المنمنمات الإيرانية وأثرها في الفن الإسلامي
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i31747-المنمنمات_الإيرانية_وأثرها_في_الفن_الإسلامي
استطاعت الثقافة الايرانية أن ترسخ مواقعها وأن توسع دائرة معجبيها عبر التاريخ، قديمه ووسيطه وحديثه، وكان للثقافة في تجلياتها الابداعية في مجال العلوم والأدب
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
May ١٩, ٢٠٠٩ ٢٣:٥٤ UTC
  • المنمنمات الإيرانية وأثرها في الفن الإسلامي

استطاعت الثقافة الايرانية أن ترسخ مواقعها وأن توسع دائرة معجبيها عبر التاريخ، قديمه ووسيطه وحديثه، وكان للثقافة في تجلياتها الابداعية في مجال العلوم والأدب

استطاعت الثقافة الايرانية أن ترسخ مواقعها وأن توسع دائرة معجبيها عبر التاريخ، قديمه ووسيطه وحديثه، وكان للثقافة في تجلياتها الابداعية في مجال العلوم والأدب، شعره ونثره، وفي مجال العمارة والنحت والتصوير والصناعات الحرفية امتيازات اختصت بها، وعبرت عن رؤية متكاملة إنسانية الطابع. وتصطبغ الثقافة الايرانية في أغلب عصورها بمدخل فلسفي إيجابي سعى دوماً إلى تكريس مفاهيم الخير والعدالة والمحبة، إلا أن انعطافها الأكبر في هذا الاتجاه حصل مع دخول الاسلام الذي دعم تلك الاتجاهات البنّاءة والانسانية في مجال الثقافة عموماً، ورفدها بروح جديدة مستمدة من روح العقيدة التي تتمثل أهم خصائصها بالتوحيد. إننا نستطيع تتبع صفحات متلاحقة من تطور الثقافة الايرانية منذ ظهور الدولة الفارسية في منتصف القرن السادس قبل الميلاد وحتى هذا التاريخ، مروراً بالاخمينيين والأشكانيين والساسانيين والصفويين وغيرهم، وقد تفاعلت إيران عبر تاريخها مع شعوب الأمم المجاورة، واستطاعت في النهاية أن تخرج من هذه التجارب الطويلة والمعقدة بفن يتمتع بميزات خاصة، إلا أن أهم أحقاب الفن الايراني تتمثل في الحقبة الاسلامية. يتميز التصوير الاسلامي الذي عرف باسم "المنمنمات" بخصائص مميزة تشمل الجوانب التقنية والأسلوبية والوظيفية التي يطمح إليها هذا التصوير، وينطلق هذا كلّه من فلسفة تتناول الانسان والكون والدين في إطار عرفاني، وتربط فلسفة التصوير في الاسلام بين العالم المادي وبين العالم الروحي ربطاً محكماً ينزع إلى الكمال ويجعل من أعمال الفن نمطاً فريداً في مزاياه، تقربه من أن يكون نوعاً من ممارسة طقس ديني، وقد ارتبط هذا النوع من التصوير بتطور المخطوطات التي تناولت شتى المعارف العلمية منها والادبية، وترقى أقدم المخطوطات إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وإن كانت أعداد قليلة منها معروفة في مصر وإيران منذ القرن التاسع الميلادي، ولقد عرف الرسم اهتماماً واسعاً في إيران منذ القرن السابع الميلادي، حيث تفاعل الرسم الايراني مع الرسم الصيني. تلتقي في تصوير المنمنمات الاسلامية تأثيرات عدة: عربية وإيرانية وصينية ومغولية وسلجوقية وهندية وتركية وعثمانية. كما تظهر بعض التأثيرات البيزنطية في فترات محددة، وخاصة حول القوس المتوسطي، ويمكن أن نلحظ تأثيراً باهتاً لها يفي المنمنمات المعاصرة. ولفن المنمنمات عدة مدارس، فهناك المدرسة البغدادية والمدرسة المغولية والمدرسة التيمورية، ثم المدرسة الصفوية والمدرسة المملوكية والمدرسة التركية والمدرسة الهندية، ثم المدرسة المعاصرة. لقد تميزت كل من هذه المدارس بميزات خاصة ويشكل نشاطها مجتمعاً المسيرة الرئيسية لتطور فن المنمنمات في العالم الاسلامي. ولقد عملت شعوب العالم الاسلامي جميعها بدأب إلى هذه الدرجة أو تلك في تطوير هذا الفن الذي يعتقد البعض بأنه مولود الرسوم الصينية نظراً لغلبة العرق الأصفر على الرسوم بسماته المميزة وغزارة التفاصيل المرتبطة بأسلحة المغول وعاداتهم وتقاليدهم وبيئتهم، وهي تأثيرات بقيت ملحوظة لفترة من الزمن، ثم تضاءل ظهورها تدريجياً تحت ضغط التأثيرات المحلية، وينطبق هذا على منمنمات أغلب المدارس في فتراتها المبكرة. والواقع أن عبارة منمنمة تتصف بسعة دلالتها، فهي إنتاج فني صغير الابعاد، يتميز بدقة في الرسم والتلوين، وهو اسم يطلق عادة على الاعمال الملونة وغيرها من الوثائق المكتوبة المزينة بالصور أو الخط أو الهوامش المزخرفة، وقد حقق فن المنمنمات المرتبط بالمخطوطات كمالاً رفيعاً خلال القرون الوسطى في الشرقين الأوسط والأدنى وحتى في أوروبا، وقد استخدم لفظ المنمنمات للتعبير عن أعمال التصوير، وخاصة الصور الشخصية الصغيرة الحجم، التي كان يجري رسمها وتلوينها على الخشب والعاج والعظام والجلود والكارتون والورق والمعدن وغيرها من المواد. لعب الفنانون الايرانيون دوراً مهماً في أكثر المدارس الفنية للمنمنمات، فقد تفاعلت خبراتهم في كل من المدرسة العباسية في بغداد، وخاصة لدى وصول البرامكة إلى موقع السلطة، فقد استجلب هؤلاء العديد من الفنانين الايرانيين إلى بغداد، فشاركوا في تأسيس مدرسة المنمنمات فيها، وقد عرف من المدرسة السلجوقية محاولة الحفاظ على أصالة الرسم الايراني وسماته المحلية وأبعاده عن تأثيرات الفن الصيني. لكن باستيلاء المغول على إيران وظهور المدرسة المغولية تغيرت ملامح المنمنمات، إذ أوجد المغول مدارس في تبريز وشيراز ومرو ارتبطت بالأسلوب الصيني، ثم ظهرت المدرسة الهراتية أو التيمورية في سمرقند وهي من أبرز مدارس الرسم الايراني على وجه الاطلاق، وعندما تأسست المدرسة الصفوية في العهد الصفوي انتقل مركز الفن الايراني من هرات إلى تبريز، وتعتبر رسوم المدرسة الصفوية صفحة جديدة في الرسم الايراني. لقد أسس الفنانون الايرانيون المدرسة التركية لفن المنمنمات بعد استقدامهم من قبل السلاطين العثمانيين، كالسلطان سليمان القانوني، كما وأن المدرسة الهندية تأثرت هي الاخرى بالفن الايراني بعد أن انتشر الاسلام في الهند على يدي "بابر" حفيد تيمورلنك. وهكذا وبهذه الصورة المكثفة والمختصرة إلى أبعد الحدود يمكن استنتاج الدور الريادي البارز الذي لعبته إيران في تطور فن المنمنمات عبر التاريخ الذي يمتد أكثر من عشرة قرون في بقاع جغرافية مترامية الاطراف. لقد عكس الفن الايراني عبر تاريخه مراحل تطور الأمة، وعكس أحداثها المهمة وهموم شعبها وتعاقب أطوارها الحضارية، وتفاعلها مع الأمم الأخرى، فكان الفن في إيران مواكباً لمسيرة الانسان دائماً.