"المنمنمات" مدخل إلى فن التصوير الفارسي
Jan ٢٦, ٢٠٠٩ ٠٨:٠٧ UTC
اشتهر عدد من الفنانين برسم المنمنمات أبرزهم وأهمهم «الواسطي» الذي امتلك خواص الرسام والملون
اشتهر عدد من الفنانين برسم المنمنمات أبرزهم وأهمهم «الواسطي» الذي امتلك خواص الرسام والملون، وبرع في التعبير عن الأحداث اليومية في «مقامات الحريري» بأسلوب فني راقٍ، خصوصاً شخصية «أبي زيد» بطل المقامات، التي يمكن لعين المتلقي تمييزها من أول نظرة، وفي كل لوحة، كونه أعطاها ملامح واحدة ومتفردة، كررها في اللوحات كافة، بالخصوصية نفسها. استمر فن المنمنمات حتى يومنا هذا، ومن أبرز رساميها العرب المعاصرين محمد راسم الجزائري الذي حافظ على خصائص ومقومات المنمنمة الإسلامية، بعد أن منحها روحاً معاصرة. ويوجد في إيران عدد كبير من رسامي المنمنمات القديمين والمعاصرين، وحاول عدد من المتخصصين بهذا الفن وفي مقدمتهم أوليغ جرابر الإحاطة بهم وبنتاجاتهم الذي يعتبرونه مدخلاً إلى فن التصوير الفارسي، الذي ما إن يُذكر حتى تتبادر إلى أذهاننا، المنمنمات الجميلة المنفذة بإتقان ودقة وحشد كبير من الألوان الزاهية، والخطوط اللينة الرقيقة، والتطاريز الناعمة التي تصل حد الإدهاش إن لم نقل الإعجاز، وهو ما حاول رصده جرابر في دراسته المعنونة بـ «المنمنمات مدخل إلى فن التصوير الفارسي» وتناول هذا الفن من وجهة تاريخية مع التركيز على السياق التاريخي والحضاري والأفكار الرئيسية في التصوير الفارسي مطلا على المصادر وعلم جمال التصوير الفارسي. «فن التصوير الفارسي» انبثق في الأساس، كواحد من فنون الكتاب الذي عُرف فيما بعد باصطلاح «موتيف» أي الرسوم التوضيحية التي ترافق في العادة، بعض النصوص الأدبية والعلمية «وأحياناً السياسية» لتزيد من توضيح أفكارها وتزيينها في آن معاً. من هذه القضايا، ارتباط «فن التصوير الفارسي» بالمنمنمات التي لعبت دوراً هاماً في تزيين المخطوطات، وجاء معظمها بأحجام صغيرة أشبه ما تكون بمهرجانات للألوان والأشكال، ومكتوبة بما يطلق عليه اسم «الفارسية الحديثة» أي اللغة المكتوبة بالحروف العربية التي ظهرت ما بين القرنين الثامن والعاشر، في المناطق الإيرانية المترامية الأطراف التي دخلت العالم الإسلامي المتنامي في نهاية القرن السابع. وهذه المناطق تمتد تقريباً من وادي دجلة في العراق الحديث غرباً إلى آسيا الوسطى أو جبال الهندوكوش غرب الهيمالايا شرقاً. لكن فن التصوير الفارسي لا يقتصر على المنمنمات التي تأكدت وتطورت وانتشرت بعد اعتناق إيران للإسلام، وإنما تعود جذوره إلى ما قبل هذه الفترة، وإلى أنواع أخرى من فنون التصوير كالرسوم الجدارية التي عملت الصدفة على حفظ بعضها، لكنها مع ذلك، لم توفر للباحثين سجلاً تاريخياً متسقاً، وظلت مجرد قطع متناثرة، من أحجية هائلة، قد لا يقدر لنا معرفتها قط، رغم أهميتها الكبيرة. ان دراسة التصوير الفارسي تعود إلى عهد لا يكاد يبلغ المئة عام، والبحث فيه يمضي في ثلاثة اتجاهات: الأول تقليدي يقوم على التعريف بالمجموعات. والثاني هو الدراسات التفصيلية المتصلة بمختلف جوانب هذه المنمنمات، والثالث ينشأ عن هذين الاتجاهين: الأثري والدلالي. المواضيع الرئيسة لفن التصوير الفارسي فهي دنيوية، تتعلق بالتاريخ والحيوانات والملاحم والشعر الغنائي العاطفي والزخرفة، إضافة إلى الدين. والدخول إلى هذه القضية لابد من التوقف عند مسألة العلاقات بين فن التصوير الفارسي والغرب المسيحي، حيث تم في مطلع القرن الرابع عشر انتقالاً لرسوم كتاب رشيد الدين «جامع التواريخ» إلى الغرب، وثمة تفاصيل معينة من مخطوطة ديموت «كتاب الملوك» التي تعود إلى عام 1336 موجودة في فن التصوير الإيطالي والبلقاني في الفترة ذاتها، وهناك نماذج من أعمال تعود إلى بلدان حوض البحر المتوسط في التصوير تحمل تواقيع مصورين فرس، مثل الكأس الروماني الشهير في متحف نابولي والمعروف باسم «طاسة فارنيسه» ولها صورة طبق الأصل في ألبوم برلين تحمل توقيع محمد الخيام. كان تأهيل المصور الفارسي يجري في الورشة المرتبطة بالبلاط، والأرجح أن غالبية الفنانين يتحدرون من أسر من الفنانين أو الحرفيين، وقد ربط معظمهم بين الأشكال المشخصة والخط الذي يتسم بالنظام والدقة والعناية بكل تفصيل، والدأب على التدريب، كان السبيل الوحيد لإتقانه، ولعل صرامة هذا التدريب قد أثر في المصورين، بدليل الدقة في رسومهم، والخطوط الواضحة، والألوان المفرزة بوضوح والنابضة أبداً بالحياة. ان فهم الرسومات الفارسية وتفسيرها، يجب أن يتم على أساس فكرة التناسب بين معطيات متنوعة مثل الطبيعة والبشر، والألوان، والأبعاد، والنسب، والعلاقة بين ما هو من صنع الإنسان وما هو من خلق الله والطبيعة. وبشكل عام، فإن الأشكال في التصوير الفارسي، محكومة بهيكل من العلاقات التي لا تتيح إلا القليل من التنوعات الثورية، لكن الكثير من التلاعب بالتناسب بين الرأس والجسم، أو بالألوان وطريقة توزيع مجموعات الرجال والنساء أو الأزياء، خاصة غطاء الرأس الذي يمكن اعتباره فناً أكاديمياً جرى تخيله وتنفيذه بحذق، والرسوم واللوحات التي أفرزها هذا الفن، ليست أكثر من واجهات جذابة، تنطوي على معنى أعمق لا يدركه إلا الخبير القادر على امتلاك مفاتيحها. ومن ثم إشاراتها الخفية، والمقاصد الكامنة خلفها، فما يبدو مجرد لعبة أشكال ظريفة أحياناً، قد تكون تعبيراً صوفياً عن وحدة الوجود الذي يرى روح الله تسري في كل شيء، وكان المتصوفة قد خرجوا بسلسلة من النظريات عن القيم الرمزية للألوان بمعنى اخر: لقد شُحنت مفردات ودلالات التصوير الفارسي «عن قصد» بمعان سرية، احتضنتها الأشكال كما احتضنتها الأفكار والمضامين. على هذا الأساس، حين يتأمل المرء حشد المنمنمات الفارسية، يجد ما يغري بالاستغراق في صوفيتها العميقة، حيث تطل منها صور متتابعة لفردوس من الحدائق، وأزهار وورود وسرادقات رائعة، وأجسام بشر ذات بعدين، تسبح في كون خيالي، يدفع بالمتلقي لأن يرى معظم هؤلاء الرجال والنساء الذين تصورهم اللوحات التي عرفها القرن السابع عشر كأرواح تحققت أشواقهم باتحاد الصوفي بالقدسي، وهنا لا بد من الاستدراك والتأكيد، على أن معظم هذه التأثيرات الصوفية العميقة التي أوت إلى التصوير الفارسي، جاءته عن طريق الشعر الذي كان المصدر الأساسي لموضوعاته. ان التصوير الفارسي يضم متحفاً للمنمنمات التي تُصوّر أعمالاً من الأدب الفارسي، وتغني الرسوم الجدرايّة، والخزفيات الصغيرة، وهذه الأعمال الفنيّة، ذات غنى بصري يقتضي من المرء إعمال الفكر، وإشغال العين، ليتمكن من تذوقها. كما يؤكد أن الخلفية التاريخية لهذا الفن، أفسحت المجال لبروز سمات محددة، طبعته بطابعها أهمها: ألوانه المذهلة، وتجريده للمكان، واستدعاؤه لعواطف إيمائية هي في انٍ معاً، غنائية وملحميّة، لذلك نجد أن خصائص هذا الفن، تثير مناخاً فنياً فريداً، ينتمي إلى الشعر الفارسي، من جهة، وإلى التصوف الإسلامي، من جهة أخرى. ويجزم بعض المتابعين لهذا الفن وفي مقدمتهم أوليغ جرابر أن الفن الغربي، لم يكتشف فن التصوير الفارسي إلا مع مطلع القرن العشرين، وكان ماتيس وكاندينسكي قد استلهما ما فيه من تكوينات هندسية وألوان. ومن القضايا الهامة التي يثيرها أوليغ جرابار هي علاقة فن التصوير بالأدب التي تتجاوز مستوى التطابق المباشر بين النص والصورة، ومن مظاهرها: النقد الذي طاول الشعر وأفاد التصوير الذي اضطلع بدور وصف شؤون وأحداث في الأدب الفارسي، لا سيما كتاب «الشاهنامة» الذي وضعه الشاعر أبو القاسم الفردوسي، والأشعار الغنائية والصوفية لنظامي كنجوي، ومولانا جلال الدين البلخي، والعطار النيسابوري.كلمات دليلية