نظرة على تاريخ الأدب الياباني في أدب شرقي آسيا
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i26425-نظرة_على_تاريخ_الأدب_الياباني_في_أدب_شرقي_آسيا
يمتد تاريخ الأدب الياباني إلى قرون قبل الميلاد، شأنه شأن الأمم الباقية في شرقي آسيا. ورغم التطور الذى طرأ على فن الشعر فى اليابان
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Dec ٢٨, ٢٠٠٨ ٠٥:١٥ UTC
  • نظرة على تاريخ الأدب الياباني في أدب شرقي آسيا

يمتد تاريخ الأدب الياباني إلى قرون قبل الميلاد، شأنه شأن الأمم الباقية في شرقي آسيا. ورغم التطور الذى طرأ على فن الشعر فى اليابان

يمتد تاريخ الأدب الياباني إلى قرون قبل الميلاد، شأنه شأن الأمم الباقية في شرقي آسيا. ورغم التطور الذى طرأ على فن الشعر فى اليابان، إلا أن المحور العام الذى تدور حوله القصيدة ظل محصوراً فى الطبيعة، فاليابان عبارة عن ثمانى جزر بركانية شاسعة، تحاصرها مياه بحر تهدأ تارة وتهتاج تارة أخرى. وفيها الجبال الشاهقة التى تخمد مرة وتثور بحممها مرة أخرى، ناهيك بالحديث عن الزلازل وما تعصف بالسكان على حين غرة، فلا عجب إذن أن تحتل الطبيعة مركز الصدارة فى شعر اليابان "بلاد الشمس"، وأن يتصف اليابانى بالحدة والمزاج العصبي. ومن أهم أنواع الأشعار اليابانية القديمة والحديثة والمعاصرة هي: كوجيكي، مانيوشو، تانكا، غوزان، رينغا. كما أن مصادرنا منقولة عن الترجمة الإنكليزية منها: "تاريخ الأدب الياباني" لمؤلفه أستون، وكتاب "100 قصيدة من اليابان" لكنيث ريكسروث، وغيرها. لقد تطور الشعر اليابانى عبر حقب زمنية مختلفة، أقدمها يتمثل فى "شعر كوجيكي" الذى يُعَد السجل الأدبى للشعراء اليابانيين فى عصورهم القديمة، ونظراً لقِدم هذا الشعر، فإنه يتصف بالبساطة والإيجاز والتعبيرات المحدودة. ومن هنا نجد أن قصيدة "بلاط ميوا" للشاعر جيمو تينوه "حوالى 90 ق.م" التى يشير فيها إلى رحابة البلاط وشراب الساكى "يُصنع من الرز ومعروف فى بلدان شرق آسيا"، بلغة شعرية خالية من السبك المحنك: بلاط ميوا ذو الساكى الحلو الشهير، حتى الصباح بابه مفتوحة تتيح لنا الدخول باب بلاط ميوا. أما قصيدة الأميرة نوناكاوا التى نظمتها فى مخدعها وهى تنظر الأمير المعظم أوكونينوشى المعبود من قبل ثمانية آلاف فرع من الشعب الياباني، حيث تقول فى مطلعها: المقدس أمير الثمانية آلاف فرع، لأننى امرأة، ورقة عشب طيعة، قلبى طيرٌ على الشاطئ، أنا الآن طير نفسي، لكنى سأكون طيرك فى ما بعد. يحيا ولا يموت أبداً! أما "شعر مانيوشو" فإنه يمتد من القرن الخامس إلى القرن الثامن الميلادي، وهذا النوع من الشعر يعتبر البداية الحقيقية التى ظهرت فيها القصيدة اليابانية بأسلوب جزل فى السبك والتعبير، ليس عن الطبيعة فحسب، بل فى مختلف الفنون والشعور، حيث أن الشعراء الذين نظموا فى هذه الفترة كانوا خليطاً من محترفى الأدب والرهبان والأباطرة والعسكريين والقرويين أيضاً. إن فترة مانيوشو فى تاريخ الأدب اليابانى لم تكن مقتصرة على طبقة معينة دون غيرها، وإنما كانت شعر الحياة اليومية التى يحق لكل مواطن من المجتمع أن يُعبر بما يشعر فيه من عاطفة أو بلاغة أو تفكير وفق لغة منظمة ومسبوكة. يقول يامانونى نو أوكورا "660؟-733؟" فى قصيدته "حوار فى البؤس" المقطع الثانى ما يلي: يقولون: الجنة والأرض واسعتان، لكن بالنسبة لى صغيرتان. يقولون: الشمس والقمر مضيئان، لكن بالنسبة لى ليسا مُشعان. أهذا لكل واحد، أو بالنسبة لى وحدي؟ وتقول السيدة كاسا "منتصف القرن الثامن" فى قصيدتها الطويلة "إلى الحبيب البعيد أوتومو" شعراً مُعبِراً عن لوعة الحب والفراق والتوق للحبيب الغائب. نقتطف هنا بعضاً من المقاطع: أُحِبكَ رغم أنك متعذر على تماماً لذا فى تلال نارا تحت الصنوبرة الصغيرة أقف وأبكي. إنى حلمت سيفاً قد حضنت نحو جسدى – ما هذه العلامة؟ أتعنى سألقاك؟ لا أستطيع تحمل عدم رؤيتك وأنت قريب، فكيف سأتحملها وأنت بعيد؟ ويمتد "شعر تانكا" من القرن العاشر إلى الخامس عشر، حيث بدأ ظهوره فى الفترات التقليدية التى تعرف باسم "هييان" خلال فترة العصور الوسطى. وبما أن قصائد هذا الشعر تتصف بالإيجاز القصير، ومن بين أهم أشكاله التى برز فيها هى شكل "هوكو" وذلك فى فترات توكوغاوا، حيث تم توضيح هذا الشعر من خلال علة اللغة فى تراتيبه وحدوده. ومع ذلك فإن بعض شعراء المانيو شو فى القصيدة الطويلة أمثال: السيدة كاسا وياكاوتشى والإمبراطور جيتو وغيرهم قد نظموا فى التانكا أيضاً، حيث أن هذا الشكل الشعرى بدأ من نهاية فترة هييان. أما عن "شعر غوزان" أو الجبال الخمسة، فإنه يمثل الفترة التى استخدم فيها معابد المرشد الصينى الكبير رينزاى زين فى مدن "كيوتو" و"كاماكوا" و"موروماتشي" أثناء وجوده فى اليابان، بغية نشر تعاليمه البوذية. حيث فى تلك الفترة أيضاً كان بعض الرهبان اليابانيين يدرسون المذهب الزينى فى الصين، ولقد نظموا القصائد الكثيرة حول الطبيعة والخيرات الروحية ونمط الحياة اليومية. على أية حال، فإن هذا النوع من الشعر استمر ثلاثة قرون ما بين الرابع عشر إلى السابع عشر. نورد هنا شاعرين اثنين هما: كوكان شيرين "1287-1346" وأكيو سوجون "1394-1481". يقول الأول فى قصيدة "الهزة الأرضية" ما يلي: لا تزال الأشياء تتحرك، الراسخ صار منهاراً، الأرض كموجات المحيط، المنزل كالزورق حان وقت الهلع، والمسرة أيضاً: لا رياح، والنواقيس المرتفعة تدق مستمرة. أما الراهب الزينى الآخر أكيو سوجون الذى كتب قصيدته "5 رباعيات"، فقد جاء فى رباعياته الثانية هذا القول: مَن المُرسل الصادق لنظم رانزي؟ أهؤلاء الأفراد بغلمانهم الخدم المليحين؟ طاسةُ خمرٍ واحدة توحل، ثلاثة آلاف قصيدة أضحك على رهبان زين لا يعرفون زينهم. ويمتد "شعر رينغا" من القرن الثالث عشر إلى القرن التاسع عشر، حيث فى نهاية فترة هييان، عندما بدأ نظم شعر تانكا ظهرت نزعة تقابل هذا الاتجاه فى التقسيم اللفظى للقصيدة فى صياغة وتنظيم الصورة البلاغية وذلك وفق جزئيين متشابهين. وعليه غالباً ما يكون مكتوباً بشاعرين أو أكثر على التعاقب فى أجزاء اللفظ. أشبه بالمطاردة الشعرية عن العرب. كما أن هذا الطرح الشعرى قد ساعد أيما مساعدة فى تطوير نظم القصائد الطويلة، بيد أن نظام تأليف القصائد الرينغانية أصبح معقداً جداً، إذ يتطلب تدريباً شاملاً وممارسة ضليعة فى جزء من المشاركات أو المطارحات الشعرية. نذكر هنا قصيدة "الشهير الكبير" للراهب غوساى "1282-1376" مع بضعة شعراء هم: بوشيمونو، أيون، شوا، جاء فى مستهلها: شهيرٌ كبيرٌ، صوت الوقواق لا يُعلى عليه "غوساي" الأشجار المورقة، كلها صنوبر فى الريح "يوشيموتو" بجانب الجبل هناك مياه باردة تجري "أيون" القمر فى أحسن الأحوال برغم سلسلة الجبال "شوا". وكذلك قصيدة ماتسو باشو "1644-1694" بعنوان "تحت الشجرة" التى نظمها مع شاعرين هما همادا وسوغانوما، قالوا فيها: تحت الشجرة الحساء وسلطة السمك مغطى بزهور الكرز "باشو" الشمس نحو الغرب بوئام، يتضاءل حالها "همادا" مرور الرحالة، خدش لسعات القملة كنهاية الربيع "سوغانوما" وفى الشعر الحديث والمعاصر اكتست القصيدة اليابانية أشكالاً جديدة مثل " شعر هايكاي" مع الحفاظ طبعاً على النظم الشعرية التقليدية، ففى النصف الثانى من القرن التاسع عشر عندما بدأت التأثيرات الأوروبية مدنياً وفكرياً وأدبياً تنتشر فى الأوساط الآسيوية. كانت اليابان تبدى تغيراً كبيراً فى أسلوب التعبير الوجدانى لدى الشعراء اليابانيين، إذ أن النظم وفق أشكال مثل: تانكا، رينغا، هوكو، هايكو أدت بهم إلى الاشتقاق من الشكل الطويل، الشكل الحر المنظوم على الطراز الأوروبي. ويقدم ماساوكا شيكى "1867-1902" قصيدة "7 هوكو" وهى ذات سبعة مقاطع من نظم هوكو على نمط الشعر الحر، نختار منها: صوتٌ وحيدٌ يجشُ فى نارٍ ضئيلةٍ، رقاقاتُ الخشبِ ثلجٌ عليها. فوق أعالى الشجر ترنو الألعاب النارية تفجُراً. ليلة طويلة، عندما يتساقط المطر محدثاً ضجيجاً. وفى قصيدة "سمك القرش" للشاعر ميتسوهارو كانيكو "1895-1975" يقول فى بدايتها: على سطح البحر القروش متمددة تشبه جذوع الشجر. القروش لا تتحرك. أوضاعها على بعضها، تمتد عُرضا، والصغار، بعيداً ورائها معتمة جميعها، يشبه جريانها منطادا. أما تانيكاوا شونتارو "1931" فى قصيدة "بداية حب" حيث يقول فيها: رغم أنى أُفكر فيكِ دوماً، لكنى لا أتذكرَ وجهكِ. أهتاج إليك، وأدرك بأنى أدندن مراراَ نغمة ما موسيقية سحرت أُذني. أُفكر فيكِ وأروم لرؤياكِ لكنه ليس هياماً بل الفضول: أبغى التأكد عما يجول فى نفسي، أمامكِ أنتِ، مرة ثانية. على الرغم من أن الشعر اليابانى له تاريخه الموغل بالقِدم، وله خصوصياته الأدبية التى يتمتع بها، إلا أنه يدين فى تطوره وبشكل عام إلى الأدب الصيني، فالديانة البوذية مثلاً وما تحمله من ثقافة روحية لم تعتنقها اليابان إلا من خلال رهبان صينيين، بل إن تأثير الصين كان على الكثير من بلدان شرقى آسيا. فالعمق الحضارى والتقدم المدنى كانت تتمتع به الصين على مدى عصور من الزمن قبل تلك البلدان الآسيوية. وعلى أية حال، فشعر كوجيكى يعكس صورة التفكير القديم الذى كان سائداً فى حقب الفترات الغابرة، كما كان الأمر فى الصين والعراق ومصر واليونان وبقية الحضارات القديمة، حيث النظر إلى الطبيعة كأمّ تأوى البشر، فهى مصدر الحياة المتدفقة، ولهذا فقد فضلنا هنا أن نسرد شيئاَ عن بساطة هذا الشعر كما جاء فى قصيدة "بلاط ميوا". أما شعر مانيوشو، فرغم ما أحدثه من تطور هام فى تاريخ الأدب الياباني، إلا أن نضوجه لم يأت هكذا من تلقاء نفسه، وإنما من تأثير الأدب الصينى أيضاً. خصوصاً أن الصين فى تلك الفترة من حكم سلالة تانغ "618-907" وصلت إلى أوج رقيها وازدهارها الحضاري. وبالنسبة إلى شعر تانكا، فإن انسيابه على نحو الإيجاز القصير قد عكس تطور اللغة اليابانية التى كانت قابعة ضمن أشكال ترتيبية قديمة. ولهذا نجد لأن بعض الشعراء والشاعرات من الذين نظموا فى المانيوشو قد نظموا فى التانكا كذلك، أما شعر غوزان، فإنه انعكاس جلى على مدى التأثير الصينى فى الشعر الياباني، بل وفى مناح كثيرة أخرى منها الروحية التى كان المرشد زين يبث تعاليمه فى اليابان بدعوة من أهلها. وإذا كان الراهب الزينى اليابانى هيزور يوباى قد أتى بأسلوب شعرى جديد، فلأنه أخذ من الراهب الزينى الصينى تسو- يوان قصيدته التى استخدم فى كل بيت منها كاستهلال شعرى لِما ينظم بعدها من أبيات، وهذه القصيدة قد حملت أسميهما "يون- يوباي". كما أن هذا النمط من الشعر كان موجوداً عند العرب أيضاً، ولكن بطريقة مغايرة تُعرف بالمعارضة الشعرية. ولقد امتاز محمود سامى البارودى "1838-1904" فى الشعر العربى الحديث بقصائده التى عارض فيها فطاحل الشعراء القدماء أمثال: عنترة ووالنابغة الذبيانى وأبى نواس وآخرين غيرهم. ونفس الأمر بالنسبة إلى شعر رينغا، حيث يوجد فى الشعر العربى مثل هذا النوع، غير أن الطرح يكون على إنفراد حيث لكل شاعر قصيدته المستقلة التى يطارد بها الهدف المطروح، وليس كما فى الرينغا حيث يجمع شاعرين أو ثلاثة أو أكثر بغية بناء مطارحة شعرية فى قصيدة واحدة. وعن الشعر الحر، فكما تأثر به قسم من الشعراء اليابانيين، فإن بعض الشعراء العرب قد تأثروا به أيضاً. لاسيما فى العراق، حيث يعتبر بدر شاكر السياب "1936-1969" الرائد الأول فى المدنية الحديثة للشعر العربي. عموماً ما بين بساطة الشعر القديم وتأثيرات الأدب الصينى فى العصور الوسطى، وإلى الفترة الحديثة والمعاصرة، فإن الشعر اليابانى صار له طابع مميز من ناحية، وتاريخ حافل بالتنوعات والتطورات من ناحية أخرى.