ماذا يقال في أدب وفنون المقاومة؟
Jan ١٤, ٢٠٠٩ ٠٥:١٧ UTC
منذ أن استخدم البشر الأحجار وفروع الأشجار كأسلحة للمقاتلة، وحتى أواخر القرن العشرين مازال البشر يبتكرون الجديد
منذ أن استخدم البشر الأحجار وفروع الأشجار كأسلحة للمقاتلة، وحتى أواخر القرن العشرين مازال البشر يبتكرون الجديد من أجل ابتكار وسيلة قاتلة جديدة، أكثر فاعلية. أي أشد قتلا. كما لعبت الحروب والاستعداد لها دورها في توظيف العلم لأهدافها، حيث قدم العلم منجزاته في الانشطار النووي واستخدامات السيلنيوم في الأسلحة الإلكترونية المبتكرة، إلى رجال الحرب من أجل الهدف نفسه. منذ تلك الفترة السحيقة من التاريخ الحربي للإنسان وحتى الآن ما زال الصراع قائما ولا توجد بشائر اختفائه على الرغم من اندلاع حربين عالميين في قرن واحد (القرن الماضي) حيث قُتل مليون من البشر مع حساب القتلى في الحروب الإقليمية. وبقى الإنسان على طول تاريخه الحربي، يسعى لأن يسجل أفكاره ومشاعره ومخاوفه وأحلامه، منذ أن رسم الثور الهائج مقوس الظهر والبطن، نافر القرنين على جدران الكهوف، مرورا بتلك الحفائر والآثار التي رصدت معاركه وانتصاراته حفرا أو نحتا أو نقشا, على جدران المعابد والمسلات، ثم كانت القلاع المدججة الحصينة هنا وهناك، متلاحقة ومتزامنة مع كل معطيات التراث الشفاهي للجماعات والشعوب من مورثات الأساطير والملاحم، بل والأغاني والنوادر والحكايات، وحتى كانت وسائل الرصد والحفظ الحديثة من كتب وأفلام ووثائق، وغيرها من موسيقى ورقص ومجمل الفنون. لقد رافق هذا الصراع- الحروب دوما المنجز الإنساني التواق إلى قيم العدل والحرية، منجز يسعى لمقاومة تلك النزعات الشريرة، ألا وهو الإبداع المقاوم (فنون وآداب). إذا كان أدب المقاومة هو "الأدب المعبر عن الذات الواعية بهويتها المتطلعة إلى الحرية، في مواجهة الآخر المعتدى، محافظا على القيم العليا من أجل الخلاص الجمعي من الجماعة حتى الأمة، فهو إذن الأدب المعبر عن الرغبة في مواجهة الآخر العدواني والنزوع نحو تحقيق قيم العدل والحرية، من خلال إبراز القوى الذاتية وتنمية عناصرها، من ضرورة الانتماء والرغبة في الفداء من أجل الجماعة والأرض والوطن. يشير التاريخ الأدبي الى أن الأدب والفنون رافق الإنسان طوال تاريخه الحربي. ويمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام: ما قبل المعارك، او أثناء المعارك او ما بعد المعارك. ولكل منها ملامحها وخصائصها الفكرية والفنية, والتي يمكن إجمالها غالبا في تلك العناصر: "الدعوة إلى استرداد الحقوق المغتصبة"، "الدعوة للجهاد"، "الحنين إلى الديار والوطن"، "الدعوة إلى قيم العدل والإصلاح"، "التغني بالبطل والانتصار"، بل ويمكن إضافة "البكائيات" التي تعد ضمن ما يمكن أن نطلق عليه بـ "المقاومة السلبية"، تلك يلاحظها المتابع أثناء فترات ذروة الإحساس بالقهر والهلاك، بل وفى مجمل الإبداع الفلسطيني بعد نكبه، حيث الدعوة للثأر والبحث عن البطل والبطولة وطلب النجدة في الأساس. الآن، وبعد كل تلك المنجزات العلمية التي حققها الإنسان وتطبيقاته في إنتاج الآلات الأكثر فتكا وشراسة، ترى ماذا يقال في أدب المقاومة وفنونه؟ قد يلزم الإشارة إلى بعض الإحصاءات ذات الدلالة. يقال إنه عندما هاجم الأسطول الإنجليزي الإسكندرية عام 1881 أطلقت المدافع ثلاثة آلاف قذيفة نجحت منها فى إصابة الهدف حوالي عشر هذا العدد. وفى الحرب الأميركية الفيتنامية حاول الطيران الأميركي تدمير جسر "تان هوا" فكانت طلعه فاشلة بينما تمكنت أربع طائرات من طراز أف 4 مسلحة بالأسلحة الذكية فى وقت لاحق من تدميره فى أول محاولة. كما تتمكن طائرة واحدة من طراز اف - 117 فى طلعة واحدة أن تحقق ما كانت تقوم به عدة قاذفات من طراز بى - 17 فى 4500 طلعة خلال الحرب العالمية الثانية. وهكذا تتطور القوى التدميرية بفضل العلم، ويكفى الإعلان بأن حربي كوسوفو وأفغانستان كانت أول حرب فى التاريخ حسمت دون تدخل القوات الأرضية وبدون خسائر فى الأرواح من جانب الطرف الأكثر تقدما تقنيا وكذلك الثانية الى حد كبير. وإجمالا عما كان خلال العقد الأخير من القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، هناك عدة ملامح جديرة بالتأمل: الحروب أصبحت أقصر زمنيا وتحقيق الانتصار لأحد الأطراف الأكثر تقدما محسوما بشدة وأن المواجهات القريبة أو المباشرة غير موجودة، ربما تبدأ وتنتهي الحرب دون أن يرى أحد الجنود جنديا من الطرف الآخر. تلعب فنون المقاومة دورها الشائع قبل الحروب، بتهيئة الجماعة وتبصيرها، بما يحيق بها من أخطار، ومن ثم الكشف عن عناصر القوة والضعف في الذات الجمعية، ماديا ومعنويا، وعلى الجانب الآخر، كشف عناصر القوة فيه والضعف، ولعلها الفترة المناسبة للبدء فيما يسمى "الحرب النفسية"، حيث أن الدعم المعنوي لأفراد الجماعة كفيل لتحمل ما يحمد عقباه. أما المرحلة الثانية، تلك التي تشمل فترة اندلاع الحروب، فالمقاومة بوسائل الآداب والفنون، وحدها هي المحفز على الصمود والتصدي، مهما كانت أسلحة العدو فتاكة ومهلكة. وتأتى المرحلة الثالثة، وهى الفترة التالية لاندلاع الحروب، حيث حسام المكسب والخسارة، فما على فنون المقاومة سوى إعادة النظر في الأسباب والتمحيص في النتائج مهما كانت النتائج مفرحة أو مؤلمة. وخلاصة القول، إن الصراع باق، والقيم العليا تسعى لأن تجد لها مكانا على الأرض.وإن زاد الإنسان من بطشه الغاشم، وجهل الحكمة من وجوده على الأرض.كلمات دليلية