مداخيل صناعة الكتاب في لبنان تصل إلى مليوني دولار
May ١٩, ٢٠٠٩ ٢٣:٥٣ UTC
«لا يزال لبنان مطبعة العرب، ويجني مبالغ كبيرة من هذا القطاع الذي يكاد يكون الأقوى على الإطلاق في المجال الصناعي»
«لا يزال لبنان مطبعة العرب، ويجني مبالغ كبيرة من هذا القطاع الذي يكاد يكون الأقوى على الإطلاق في المجال الصناعي». هذا ما تؤكده لينا كريدية، مسؤولة دار النهضة العربية في بيروت، بمناسبة انطلاق أعمال «الملتقى العربي لصناعة الكتاب» في العاصمة اللبنانية، بحضور سبعين ضيفا عربيا، يمثلون وزارات للثقافة ومكتبات ومطابع ودور نشر عربية. هذا الملتقى المهني ذو الصبغة التقنية، هو الثالث من نوعه في العالم العربي. حيث عقد الملتقيان الأول والثاني في القاهرة بدعوة من الجامعة العربية، وجاء الملتقى الحالي، والثالث، في بيروت، بعد أن سعت إليه ونظمته دار النهضة العربية بالتعاون مع بيت الحكمة في بغداد، ووزارة الثقافة اللبنانية، في إطار احتفالات بيروت عاصمة عالمية للكتاب. ورغم الكلام الكثير الذي يقال عن موت الكتاب، وتراجع دور بيروت كمطبعة للعرب، فإن أصحاب المطابع، ودور النشر لا يبدو أنهم يستسلمون لهذا التشاؤم، بل على العكس، لبنان يربح مبالغ غير منظورة نتيجة لهذا الدور الذي يلعبه في المنطقة العربية، ولكن بكثير من التكتم. وتقول لينا كريدية، إن «الملتقى البيروتي يتميز بأنه ليس محصورا في الجانب النظري، فضيوفنا، وبعد جلسات العمل الصباحية سيذهبون في جولات ميدانية ليعاينوا بأم العين كيف يصنع الكتاب. فهناك جولات على مستودعات الورق للاطلاع على كيفية التنظيم وتخزين الورق، والقص والتركيب. كما ستكون لضيوف الملتقى جولات على المطابع ومعامل السيلوفان، وسيتمكنون من متابعة عمليات التجليد والتنفيذ النهائية للكتاب». أصحاب ومديرو مكتبات، مدراء عامون في وزارات للثقافة، صناعيون، وأصحاب مطابع، فنيون وخبراء، بدأوا نقاشاتهم في الملتقى حول كيفية اختيار مادة النشر، والنماذج المستخدمة في صياغة عقود النشر، وعمليات الصف والإخراج الفني وتغليف الكتب، ويتابعون جلسات تبحث في نوعيات الورق المستخدمة وكيفية تخزينها وحفظها، والسبل الممكنة لتخفيض تكاليف هذه المادة التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير في السنوات الأخيرة. كما سيتباحثون في مسألة التصحيح اللغوي والطباعي. وبحسب نقيب الطباعة في لبنان، جوزف صادر فإن حوالي 900 مطبعة تعمل حاليا في البلاد، مقابل حوالي المائة في بلد كبير مثل مصر يبلغ تعداده 80 مليون نسمة. هذا العدد الكبير من المطابع، التي يتفاوت حجمها بالكبر والصغر كما في نوعية الآلات المستخدمة فيها، لهو دليل على أن لبنان لا يزال مطبعة العرب، ولو أن المنافسة أصبحت كبيرة، ليس من مصر وحدها، وإنما من دول عربية أخرى مجاورة. ويعترف عاملون في مجال الطباعة اللبنانية، أن المداخيل التي تدرها هذه المهنة، من الصعب معرفتها. فقد قدرت دراسة صدرت عن «المركز اللبناني للدراسات» عام 2002 أن مجموع مداخيل الصناعات الثقافية في لبنان يصل إلى 675 مليون دولار سنويا، لصناعة الكتاب منها نصيب يصل إلى مليوني دولار. لكن أحد العاملين في مجال الطباعة، يقول إن الرقم يفوق ذلك، وأن أحدا لا يستطيع أن يعرف المداخيل الحقيقية لهذه الصناعة، ويضيف: «من يستطيع أن يحصي مثلا عدد النسخ التي تتم قرصنتها من مطبوعات أكسفورد باللغة الإنجليزية وترسل بالأطنان إلى دول عربية، ومن بينها قاموس أكسفورد نفسه؟ من بمقدوره أن يحصي كتب التراث التي تطبع وتصور ويقرصن المحقق منها، وترسل إلى كل أنحاء العالم العربي؟ مداخيل الطباعة، وحركتها في المنطقة العربية طولا وعرضا، قد تكون الأكثر سرية من بين الصناعات الموجودة في لبنان». ويقول هذا الخبير المحنك في صناعة الكتاب اللبناني وطباعته «الكتب المدرسية الأفريقية العربية، في غالبيتها الساحقة تطبع في لبنان. من يعرف مثلا أن الكتاب المدرسي الموريتاني يطبع في دار الفكر اللبنانية؟ المصاحف التي توزعها سورية وتبيعها بكميات هائلة هي في غالبيتها، إن لم تكن كلها، مطبوعة في لبنان». ويضيف: «يجب أن لا نستخف بحيتان الطباعة الموجودين في بيروت. على سبيل المثال لا الحصر مكتبة لبنان، تطبع الكتب العلمية للمدارس القطرية. وممول معروف في لبنان عنده دار نشر وإذاعة في ليبيا، يطبع كتب المنهج الليبي برمتها». وعن سر بقاء لبنان قادرا على اختراق سوق الكتاب العربي على نحو كبير رغم المعوقات الكثيرة فتقول مسؤولة دار النهضة، لينا كريدية: «لا تزال أسعارنا هي الأفضل، نسبة إلى الجودة التي نقدمها. فالكتاب اللبناني تقنيا وفنيا هو بمستوى الكتاب الأوروبي من حيث الطباعة والتجليد. في الخليج الفارسي الطباعة جيدة والتجهيزات الآلية ممتازة لكن اليد العاملة هندية وليست عربية، وهذا يؤثر سلبا. المغرب العربي يعاني ضعفا في الإخراج، وهو ما يحاولون التغلب عليه في الوقت الراهن. أما في مصر فالمشكلة في إهمال التفاصيل الفنية. وغالبا السوق كبيرة هناك، وهم يكتفون بالتصريف المحلي. لبنان استفاد من الحرية الفكرية المتاحة، ومن الروح التجارية القوية واليد العاملة الماهرة، وشكل شبكة على امتداد العالم العربي، منذ عشرات السنوات، لا تزال قائمة إلى اليوم». وعن الهدف من تنظيم الملتقى في لبنان، تقول كريدية: «تبادل الخبرات يسهم في تطوير هذه الصناعة عربيا. الزيارات الميدانية التي ننظمها أثناء أيام المؤتمر إلى المطابع ستجعل زوارنا يطلعون على إمكاناتنا، فيستفيدون منها، ونستفيد نحن أيضا بالتعاون معهم». وتتابع كريدية: «لصناعة الكتاب جانب تجاري وآخر فكري، وعلينا أن نعنى بالجانبين، من ناحية تجويد المضمون، ومن ناحية أخرى تطوير الشكل الفني للكتاب». وعن نوعية الآلات الطباعية في لبنان التي قيل طويلا إنها لم تجدد، تقول كريدية: «هذا صحيح. ثمة مطابع حديثة جدا، وهناك مطابع لا تزال قديمة، لكن مهارة اليد العاملة في الصيانة، أطالت عمر العتيق من التجهيزات، ومنحته قدرة على الاستمرارية. عانينا صعوبات كبيرة لا شك، لكننا لا نزال متقدمين، وقادرين على المنافسة، لكن ينقصنا الكثير أيضا. ولا بد من التفكير في المستقبل». ومن خلال الملتقى سيتمكن العاملون في مجال صناعة الكتاب من التداول وتبادل الخبرات حول برامج الكومبيوتر المستخدمة في في عمليات الإخراج والتصميم، والطرق المتبعة لخياطة الكتب وتلبيس الأغلفة الجلدية. وهناك محور خاص، يتم خلاله التداول في نوعية الماكينات المستخدمة للطباعة في العالم العربي، والصيانة وما يعترض صناعة الكتاب العربي من نقص في الخبرات، بسبب غياب المعاهد التخصصية.كلمات دليلية