معرض في لندن يضم لوحات تشكيلية إيرانية
Jun ٢١, ٢٠٠٩ ٠١:٣٩ UTC
تستضیف العاصمة البريطانبة لندن حالياً معرضاً فنياً عما حققته الحركة التشكيلية الإيرانية خلال العقدين الأخيرين
تستضیف العاصمة البريطانبة لندن حالياً معرضاً فنياً عما حققته الحركة التشكيلية الإيرانية خلال العقدين الأخيرين. لكن المفاجأة الحقيقية التي ستواجه الزائر هي التنوع الواسع في التعبير مع سيادة روح تعبيرية قادرة على إثارة التساؤلات إضافة إلى الميل إلى التجريب واستخدام وسائط فنية مختلفة تمتد من التصوير إلى الحياكة إلى الكولاج إلى الرسم والخط والطباعة. المفاجأة الأخرى هي أنه من بين الفنانين الاثني عشر هناك واحد منهم فقط يعيش في الخارج، وهو الفنان غاس روزخوش المقيم في باريس. وهو يعد من المتقدمين في السن ضمن المجموعة المشاركة، على الرغم من أنه لا يتجاوز السادسة والأربعين، لكن مواليد منتصف الستينات من القرن الماضي. وكان لتجربة الحرب العراقية الإيرانية تأثير كبير عليه وتأثير على تطوره الفني. وفي لوحتيه اللتين شارك بهما هناك ثلاثة ألوان صافية فقط: الأسود والأحمر والأبيض، لكننا نستطيع تلمس ذلك الجرح بطريقة بارعة. ففي لوحته «سكِينة 2» يستخدم وسائط مختلفة، حيث يسكن مستطيل مائل أسود اللون داخل طبقة كثيفة من اللون الأحمر الذي يبدو كأنه دم جامد، وبالمقابل انتشرت بقع بيضاء وسوداء وحمراء على حدود المستطيلين، خالقة كسرا لحدودها ومثيرة قدرا من الاضطراب في نفس المتلقي. هذه المعادلة ما بين الفكرة والمتطلبات الجمالية مدهشة هنا، خصوصا مع صغر مساحة اللوحة، لكن توزيع المستطيلين اللذين يذكّران بمستطيلات الفنان الهولندي موندريان مع الكسر الحاد للتركيب الهندسي عبر البقع المبثوثة فوق سطح اللوحة يعكس حالتين متعارضتين: السكون والاضطراب في آن واحد. لكن هذه الجدية يكسرها جيل الفنانين الذين ولدوا في ما بعد عام 1970. ففي أعمال الفنان بويا أريانبور نتلمس تجريبية عالية في ابتكار ما يمكن تسميته بفن فكرة الخط، وفي عمله «بلا عنوان» الذي يستخدم فيه مادة الأكريليك على قماش القنب، تندلع حروف وكلمات بشكل تجريدي، ككتلة مشعثة بيضاء، بينما تولد الانحناءات المعتمة بجانبها عمقا للوحة، وكلما تبتعد الظلال تتعمق العتمة حتى تنتهي بخلفية سوداء تماما. هذا التعارض بين اللونين الأبيض والأسود والتدرج بينهما منح تلك الكتلة المشعثة من الحروف العربية حركة جعلها تبدو وكأنها تتقدم صوب المشاهد. وفي لوحات أخرى يعالج أريانبور بدرجات مختلفة من النجاح فكرة الخط المجرد، لكن الأعمال بعضها مع بعض تشكل وحدة في تجريب القدرات الخفية في الحروف على التمدد والحركة. في المعرض هناك مساهمة نسائية متواضعة لفنانتين، هما: سميرة علي خازنده وغولناز فتحي. مع الأولى ندخل في لعبة التجريب واستخدام مواد مختلفة من كولاج ورسم وفوتوغراف، لكن الفكرة التي تنقلها سميرة إلينا تمتاز بطبقات من التأويل وتبتعد عن المباشرة. ففي لوحتها «بلا عنوان ـ كولاج ومرآة وفوتوغراف» تستخدم صورا قديمة لأشخاص من زمن بعيد. لكن الفنانة سميرة علي خازنده جعلتهم يبدون وكأنهم غارقون في ضباب، مما جعلهم بملامح باهتة عسيرة على التمييز، وبالمقابل أدخلت رسوما لنباتات وشجيرات كخلفية لهم، مع تلوينهم بألوان هلامية الملامح. بالمقابل هناك امرأة تجلس أمامهم ضمن وسط أكثر اتضاحا وكأنها من هذا الزمن، بينما يتوسط الصورة خط من المرايا الصغيرة الدائرية، التي تمكننا من رؤية أنفسنا فيها أكثر من رؤية الآخرين. هل هو استبطان للزمن العابر الذي يمر بحياة الإنسان؟ هل تلك الزاوية المنسية من الزمن التي جمعت كل تلك الشخصيات الهلامية هي نفسها التي تنتظرنا أيضا؟ أم أن الصورة تحاول إمساك ذلك الشعور العميق الذي قد تتقاسمه الفنانة مع عدد كبير من الإيرانيين: الحنين إلى ماض أصبح موشكا على الاختفاء حتى من الذاكرة، وكل ما يمكن فعله هو الإشارة إليه مثلما تفعل هذه اللوحة؟ أما غولناز فتحي فقدمت عملين في المعرض، وفي كليهما رسمت كتلتين باللونين الأسود والأحمر على خلفية بيضاء، وما يكسر سكونية اللوحة هو تشظي الكلمات المنتشرة ضمن السطح الأبيض. وبذلك تكون فتحي حريصة على استخدام الحرف، لكن يبدو وكأن الخط لم يتمكن من التكامل مع أجزاء اللوحة، فهو أقرب إلى نثار يخلو من وظيفة واضحة. هناك فنان آخر وهو شهريار أحمدي. وفي أعماله المرسومة عام 2008 نتلمس تلك الفجوات التي تقترب من أن تكون ورودا أو ربما منافذ مزهرة وسط سطح صقيعي يميل إلى ألوان تبنية وبيضاء وصفراء، وبالمقابل برزت على الحاشية خطوط مبعثرة لكنها متكاملة مع المشهد. وهنا استثمار للتجريد مع مواصلة تقاليد الرسم الفارسي الكلاسيكي القديم لكن باستثمار ما تحقق من إرث في فن الرسم خلال القرن العشرين عالميا، ويمكن تلمس العمق في اللوحة بفضل توزيع الألوان أكثر من استخدام المنظور. هذه اللوحة حسب الملاحظة المرفقة بها ضمن مجموعة «الرومي في كأسي». أطرف مقارنة هي ما بين أكبر الفنانين المشاركين وأصغرهم سنا، فالفنان رضا دركشاني المولود في 1952 يقدم عالما آخر ضمن مسلسل «ورد وعندليب»، لا يمت بصلة إلى الحاضر، فهو معني أكثر بالتزيين مما يجعل لوحاته أقرب للتطريز على الأقمشة أو تلك النقوش التي تتميز بها السجادات الإيرانية. رسوم محكومة بالتقليد والانغلاق، بينما نجد في لوحتي علي رضا دياني المولود في عام 1982 جرأة كبيرة واستعدادا لتلقي أكثر المؤثرات الفنية غرابة، ففي لوحته «بلا عنوان» التي يستخدم فيها الحبر الأسود وقلم الرولر، نجد أصابع الفنان الإسباني الراحل سلفادور دالي وأسلوبه السريالي طاغيا عليه، ممزوجا بأسلوب خوان ميرو الغنائي بأشكاله الغرائبية، لكن من دون ألوانه الصاخبة.كلمات دليلية