اللغة العربية تعود إلى اللغات المحلية في منطقة البلقان
Feb ١٥, ٢٠٠٩ ٠٧:٣٦ UTC
منذ عام 1878 لم يعد البلقانيون يكتبون لغتهم بالحروف العربية، بعد أن فرضت عليهم الحروف اللاتينية على اثر استيلاء الامبراطورية
منذ عام 1878 لم يعد البلقانيون يكتبون لغتهم بالحروف العربية، بعد أن فرضت عليهم الحروف اللاتينية على اثر استيلاء الامبراطورية النمساوية الهنغارية على المنطقة. بل إن الحروف العربية تم استبدالها باللاتينية في تركيا ذاتها، والتي أدخلت بدورها الحروف العربية، في أوج عزتها وقوتها لسائر دول البلقان أو أغلبها. ولم تكن الحروف العربية وحدها التي تم استبدالها، وإنما تعرضت اللغة العربية لمجازر لا تختلف كثيرا عن المجازر العشر التي تعرض لها البوشناق خلال المائة سنة الأخيرة. لكن تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة شهدت عودة قوية للغة العربية لاسيما في المدارس الاسلامية، وكليات اللغات، ومن خلال الدورات التي تقيمها بعض السفارات العربية، والمراكز الثقافية التابعة لها. لكنها لم تمثل ظاهرة في التعامل اليومي بين السكان المحليين، الذين يتعلمون الحروف العربية لقراءة القرآن الكريم أو كتابة أسمائهم وأغلبها عربية. أما في الأعياد فالحروف العربية تظهر بشكل جلي، في بطاقات التهنئة، وفي لافتات الشوارع، وحتى في أكياس توزيع اللحم، حيث يتبادل المسلمون الهدايا، ومكتوب عليها التهنئة بالعيد باللغة التركية أو المحلية بالحروف العربية. مثل بيرم شريف مبارك ألسون، أو عيد مبارك، أو بيرم مبارتشوالله. ويكون الرد على التهنئة بقول، الله رازيلسون، وكذلك تكتب بالحروف العربية. وقال العقيد حكمت حيداروفيتش ،35 سنة، «العربية لغة ديننا، ونحن الآن في مناسبات دينية، وتابع «في كل عيد نكتب تهانينا بالحروف العربية، والتي لاتزال حية بيننا رغم مرور قرن ونصف القرن على استبدال الحروف العربية باللاتينية»، وأكد أن «ما هو ثقافي يعمر طويلا، ويظل في الأعماق، ويعبر عن نفسه من حين لآخر كالأعياد مثلا، وهي حاضرة باستمرار في انتظار انبعاث شامل على مستوى أوسع أفقيا وعموديا (أفقيا)». ويرى مصطفى امرى من تركيا ،45 سنة، ويعمل أستاذا للاقتصاد أن «الحروف العربية، فضلا عن اللغة العربية، ستظل محط حب وعناية المسلمين في العالم، لارتباطها بالقرآن الكريم»، وأشار إلى أن «الترجمات الكثيرة لمعاني القرآن الكريم، لم تخفف من توق المسلمين لقراءة القرآن باللغة التي نزل بها». ويذكر أستاذ اللغة التركية، شمس الدين خليلوفيتش بأن «تاريخ التعدد اللغوي في البلقان في العهد العثماني، حفل بهيمنة ثلاث لغات هي العربية والتركية والفارسية، وقد كانت اللغة التركية لغة الادارة والعربية لغة الدين والفارسية لغة الشعر»، ولم يستغرب خليلوفيتش كتابة التهاني بالحروف العربية، «الكتابة بالحروف العربية، حلم كل مسلم، وتعلم اللغة العربية أمنية كل انسان يشعر بالانتماء لأمة الاسلام»، وتطرق إلى تاريخ المنطقة حيث «كان العلماء لا يتكلمون سوى باللغة العربية.. وكان جميع المسلمين في منطقة البلقان يجيدون اللغة العربية، أو على الأقل قراءة القرآن كما نزل على محمد (ص)». وأوضح أن «العلماء لم يكونوا يجيزون ترجمة القرآن الكريم، ولم يقدموا على ذلك إلا بعد أن قام قس بترجمة القرآن فخشوا من دخول التدليس، فبادروا بإعداد ترجمات المعاني بصورة تكون أقرب نسبيا للمعنى الحقيقي في النص القرآني بلغته التي نزل بها». أما المهندس ألمير ديفيانوفيتش ،29 سنة، فيعتقد أن «المسألة تتعلق بالتاريخ الثقافي، حيث كانت لغتنا تكتب بالحروف العربية، والعيد فرصة لتذكير شعبنا بهذا التاريخ»، وذكر بأن الكثير من التعابير، ولغة التهاني في العيد والصلاة تنطق باللغة العربية، وليس الكتابة باللغة العربية فحسب. وقد جمع الدكتور أنس كاريتش الكثير من الكلمات العربية في اللغات المحلية، ومنها على سبيل المثال، إبريق، وزقاق، وحصير، وسجادة، وقهوة، وتوبة. وساق الدكتور كاريتش عدة أمثلة على تغلغل اللغة العربية في لغات البلقان مثل الاكرام، فيقال بالبوسنية «اكرام» والديوان «ديوان»، والقهوة «كهوة»، لان البوسنيين وبقية شعوب البلقان لا ينطقون القاف. والشرب «شربات» وهي نفس المنطوق الشعبي لهذه الكلمة في مصر ودول عربية أخرى. وستلاحظون أن مضيفكم يصب القهوة من الجزوة «الجزفا» أو دلة في الفنجان «فتجان» ولا توجد في البوسنية والصربية والكرواتية مفردة أخرى تقوم مقام كلمة جيب العربية. ويضيف «من المحتمل جدا أن يقدم لكم مضيفكم الحلوى «هالوا»، وهي في البوسنة وفي منطقة البلقان ذلك النوع الحلو من الماكولات المصنوعة من دقيق القمح والزيت، وسيقدم لكم الحلوى في الصحن «صحن» وهي بالطبع كلمة عربية. ويتناول الدكتور كاريتش الكلمات العربية في اللغات الاوروبية الشرقية مثل «السجادة»، كما تحمل بعض أسماء الشوارع كلمات عربية مثل «المجلدين» حيث كانت الكتب تجلد في شارعين بسراييفو هما شارع المجلدين الكبير وشارع المجلدين الصغير، ويطلق على الزقاق في كل من البوسنة وكرواتيا وصربيا اسم «زقاق»، ولأن الغالبية العظمى لا يستطيعون نطق القاف فهم ينطقونها «زكاك». وليست الشوارع والازقة والحاجيات فقط التي تحافظ على لفظها العربي بل الضواحي أيضا، فعلى بعد 15 كيلومترا من سراييفو تقع ضاحية «علاج» التي ينطقها البوسنيون والبلقانيون «إليجا»، ولو أنهم غيروا العين فقط لكان الامر مختلفا تماما. وسميت بعلاج لوجود عيون الماء الاستشفائية بها. إضافة لذلك يطلق البلقانيون اسم «كولي» على القلاع، ووقف على الاوقاف. وهناك مدينتان بوسنيتان تحملان اسم الوقف وهما «دوني وقف» وتعني الوقف السفلى و«غورني وقف» وتعني الوقف الاعلى، حسب طبيعة الارض السفلى والعليا، فالاولى سهل والثانية مرتفع. ويطلق البلقانيون على المكان الذي يصلى فيه العيدين مصلى وهناك شارع في سراييفو بهذا الاسم. ويستعمل الاهالي كلمات دخان «دهان» لعدم مقدرتهم على نطق الخاء، وجيب، وقهوة، وقلعة «كولي»، وهنا حالت القاف والعين معا دون نطقها باتقان. والصدف والشيفرة والتعريفة التي تنطق «تريفة» والحناء «هناء». وقد انتقلت كلمة البلاء ايضا للبلقان فينطقونها بيلايا أي بالجمع «بلايا» مع قليل من التحريف أي باضافة اليا. كما نجد الجلاد والحيوان «هيوان» والانسان «انسان» والمشتري «مشتريا» والعناد «عناد» والفائدة «فايدة». ويشير الدكتور أمس كاريتش إلى القواميس التي تتحدث عن الكلمات العربية في اللغة البوسنية ومن أشهرها قاموس البروفيسور عبد الله شكايليتش «فقد بحث في استخدام الكلمات العربية والتركية والفارسية في اللغة البوسنية والصربية والكرواتية وعددها فتوصل على نتائج مذهلة». وتابع «يمكن القول بارتياح تام ان اللغات البوسنية والكرواتية والصربية تحتوي على آلاف الكلمات العربية وهذا بحد ذاته يدل دلالة كافية على التأثير الثقافي الكبير للغة العربية في البلقان»، وينقل عن عبد الله شكايليتش قوله «إننا نجد الكلمات والمصطلحات العربية في اللغة البوسنية في جميع الميادين وجميع المجالات ولاسيما التي لها علاقة بالحياة الاسلامية التعبدية». ويذكر اسم الجلالة «الله» والاسلام «اسلام» والتسبيح «تسبيه» والتجويد «تجويد» ورمضان «رمدان» أو «رمزان» والزكاة «زيكات» والحج «هدج» والشهادة «شهادت»، أما الاسماء فغالبيتها عربية صرفة. والقليل القليل منها أسماء مشتركة. وفي القانون والادارة نجد كلمات الحق والقاضي «كادي» والحبس «هبس» والسلطان والمتصرف. وفي الجيش العسكر والقلعة والمشير. وفي الاسلحة السيف الدمشقي «ديماشكي» وفي البناء «بناء» وفي الحرف: الساعاتي والسراج والكبابجي وبائع القماش والمقص «مكس» والساعة «سات» وفي الاواني نجد الصحن والابريق والحصيرة «هصورة» والدولاب «دولاب». وفي الملابس نجد الجبة والنعل والكحل. وفي المأكولات والمشروبات والتوابل هناك التفاح المعد كحلوى «تفاحية» والحلوى «هلوا» والفاصوليا والشربات والقطائف. وهناك الكثير من الكلمات العربية في اللغات البوسنية والصربية والكرواتية المتقاربة ذات الصلة بالمجالات الجغرافية والطبوغرافية والشوارع والزراعة والغابات وتربية المواشي والصيد والطب والنظافة والفلك والابراج والموسيقى والالقاب وفيئات المجتمع والمهن وأسماء أعضاء جسم الانسان والتقويم وغيرها كثير.كلمات دليلية