نزاعات الشرق الأوسط في معرض فني فرنسي
Feb ٢٥, ٢٠٠٨ ٠٤:٤٤ UTC
افتتح مؤخراً في مركز جورج بومبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسیة باريس معرض تحت عنوان "القلقون"
افتتح مؤخراً في مركز جورج بومبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسیة باريس معرض تحت عنوان "القلقون". فيمكن للزائر مشاهدة أعمال فنية لخمسة فنانين من الشرق الأوسط قاسمهم المشترك هو الانتماء إلى جيل من المبدعين الشبان عاشوا الحرب الدائرة في المنطقة واستطاعوا ترجمتها وتحليل أسبابها فنياً. ويشارك كل منهم بعمل يعالج جانباً معيناً من تجربته للحرب لكنه يبقى في وضعية نقدية تجاه نظرته الخاصة لهذه الحرب وطريقة تمثيله لها. يشارك الفنان اللبناني ربيع مروة بفيلم يحمل عنوان "ثلاثة ملصقات" حول ثلاث شخصيات وثلاث وثائق تنتمي إلى حقب ثلاث. وقصة هذا العمل تقودنا أولاً إلى عام 1985 عندما حاول جمال سطي تسجيل شهادته المخصصة للبث على شاشة التلفزيون قبل أن ينفذ عملية استشهادية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ثم إلى عام 2000 حين عثر ربيع مروة على هذه التسجيلات على أحد الرفوف المغبرة داخل المركز الرئيس للحزب الشيوعي في بيروت، وقرر استخدامها في أداء فني أبطاله ممثل وشهيد ورجل سياسي، فإلى عام 2004 حين قرر الفنان التوقف نهائياً عن هذا العمل نظراً إلى طريقة تملكه الخاطئة من قبل الوسائل الإعلامية، وتثبيته في الزمن على شكل فيلم له طابع وثائقي ويرافقه تأمّل حول حدود الواقع وتمثيلاته.يجد المشاهد نفسه أمام تمثيلية تمزج الواقع لالخيال، خصوصاً لدى مشاهدته صورة مروة في نهاية الفيلم مقدماً تفسيرات معقدة حول نتيجة عمله، وذلك مباشرة بعد أدائه دور الشهيد أيضاً. ويهدف الفنان من ذلك إلى كشف وسيلته الفنية، وبالتالي إبطال قيمة فيلم الفيديو كبرهان على صحة الحوادث التي ينقلها. وينطلق الفيلم بالجمل المترددة التي يتفوه بها جمال سطي في محاولة منه لتحديد وضعه كشهيد، جمل يتسرب عبرها الشك نظراً إلى ذوبان دور الشهيد فيها أمام مخاوف الكائن البشري، الأمر الذي يُفقِد الخطاب قيمته كحقيقة مطلقة، محددة: "أنا الرفيق المستشهَد"، ويوقعه بين تمثيلية شفهية لا تزال خيالية والتحقيق الملموس للفعل. فما الذي يشرح اضطراب رجل مستعد للموت من أجل قضية سياسية، أمام عدسة الكاميرا، وما هو مدى سلطة الكاميرا في هذه العملية؟ وفي أي لحظة تتم عملية الاستشهاد: خلال تحضيرها للبث على التلفزيون، أثناء بثها، أم لحظة وفاة الشهيد؟ ويشارك أكرم زعتري بفيلم يتكون من مشهد تصويري واحد فيه مقاتل سابق من المقاومة اللبنانية يخرج لباسه العسكري ويقوم بترقيعه وتجهيزه قبل أن يرتديه فيسترجع هويته العسكرية، هوية محارب لم تعد أمامه حرب يخوضها. وإذا كان اللباس العسكري يصنع الإنسان الذي يرتديه، فإن تقدم الرجل المقاوم في السن يطرح مفارقة ملموسة. إذ تفقد البذلة العسكرية هيبتها على كتفيَه الهزيلتين وتبدو بآلية من زمن آخر فتثير مجموعة من الأسئلة: من هو هذا الرجل؟ ماذا كانت دوافعه كمقاوم؟ كيف كانت حياته وكيف أصبحت؟ ولماذا هذا الحنين من جديد إلى البذلة القديمة؟ العمل على شكل طبقات متراكبة من المعنى تنتظر من يجليها ويُبرزها وتطرح السؤال الجوهري حول ما الذي يصنع التاريخ وكيف تكشف حقائقه المختلفة أو تستر بواسطة إنتاج الصور وعملية ترويجها. وفي هذا السياق، تظهر البذلة العسكرية كاستعارة للحرب، وبالتالي كإغراء ثابت وقوي داخل مجتمع يبحث عن هويته ولم يخرج بعد من منطق التقاتل والنضال. قرية فلسطينية تشارك الفنانة أحلام شبلي في المعرض من خلال سلسلة جديدة من الصور بعنوان "الوادي" تشكل نوعاً من التحقيق حول أثر التاريخ على قريتها الفلسطينية "عرب الشبلي"، وتحديداً على الناس والبيوت والمناظر الطبيعية والأماكن المشحونة رمزياً، كذلك الموقع الذي أبرم فيه الفلسطينيون واليهود القادمون حديثاً إلى إسرائيل اتفاق سلام بعدما قتل يهودي من قرية مسحة فلسطينياً من قرية الفنانة، أو ذلك المنزل الفلسطيني الذي رفع أصحابه علماً إسرائيلياً فوقه، أو الأسلاك الشائكة داخل الطبيعة منذ أن طردت حکومة الاحتلال الإسرائيلي أبناء القرية في اتجاه الجبل واستولت على أراضيهم. یشاهد الزائر بيوتاً جديدة مبنية على سفح الجبل للإشارة إلى كلفة التشييد العالية، وفي صورة أخرى، النبع الذي كان يمد القرية بالماء بعد مصادرته وتسييجه لمنع أبناء القرية من استخدامه. تقتفي شبلي آثار الحوادث التي وقعت والتي تتمتع، وفقاً إلى الفنانة، بحضور ذاتي، ثم تستخدم صورها كمفردات تنتمي إلى لغة خاصة. ولهذا، يجب عدم النظر إلى هذه الصور كمجرد عملية توثيق للواقع:"من المناسب أكثر أن نتكلم عن صور سياسية.. ليس الجانب الوثائقي فيها سوى وسيلة بين وسائل أخرى أستخدمتها"، تقول شبلي التي تعتبر أيضاً أن الجانب الإبداعي من عملها يكمن في طريقة تصويرها لهذه الآثار وفي طريقة عرضها في سياق آخر يمنحها معنى جديداً. ولا تترك الفنانة عملية تفسير هذه الصور كلياً للمتأمل فيها، بل ترفقها بنصوص تشكل جزءاً منها وتحول دون تفسير خاطئ لها.كلمات دليلية