الدكتور علي شريعتي و شرر الشوق
Jun ٢٠, ٢٠٠٩ ٠٢:٢٦ UTC
لبعض الأشياء والناس، أبعاد ووجوه متعددة، يبدو عديم المنال... أينما وجدته وخلته أنك عثرت عليه لألفيت أيضاً أن له أبعاداً جديدة وأحدث
لبعض الأشياء والناس، أبعاد ووجوه متعددة، يبدو عديم المنال... أينما وجدته وخلته أنك عثرت عليه لألفيت أيضاً أن له أبعاداً جديدة وأحدث من سابقاتها لم تك في متناولك أنت. كذا هم كبار شخصيات التاريخ. انهم كبار، معقدون وذو أبعاد عدة. هم كالماء ما انفكوا يجرون ويسيلون لهم تأثيرهم في كل العصور والأجيال. الدكتور علي شريعتي، في التاسع عشر من يونيو- حزيران ذكرى وفاته الشبيهة بالشهادة. هو من هذا الصنو من الرجال الذين خلدوا مدى الدهر في حوزة الفكر والعقيدة الدينية. كان لموت شريعتي حياة جديدة لفكره وعقيدته ولم تأل الحاجة لمعرفته، إلى الإستغناء أبدا. من هو شريعتي؟ ماذا فعل؟ ما هي شخصيته، أفكاره ، عقائده، وكيف تبلورت؟ وكيف يمكن التعرف على شريعتي كما كان و كما هو الآن؟ يتصدر كل هذه الآراء ووجهات النظر، النظرة الشاملة، الدقيقة لقائد الثورة الإسلامية، فانه كرجل دين متفتح وله نظرته العميقة والشاملة إلى حركات مثقفي زماننا الذين هم بشكل ما إما يدينون بالتبعية للأجانب وإما والهون ومتأثرون بهم ولا علاقة او ارتباط لهم بابناء الشعب، يرسم صورة حديثة عن التثقيف قادرة على الإستقرار في مكان مفيد وفاعل في سيماء شريعتي، قائلاً: إننا إن شئنا ذكر خصوصية واحدة لشريعتي، هي انه كان دائم الصلة بالناس، كان يتحدث للناس، ويتكلم بلسان الناس. ويستلهم من الناس. ويعكس آلام الناس ويبينها في وقت كانت بقايا التثقف المستغرب واذناب هذا التثقف وحثالات أصوله النتنة لاتزال في ايران... كما أنها لازالت باقية لهذا اليوم أيضاً. وقال قائد الثورة الاسلامية مبيناً مميزات شريعتي الدينية والشخصية : (لقد ظهر شريعتي في برهة زمينة وفي الساحة التثقيفية. انه دافع عن الإسلام، بقوة ومتانة ودافع حتى عن تعصب الاسلام، أي: أنه قال على المؤمن المسلم أن يكون متعصباً. قال انهم جردونا من قلعة التعصب وحصنه ليتسنى لهم استهدافنا بنبالهم المسمومة). لكن حبذا في هذه المرة ان نتعرف على شريعتي من لسانه هو. يتحدث شريعتي بلسان ملؤه الدفء والصدق عن طفولته، ويقول اولاَ عن أبيه الذي كان اول معلم مؤثر وبناء بالنسبة إليه: (أبي كان اول من بنى ابعاد روحي، والذي لاول مرة، علمني فن التفكير وأيضاً ان اكون إنساناً، وهو ما إن فطمتني أمي عن الرضاع حتى سكب في فمي وأذاقني طعم الحرية، الشرف، الطهر، المنعة، عفة الروح، الصمود، الايمان واستقلال القلب رافقني أولاً بكتبه. فقد تعرفت منذ الطفولة، ومنذ سني الاولى للابتدائية على رفاق أبي –على كتبه- فأنستها. كبرت وتربيت في مكتبته التي هي فن الحياة والاسرة. عليهذا في كل صف أدخله، كنت أتقدم زملائي (بمائة درس) ومعظم المعلمين (بتسعة وتسعين درساً). انه أهداني بالمجان وببساطة وانا طفل وفي مقتبل الحياة الكثير من الاشياء التي كان علي أن أتعلمها عند الكبر وخلال تجاربي وتجاذباتي ومحاولاتي المستمرة في سني العمر. لقد كان شريعتي شخصية فذة طوال فترتي الحداثة والشباب. فقد شحن مخه، فلسفة وعرفانا... والكتب كانت مفره الوحيد من عالم النكبة والشقاء الذي كان يضيق على خناق سكان المعمورة. انه في عالم كهذا كان يقرأ ويقرأ ويقرأ حتى بلغ النقطة التي فاض عندها ورعد كالبركان الثائر. ومخ بخطبه في الجامعات والمساجد والمراكز العلمية والثقافية دماً جديداً الروح المرهقة والمتروكة لمجتمع كان قادته المفكرون اما في المنفى واما سجون نظام الشاه. في العام 1347 (الهجري- الشمسي الموافق للعام الميلادي 1968) نشر كتاب كوير (الصحراء). من كتبه الاخر في هذه السنة، كتاب (توتم شناسي)، أي: دراسة شئون التوتم او الدودم وهو ما يرمز إلى الاشياء من نبات، حيوان، وما في الطبيعة وهي مقدسة لدى قوم او عشيرة او تمثل عادات وتقاليد ذاك القوم أو تلك العشيرة.. على سبيل المثال يمكن اعتبار البقرة التي لا تذبح ولاتهان في الهند مقدسة لدى سكان شبه القارة .. وبعبارة انها توتم بالنسبة لهؤلاء الهنود. وكذلك كتاب (اسلام شناسي) أي: دراسة الشئون الاسلامية. في هذه السنة بالذات، أي: سنة 1968 ذهب شريعتي بناء على دعوة الاستاذ الشهيد مرتضى مطهري لالقاء الخطب في حسينة الارشاد بطهران... هذه الدعوة انما كانت في الواقع نافذة جديدة فتحت امامه لخدمة الدين. مواضيع خطبه في حسينية الارشاد، هي : الامة والامامة ، الحضارة والحداثة، نظرة لتاريخ الغد، علي وحيد، وموعد مع ابراهيم. في عام 1969 تشرف شريعتي لرحلة الحج: لقد بدأ موسم الحج، السير نحو الكعبة، في ثوب الإحرام الابيض في حريم من المحرمات ونحوالله مسرعاً... صارخاً لبيك ! لبيك، أي : ان الله دعاك وناداك أن تعال. والآن ها أنت قادم، والآن ترد عليه: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) بلى، اللهم لا شريك لك. ان الحمد والنعمة لك وحدك والملك. لا شريك لك ... يسمع صوت الله من الصحراء. يتعالى هذا النداء من كل ذرة. وقد ملأ كل ما بين الأرض والسماء ويسمعه الجميع... الكل يسمعه باعتباره يخاطبه هو لاسواه، يسمعه بأن الله يدعوه هو وهو الذي يصرخ من الأعماق: (لبيك اللهم لبيك).. العامان 1970 و1971 كانا حافلين بالعمل بالنسبة لشريعتي، حافلين بالتدريس في جامعة الفردوسي بمدينة مشهد المقدسة والقاء الخطب في حسينية الإرشاد بطهران... ويبلغ بخطبته (فاطمة هي فاطمة) ذروة العطاء: (الحديث عن شخصيته فاطمة صعب جداً، فاطمة كانت أمراة. امرأة مثلما يريد الإسلام ان تكون. صورة وجهها رسمها النبي (ص) بالذات وكان صقلها ورباها أصيلة في اتون الشدة والفقر والصراع وتعاليمه عليه الصلوة والسلام الانسانية العميقة والمذهلة. فهي كانت امراة بكل الأبعاد، وكانت قد صارت انموذجاً. ومظهر بنت امام أبيها، مظهر زوجة امام زوجها، مظهر ام امام ابنائها، مظهر امرأة مناضلة ومسئولة امام زمانها ومصير مجتمعها. في عام 1973 ألقى السافاك القبض على شريعتي بسبب خطبه فاودع السجن حتى أفرج عنه في عام 1975. حبه لرجال الدين ونضاله من خصوصياته الاخرى. وله بيان تاريخي تماماً في تصديه للمثقفين المرتمين في أحضان الطاغوت وهو شهادة على هذا الامر المهم الذي يدعو للفخر والاعتزاز وهو عدم مشاهدة امضاء أي رجل دين وتاييده لاي من اتفاقيات الشؤم والعار الاستعمارية ... من ذلك أيضاً مدى حبه واخلاصه الصادق والمثالي للإمام الخميني في سني الغربة والشدة تلك. في يوم الأحد التاسع عشر من يونيو- حزيران 1977 توفى شريعتي في لندن بغتة دون ان يكون هناك أي مريض او سانحة وبعد ايام نقل الى دمشق ليدفن جوار حرم السيدة زينب سلام الله عليها، بينما كان صوته البليغ يرن بآلامه من الم في آذان الكثيرين وهو يقول: (اللهم! صن عقيدتي من عقدتي. اللهم هبني قدرة تحمل عقيدة من يخالفني في الرأي، اللهم، هبني الحياة لكي لا آسف لحظة الموت على عدم جدواها وهبني ميتة لا أحزن على تفاهتها. دعني اختارها بنفسي، لكن مثلما أنت تحب لا كما أنا احب.كلمات دليلية