد وفكرة تحقيق الفرد لذاته التي تُعلِّم هنا بقسوة، جزءاً من الأيديولوجيا البرجوازية وزعماً يخفي سعي القلّة إلى السيطرة والقلة. وترتكز المسرحية التعليمية على أشكال وأسس محددة تقريباً فالمتتبع لتسلسل المسرحيات التعليمية يجد أن موضوع المسرحية يستمد شكله المسرحي من الموافقة خلال المواجهة بين الشخصية الفردية والجوقة. فالجوقة التي يحاسَب الفرد إمامها تمثّل المرجع الاجتماعي وإذا كانت الجوقة تمثّل في المسرحيات القصيرة مثل مسرحية بادن التعليمية عن الموافقة والأوبريتات المدرسية «القائل نعم والقائل لا» مازالت جماعة عامة جداً، فإنها تأخذ في المسرحية التعليمية «الأجراء» أو«القرار» ملامح سياسية ملموسة كجوقة مراقبة تمثّل الحزب الشيوعي. هذه المرحلة التعليمية كانت ضرورية لكي يتخذ مسرح بريخت الملحمي أبعاده الكاملة إذ فيما بعد امتزج نقد الفرد بنقد البنية البرجوازية. فالنقد الاجتماعي يتطلّب نقداً للفرد وهذا ينقلب بدوره إلى نقد للمجتمع بحيث لا يمكن الفصل بين الاثنين ضمن العملية الجدلية، والتي كانت الأساس والمنهج المتكامل لمسرح بريخت في قمة مسرحه «المسرح الجدلي». لذا كان المسرح التعليمي ذا أهمية في تطور أعمال بريخت وكما يقول رولان بارت عن خطاب تلك المرحلة «انه يأخذ طابع إحيائي بعثي يبني نقداً يهدف إلى الحد من حركة حتمية الاستلاب الاجتماعي» أو إبطال الإيمان بهذه الحتمية «فالأمور الباطلة في هذا العالم، كالحرب والاستغلال، يمكن علاجها وزمن الشفاء يمكن إدراكه».كلمات دليلية