صدور كتاب يضم الرسائل الخاصة لطه حسين
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i36728-صدور_كتاب_يضم_الرسائل_الخاصة_لطه_حسين
يصح أن يوصف عميد الأدب العربي الراحل الدكتور طه حسين بمالئ الدنيا وشاغل الناس، مثله مثل أبي الطيب المتنبي قديماً وحديثاً
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Sep ٢٩, ٢٠٠٩ ٠٣:١١ UTC
  • صدور كتاب يضم الرسائل الخاصة لطه حسين

يصح أن يوصف عميد الأدب العربي الراحل الدكتور طه حسين بمالئ الدنيا وشاغل الناس، مثله مثل أبي الطيب المتنبي قديماً وحديثاً

يصح أن يوصف عميد الأدب العربي الراحل الدكتور طه حسين بمالئ الدنيا وشاغل الناس، مثله مثل أبي الطيب المتنبي قديماً وحديثاً. وبصرف النظر عما إذا كان المرء معجباً به، منحازاً إليه، مقدراً مواقفه ودوره، أم كان على العكس من ذلك لأن له أعداء كثيرون، فلا أحد ينكر أن طه حسين شكل أحد المحاور الأساسية، إن لم يكن المحور الأساسي الأول للحركة الأدبية العربية في القرن العشرين. وقد تجدد الحديث حول طه حسين مؤخراً بمناسبة صدور كتاب ضخم عن دار الشروق ضم أوراقه الخاصة أو ما سماه محقق هذه الاوراق، الدكتور عبد الحميد إبراهيم، الوثائق السرية. وفيها ما لا يحصى من المواضيع التي يبدي فيها طه حسين رأياً، أو يقف موقفاً، ما قد يغير في قليل أو كثير، من صورته التي يعرفها عنه جمهور المثقفين. وفي هذه الأوراق، أو الوثائق، الكثير من الرسائل التي تبادلها طه مع الأدباء المصريين والعرب والأجانب. ولا شك أن الكتاب بمجمل ما تناوله من رسائل وقضايا ومواقف يؤلف حدثا ثقافيا مهما من شأنه أن يعيد النظر، قبل كل شيء، بسيرة العميد، وبثوابته وبمتغيراته. عالم الرسائل بين طه حسين والآخرين، وعليها تنصب أكثر صفحات الكتاب، يمثل الوجه الخفي والحقيقي للحركة الأدبية الحديثة. ويلعب طه حسين مقلب الرحى في هذه الرسائل. وقد أتته رسائل متنوعة من مختلف الفئات والطبقات، ومن عامة الناس وخاصتهم، ومن رجال الأدب والفن والاقتصاد والإدارة وصانعي القرار السياسي. ومن هنا نجد رسائل من المكوجي والموظف الصغير والطالب الفقير، ومن أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب ومي زيادة، وطلعت حرب ومصطفى النحاس، والرافعي، ومكرم عبيد، وفؤاد سراج الدين، ومن كبار المشايخ ورجال الدين المسيحي، وحاخام اليهود، والمندوب السامي البريطاني، وكبار الامناء، ومختلف الوزراء، ومن العالم العربي في السعودية والمغرب وتونس والسودان وسوريا ولبنان والعراق. وهذه الرسائل في عمومها تفسر الكثير من الظواهر التي ننظر إليها من السطح دون أن نعرف جذورها ومراميها ودون أن نضعها في لحظتها التاريخية المعقدة. وربما كان الأهم من ذلك انها تضعنا في مواجهة صفة رئيسية تمثل تركيبة نفسية عميقة، وتشكل الكثير من تصرفاتنا السياسية والفكرية، وهي صفة انقسام الشخصية، فتبدو على السطح بوجه، وتبدو في الخفاء بوجه آخر. فإن كثيرا من الشخصيات التي هاجمت طه حسين، واتهمته بالخروج على العادات والتقاليد، كانت ترسل إليه في الخفاء رسائل المديح وقصائد الثناء، وتخلع عليه الالقاب العلمية، وتصفه بالريادة العلمية والاصلاحية. وهذه الرسائل سواء كانت من أو إلى طه حسين، ليست مجرد رسائل لتبادل المعلومات، وإلقاء التحيات، بل هي وثائق ذات دلالة تاريخية وأدبية. فهي، تاريخياً تلقي الضوء على كثير من الاحداث السياسية التي ازدحمت بها تلك الفترة. فبعضها كان موجها إلى طه حسين من صانعي القرار السياسي، يعرضون ما يشغلهم أمام طه حسين، وينتظرون منه النصح والتوجيه. وهذا يدل على ان العلاقة بين رجال السياسة ورجال العلم كانت علاقة صحية في تلك الفترة المبكرة، تقوم على التزاوج الناضج بين السياسة والعلم، مما يخدم كلاً من السياسة والعلم، فلا تجعل رجال العلم والفكر مهمشين يكتفون بتدبيج الصفحات ويحسون انهم لا يقدمون ولا يؤخرون. ولم يكن طه حسين من نوعية العلماء الذين ينعزلون عن الواقع حولهم. فقد كان ينغمس في التيارات السياسية والفكرية حوله دون ان يفقد ملكة التحليل والفهم ورد الامور إلى جذورها الاصلية. إن رسائله إلى السياسيين تكشف عن اهتمام بالمستجدات السياسية وتسمح لهبوب الرياح وتوجيه السفن بما يشتهيه الملاح. في إحدى رسائله في الكتاب، يطلب من الشيخ علي عبد الرازق ان ينبذ السياسة ويفرغ للعلم لأن لديه من صفات الزعامة العلمية ما هو كفيل بأن يضعه في مراتب الرواد. ولكن طه كثيرا ما ينصح اصدقاءه بأشياء يفعل هو غيرها على نحو مخالف. في رسائله يغري أصحابه باللهو والاستمتاع بالحياة، في الوقت الذي ينغمس فيه مع المتنبي أو مع سواه من أدباء التراث. ونراه مرة ثانية يهاجم السياسة وينصح بالبعد عنها، في الوقت الذي ينغمس في تيارها حتى أذنيه. أدبياً، تمثل هذه الرسائل، سواء كانت من طه حسين أو إليه، نماذج راقية المستوى، تتحقق فيها العناية بالأسلوب والايقاع اللفظي، والمقابلة بين المفردات والجمل، وغير ذلك من محسنات، نراها شائعة في أسلوب طه حسين. لم يكن طه حسين يكتب مجرد رسالة تتحقق فيها صفة الاتصال وحسب، ولكنه كان يعتني برسائله مثلما يعتني بمقالاته. وكان الذين يكتبون إليه يحاولون أيضاً ان يصلوا إلى هذا المستوى الفكري والادبي، فلا يكتبون مجرد كلمات تنقل أفكاراً مجردة، بل كانوا يعتنون بألفاظهم وتعبيراتهم. ورسائل طه حسين ذات قيمة تاريخية وأدبية، ولا تقل بحال عن مؤلفاته ولا عن معاركه الفكرية والسياسية. فهي من ناحية ذات كم كبير ومتنوع. كان طه حسين محور عصره، يكتب إليه الكبار والصغار، وطالبو الحاجة، والباحثون عن الشهرة. وهي من الناحية الكيفية تفسر الكثير من الظواهر التاريخية والأدبية، وتلعب من هذه الزاوية دورا يفوق ما تلعبه مؤلفاته لأنها ذات طابع سري وشخصي، تلقي الضوء على ظروف هذه الشخصية التي كانت تميل إلى إخفاء ذاتها، وتضليل القارئ في سراديبها. وكان يتلاعب بالحقائق التاريخية والفعلية بهدف ابراز قدراته وتحويل القارئ إلى شيء منبهر. وتبدو شخصية عميد الأدب العربي عملاقة من خلال هذه الرسائل. فالكثير يخلعون عليه الألقاب الجليلة، ويسيرون على نهج أفكاره، ويتبعونه في كثير من لوازمه الأسلوبية. ولم يكن السبب في ذلك قدرات العميد وحدها. فإن الكثيرين من معاصريه كانوا يفوقونه في التحصيل العلمي والتثقيف الذاتي. ولكن السبب يعود إلى أن طه كان يتحدث بروح تلك الفترة وكان لسانها المعبر عنها، وهي فترة غلبة المد الاوروبي، وانتصار النموذج الغربي، والنفوذ الاستعماري. فطه حسين إذن لا يتحدث بنفسه ولكن يتحدث بغيره. وكان يقف وراءه كل ما في هذه الفترة التاريخية من أصوات عالية تدعو إلى الحضارة الاوروبية. أو لنقل، بعبارة أخرى، ان طه ركب الموجة فرفعته تلك الموجة عالياً. في صورة ما، يبدو طه منتشياً بحياته العصرية التي يرضى عنها المحيطون به، بينما نجده في صورة أخرى منكسراً لأنه يمثل ذلك النموذج الذي تحاصره الحياة الاوروبية وتفرض عليه الانكماش. وقد تكرر هذا الهجوم عند طه حسين بصورة لافتة، ولم تنج منه حتى أعماله الروائية، وذكرياته في الأيام ولم يكن يقصد وجه الحقيقة، أو يقف عند حد المقتضيات الفنية في الأعمال الروائية. بل كان يستطرد ويوغل ويهاجم ويتهكم ويجرح، ولا يقف عند حد تصور الشخصية كمسمى إنساني، بل كان يهاجمها كرمز للتراث وللثقافة المتخلفة. هذه المقارنة بين مظاهر الحياة العصرية في أوروبا، ومظاهر الحياة المتخلفة في مصر، لم يكن طه حسين يقصد بها حث المصريين على اللحاق بركب الحضارة المتقدمة، بل كان يهدف إلى التجريح والايذاء والتهوين من التراث، والتهكم من الرموز والثوابت. ولم يكن الأمر كذلك في بداية النهضة عند الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي كان يقارن بين باريس ومصر بطريقة هادئة، لا تعصف بكل شيء، وتغلب عليه الروح الحانية التي ترى شيئا جميلا في الغرب، فتتمنى أن تراه في الشرق، خاصة أن تراثنا قد سبق الغرب في حضارته، وقدم للإنسانية تلك النماذج الراقية. ولكن هذه الروح الحانية قد توقفت عند طه حسين الذي تحولى إلى عاصفة تدمر كل شيء، وتسير في اتجاه هبوب الرياح، وتجد من التشجيع والترحيب ما حولها إلى نموذج تحذوه أجيال الكتاب بعد ذلك.. وقد آن الأوان لتصحيح هذه النماذج وتصويرها بطريقة موضوعية. ويبدو أن مثل هذه الروح الساخرة في كل ما هو عربي أو مصري أو اسلامي، تمكن طه حسين من نقلها الى عدد من أصدقائه منهم الشيخ علي عبدالرازق، الذين كانوا يفخرون ويشعرون بالتميز لأنهم يشاهدون باريس، ويتحدثون عنها. وتصل هذه النغمة الى مقام الغناء في باريس، ومقام الغناء يتحدث عنه الصوفية حين يتحدون بالحضرة الآلهية.