جامعة نيويورك تعرض آثاراً تاريخية من أوروبا القديمة
Dec ١٣, ٢٠٠٩ ٠٣:٢٥ UTC
قبل أن يحظى التاريخ بأمجاد اليونان وروما، وحتى قبل ظهور المدن الأولى في بلاد الرافدين أو المعابد على ضفاف النيل، عاش في وادي الدانوب الأدنى والتلال السفحية بإقليم البلقان شعب كان سابقا لزمانه في الفنون والتقنية والتجارة عبر المسافات الطويلة
قبل أن يحظى التاريخ بأمجاد اليونان وروما، وحتى قبل ظهور المدن الأولى في بلاد الرافدين أو المعابد على ضفاف النيل، عاش في وادي الدانوب الأدنى والتلال السفحية بإقليم البلقان شعب كان سابقا لزمانه في الفنون والتقنية والتجارة عبر المسافات الطويلة. على امتداد 1500 عام، بدءا من أكثر من 5000 قبل الميلاد، عمد أبناء هذا الشعب إلى تصميم وبناء مدن كبيرة، بلغت عدد المساكن ببعضها قرابة 2000 منزل. وأتقن شعب هذه المنطقة صهر النحاس بكميات ضخمة، الأمر الذي كان يعد تقنية جديدة آنذاك. وتضم قبورهم مجموعات مثيرة للانبهار من أغطية الرأس والعقود. وتضم واحدة من المقابر أكبر مجموعة من الحلي الذهبية عثر عليها على الإطلاق على مستوى العالم. وتنبئ التصميمات اللافتة للنظر للأواني الفخارية التي كانوا يستخدمونها عن رقي هذه الثقافة. حتى وقت العثور على الاكتشافات الحديثة، تمثلت أكثر المواد المصنوعة التي عثر عليها في مقابرهم إثارة للاهتمام في تماثيل صغيرة لآلهة، الأمر الذي جرى تفسيره في بادئ الأمر باعتباره مؤشرا على السلطة الروحانية والسياسية التي تمتعت بها المرأة في هذا المجتمع. من جانبهم، أشار علماء آثار ومؤرخون إلى أن أبحاثا جديدة ساعدت في توسيع نطاق تفهم هذه الثقافة التي عانت الإهمال والتجاهل لفترة طويلة. وعلى ما يبدو، فقد بلغت هذه الثقافة أعتاب مكانة الحضارة. خلال ذلك العصر، لم تكن الكتابة قد اخترعت بعد. وعليه، لا يعلم أحد ماذا كان يطلق هذا الشعب على نفسه. بالنسبة لبعض العلماء، يشكل شعب هذه المنطقة «أوروبا القديمة» فحسب. ويجري اليوم الحفاظ على ما تبقى من هذه الثقافة من براثن الإهمال والنسيان داخل معرض بعنوان «عالم أوروبا القديمة المفقود: وادي الدانوب، 5000 ـ 3500 قبل الميلاد»، داخل «معهد دراسات العالم القديم» بجامعة نيويورك. وتشارك في المعرض أكثر من 250 قطعة مصنوعة تنتمي لمتاحف في بلغاريا ومولدوفا ورومانيا، وهي المرة الأولى التي تنتقل فيها هذه القطع إلى الولايات المتحدة. ومن المقرر أن يستمر المعرض حتى 25 أبريل- نيسان القادم. من جهته، أوضح ديفيد دبليو أنتوني، أمين المتحف لشؤون الزوار، أنه في ذروتها، نحو عام 4.500 قبل الميلاد «كانت أوروبا القديمة من بين أكثر مناطق العالم تعقيدا وتقدما من الناحية التقنية»، مضيفا أنها كانت تشهد تطور «الكثير من الدلائل السياسية والتقنية والآيديولوجية للحضارة». يذكر أن الدكتور أنتوني يعمل بروفسور أنثروبولوجيا بـ«هارتويك كوليدج» في نيويورك، ومؤلف كتاب «الحصان والعجلة واللغة: كيف صاغ سكان سهول أوروآسيا في العصر البرونزي صورة العالم الحديث»، يعتقد المؤرخون أن وصول مجموعات من الأفراد إلى جنوب شرقي أوروبا قادمين من هذه السهول ربما أسهم في انهيار ثقافة أوروبا القديمة بحلول عام 3.500 قبل الميلاد. خلال النظرة العامة التمهيدية للمعرض، اعترف روجر إس باغنال، مدير المعهد، بأنه حتى الآن «لم يسمع الكثير من علماء الآثار عن مثل تلك الثقافات الخاصة بأوروبا القديمة». وأبدى دكتور باغنال، وهو عالم آثار متخصص في الحضارة المصرية القديمة، إعجابه بالآنية الخزفية الملونة، وأشار إلى أنه في ذلك الوقت «لم يكن المصريون بالتأكيد يصنعون آنية فخارية كتلك». يعد بيان المعرض، الذي نشرته مطبعة جامعة برنستون، أول خلاصة وافية باللغة الإنجليزية للأبحاث التي تناولت الاكتشافات المتعلقة بأوروبا القديمة. وقد تولى دكتور أنتوني وجينيفر واي تشي، مساعدة مدير المعهد لشؤون المعروضات، تحرير الكتاب الذي يتضمن مقالات وضعها خبراء من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة والدول التي تركزت فيها هذه الثقافة. من ناحيتها، أكدت الدكتورة تشي أن المعرض يعكس اهتمام المعهد بدراسة العلاقات بين الثقافات المعروفة و«الأخرى التي لا تحظى باهتمام مناسب». رغم أن رحلات التنقيب التي جرت على امتداد القرن الماضي عثرت على آثار تخص مستوطنات قديمة وتماثيل صغيرة لإلهة، فإن العلماء لم تساورهم الشكوك حيال أن هؤلاء الأفراد لم يكونوا مجرد شعب فقير يعيش في مجتمعات غير هيكلية تقوم على المساواة إلا في عام 1972 عندما عثر علماء الآثار على مقبرة ضخمة تعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد في فارنا ببلغاريا. وحتى في ذلك الوقت، كان البلغاريون والرومانيون عاجزين عن نشر معرفتهم في الغرب بسبب «الستار الحديدي» الذي فرضته الحرب الباردة. الآن بدأت تتضح معالم قصة هذا الشعب التي تدور حول مزارعين رواد بدأوا بعد نحو عام 6200 قبل الميلاد في الانتقال شمالا إلى داخل أوروبا من اليونان ومقدونيا، حاملين معهم بذور قمح وماشية وأغناما استأنسوها. وأقاموا مستعمرات على امتداد البحر الأسود والتلال والسهول المطلة على أنهار. وبمرور الوقت تطورت هذه المجتمعات على ثقافات بعضها على صلة ببعض، لكن لكل منها طابعا مميزا، حسبما يعتقد علماء الآثار. وأبقت المستعمرات على اتصال وثيق بينها عبر شبكة للتجارة في النحاس والذهب، علاوة على تشاركها في أنماط وتصميمات للخزف. وكانت محارة «سبونديلس» من بحر إيجا من بين المواد التي يجري الاتجار فيها. وربما كان المحار، الذي كان يجري استخدامه في صنع الحلي، يشكل رمزا لجدودهم من سكان بحر إيجا. ويعتقد بعض العلماء الآخرين أن جزءا من الدافع وراء اقتناء المحار يكمن في آيديولوجية تنظر إلى السلع ليس من منظور تجاري كما هو الحال في العصر الحديث، وإنما كعناصر «قيمة»، ترمز إلى المكانة. من جهته، أشار مايكل لويس سيفيريادز، عالم الأنثروبولوجيا لدى «المركز الوطني للأبحاث العلمية» في فرنسا، إلى انتشار مثل هذه المحارات، مما يثير لديه شكا في أن «هذه المواد كانت جزءا من هالة من مجموعة ألغاز غامضة، تضم معتقدات وأساطير». وفي مقال له نشر في بيان المعرض، كتب سيفيريادز أن انتشار المحار يوحي بأن هذه الثقافة كانت لها صلات بـ«شبكة من الطرق وإطار عمل اجتماعي لأنظمة التبادل المتطورة ـ بما في ذلك المقايضة وتبادل الهدايا والتبادل». على امتداد مساحة واسعة مما يعرف الآن ببلغاريا ورومانيا، استقر أبناء هذا الشعب في قرى تضم منازل بها غرفة واحدة وأخرى بها عدة غرف. وكانت بعض المنازل مؤلفة من طابقين، وقد بنيت أطرها من الخشب، بينما صنعت الجدران من الطمي والجص. ولسبب ما لم يعرف بعد، فضل أبناء هذه الثقافة صنع مساكن متعددة الطوابق من الصلصال المحروق. وقد بنى أبناء شعب Cucuteni، وهي ثقافة لاحقة أكثر نشاطا في شمال أوروبا القديمة، بعض المدن على مساحة تجاوزت 800 أكرا، الأمر الذي يعتبره علماء الآثار أكبر من أي مستوطنة بشرية أخرى معروفة في ذلك العصر. إلا أن بعثات التنقيب عن الآثار لم تتوصل بعد إلى أدلة قاطعة على وجود قصور أو معابد أو مبان مدنية ضخمة. وقد خلص علماء الآثار إلى أن الطقوس الخاصة بالمعتقدات جرت ممارستها، على ما يبدو، داخل المنازل، حيث تم العثور على مواد مصنوعة ذات طابع ديني. وتوحي الأواني الخزفية المنزلية التي تميزت بزخارف متنوعة وتصميمات معقدة بممارسة تقاليد متطورة لتناول الطعام داخل المنازل. وقالت الدكتورة تشي إن وجود آنية ضخمة على حوامل لغرف الطعام منها يشير إلى ثقافة تضفي طابعا اجتماعيا على عملية تقديم الطعام. في بادئ الأمر، كان من شأن غياب هياكل معمارية نخبوية دفع العلماء للاعتقاد بأن أوروبا القديمة لم تتسم سوى بمستوى ضئيل من هياكل السلطة الهرمية، أو ربما افتقرت إليها كلية. إلا أن هذا الافتراض انهار مع اكتشاف قبور في مقبرة فارنا. على مدار عقدين بعد عام 1972، عثر علماء الآثار على 310 قبور يرجع تاريخها إلى نحو 4500 قبل الميلاد. وقال الدكتور أنتوني إن هذا «يعد الدليل الأمثل على وجود طبقة اجتماعية وسياسية عليا». من ناحيته، قال فلاديمير سلاشيف، أمين متحف فارنا الإقليمي للتاريخ «إن ثراء وتنوع الهدايا الموجودة في مقابر فارنا جاء بمثابة مفاجأة» حتى لعالم الآثار البلغاري إيفان إيفانوف، الذي تولى إدارة شؤون الاكتشافات. وأضاف «تعتبر فارنا أقدم مقبرة عثر عليها حتى الآن لبشر مدفونين بصحبة حلي ذهبية». جدير بالذكر أن أكثر من 3000 قطعة ذهبية عثر عليها داخل 62 مقبرة، إلى جانب أسلحة وأدوات نحاسية، وحلي مصنوعة من محار بحر إيجا. وفي ملحوظة كتابية برفقة القطع الذهبية الخاصة بفارنا، نوه أمناء المعرض بأن «تركز مواد قيمة مستوردة من الخارج في قلة مميزة من المقابر يوحي بوجود رتب مؤسساتية أعلى داخل ذلك المجتمع». بيد أن الأمر المحير يكمن في أن النخبة داخل ذلك المجتمع لم تتمتع على ما يبدو بحياة خاصة يسودها البذخ. في هذا الصدد، كتب الدكتور أنتوني أن «الأفراد الذين تباهوا بملابس محلاة بالذهب في المناسبات العامة كانوا يعيشون على ما يبدو في منازل عادية». وأضاف الدكتور أنتوني أنه ربما كان النحاس، وليس الذهب، هو المصدر الرئيسي للنجاح الاقتصادي في أوروبا القديمة. ومع تطور نشاط صهر النحاس قرابة عام 5400 قبل الميلاد، عمد أبناء ثقافات أوروبا القديمة إلى استغلال المخزونات الوفيرة من هذا الخام في بلغاريا وكذلك المنطقة المعروفة الآن بسيبيريا وعلموا أسلوب التسخين بشدة من أجل استخلاص النحاس النقي. وتحول النحاس المصهور، الذي كان يجري استخدامه في صنع فؤوس ونصل السكين وكذلك في صناعة الحلي، إلى صادرات قيمة. وقد عثر على قطع نحاسية تنتمي إلى أوروبا القديمة في مقابر على امتداد نهر فولغا، على بعد 1200 ميل شرق بلغاريا. وقد سجل علماء الآثار أكثر من خمسة أطنان من قطع نحاسية عثر عليها بمواقع في أوروبا القديمة. وقد خصص رواق بأكمله للتماثيل الصغيرة، وهي أحد أشهر الكنوز المرتبطة بهذه الثقافة. وقد عثر على هذه التماثيل في جميع الثقافات الخاصة بأوروبا القديمة تقريبا وفي الكثير من الأطر، مثل المقابر والمنازل و«مساحات دينية» محتملة أخرى. من بين أشهر هذه التماثيل واحد مصنوع من الطمي المحروق لرجل جالس وكتفاه منحنيتان ويداه على وجهه في لحظة تأمل واضحة. حمل هذا التمثال اسم «المفكر». وقد عثر عليه بجانب تمثال صغير آخر لامرأة في مقبرة تنتمي لثقافة (Hamangia) في رومانيا. لكن التساؤل الأكبر، هل كان هذا الرجل يتأمل أم طغى عليه الحزن؟ تمثل الكثير من التماثيل نساء على نحو تجريدي، حيث تتميز التماثيل بأجساد مستطيلة وصدور ضخمة وأفخاذ عريضة. وربما تحمل هذه التماثيل دلالات تتعلق بخصوبة الأرض والبشر. وتم العثور على مجموعة مثيرة تضم 21 تمثالا صغيرا لنساء يجلسن في دائرة في موقع بقرية تنتمي لحقبة ما قبل ثقافة (Cucuteni) بشمال شرقي رومانيا. من ناحيته، قال دوغلاس دبليو بايلي، من جامعة سان فرانسيسكو، إنه «ليس من الصعب تخيل شعب أوروبا القديمة ينظمون مجموعة من التماثيل الجالسة في مجموعة أو أكثر من نشاطات المحاكاة، ربما مع وضع التماثيل الصغيرة عند أقدام أو حتى على أرجل الأخرى الأكبر الجالسة». تخيل بعض العلماء أن هذه التماثيل تمثل «مجلس الآلهة». وفي كتبها ذائعة الصيت التي نشرتها منذ ثلاثة عقود، أشارت ماريغا غيمبوتاس، عالمة الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إلى هذه التماثيل وأخرى تسمى تماثيل فينوس باعتبارها تجسد آلهة في ديانات تبجل «الإلهة الأم» التي هيمنت على معتقدات سكان أوروبا خلال عصور ما قبل التاريخ. رغم أن هذا الرأي لا يزال يحظى بتصديق البعض، فإن الكثير من العلماء يفضلون وجهات نظر أكثر تحفظا وتخلو من طابع ديني. على سبيل المثال، قال الدكتور بايلي إن أهمية هذه التماثيل لم تكمن في معتقدات دينية، وإنما «في التفهم المشترك لهوية المجموعة». ومثلما كتب بايلي في بيان المعرض، فإن التماثيل ربما ينبغي النظر إليها فقط كما تبدو، باعتبارها تجسيد مصغر للهيئة البشرية.كلمات دليلية