عقد ندوة حول "المدينة المحروقة" في مدينة زاهدان
Dec ٢٠, ٢٠٠٩ ٠٣:٥٧ UTC
ضمن نشاطات المهرجان الإقليمي الثالث للصحافة في الخليج الفارسي الذي أقيم مؤخرا في مدينة زاهدان مركز محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي ايران
ضمن نشاطات المهرجان الإقليمي الثالث للصحافة في الخليج الفارسي الذي أقيم مؤخرا في مدينة زاهدان مركز محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي ايران، عقدت ندوة إختصاصية تحت عنوان "المدينة المحروقة والتجارة البحرية عبر الخليج الفارسي" قدم خلالها الدكتور منصور سيد سجادي الخبير في مجال الآثار والمشرف على أعمال التنقيب في المدينة المحروقة تقريراً عن هذا الموقع الأثري والآثار التي تم العثور عليها خلال أعمال التنقيب. وتطرق سيد سجادي في بداية تقريره الى انواع الأقمشة والألبسة التي تم إكتشافها في هذا الموقع الأثري مشيراً الى أنه وللمرة الأولى في البلاد وفي موقع المدينة المحروقة تم اكتشاف وتوثيق انواع من الأقمشة وتصماميم الملابس يعود تاريخها الى الألف الثالث قبل الميلاد ومايقرب من خمسة آلاف عام. وقال بأن أعمال التنقيب في هذا الموقع الأثري دلت على أن المدينة المحروقة تعد كنزاً ثميناً للغاية من الأقمشة ومعدات الغزل والحياكة وأن ما تم العثور عليه فيها من الأقمشة والملابس يعد من أكبر ما تم العثور عليه من الأقمشة التي تعود لعصور ما قبل التاريخ في ايران. وأضاف قائلاً: لقد عثر في المدينة المحروقة على ملابس للرجال والنساء تختلف من حيث النسيج بما يتناسب مع مختلف فصول السنة، كما يشاهد وجود ثلاثة أنواع من النسيج في قماش واحد فضلاً عن معدات للغزل والحياكة وهو دليل على عبقرية ونبوغ وخلاقية سكان هذه الأرض في الماضي السحيق. كما عثر أيضاً على تماثيل معدنية وحجرية وطينية ترتدي عدة نماذج من الملابس. فهناك على سبيل المثال لا الحصر تمثال لإمرأة تحمل قدراً فوق رأسها وترتدي ثوباً من قطعة واحدة يصل الى ما تحت الركبة وأعلى القدم. كما أن هناك تماثيل لرجال يرتدون ملابس رجالية، ويستدل من هذه الآثار على أن الرجال كانوا يتركون القسم العلوي من أجسامهم عارياً من الملابس في الجو المعتدل وأنهم كانوا يلفون شالاً حول خصرهم. وذكر هذا الخبير في علم الآثار بأن هناك موقعا أثريا في المدينة المحروقة يسمى "دهانه غلامان" يعد من المواقع الفريدة لكون المدينة الأثرية الوحيدة من العصر الأخميني التي تتميز عن باقي مدن ذلك العصر من حيث عمارتها، كما أن هناك قلعة تسمى "قلعه كافرون" تعد من أكبر مباني العصر الأشكاني المشيدة باللبن في ايران. وأضاف المشرف على أعمال التنقيب الأثري في المدينة المحروقة ان المدينة المحروقة تعد واحدة من أكبر الرموز الثقافية والحضارية في منطقة سيستان وبلوشستان وهي أكثر شهرة من غيرها من المواقع التاريخية في هذه المنطقة وذلك بسبب مساحتها الكبيرة. وذكر بأن المدينة المحروقة تم تأسيسها قبل ما يقرب من خمسة آلاف عام، واندثرت قبل ما يقرب من 3800 عام وأنها كانت تعرضت لحريقين هائلين في الأعوام 2700 و2400 قبل الميلاد. وأوضح سيد سجادي بأن مساحة المدينة المحروقة هي 151 هكتاراً وهي كانت تعتبر من أكبر المدن الإيرانية في بداية نشأة الحياة الحضرية في بلاد فارس حيث كانت مساحة المدن خلال الألفية الثالثة أو الرابعة قبل الميلاد بين 10- 15 هكتاراً كحد أقصى. وذكر بأن هذه المدينة كانت مقسمة الى مناطق سكنية ومركزية وصناعية وأبنية تذكارية ومقبرة حيث كانت هذه المناطق على شكل تلال متتابعة وملتصقة ببعضها البعض. وكانت مساحة الدور السكنية تتراوح بين 90-150 متراً مربعاً وكان يسكن في كل بيت جيلان أو ثلاثة أجيال يعيشون تحت سقف واحد. أما بشأن مقبرة المدينة المحروقة فقال: تبلغ مساحة المقبرة 25 هكتاراً وفيها 40 قبراً تضم بين 60 -70 هيكلاً عظمياً لرفات بشرية وأن عدداً من هذه القبور التي كانت أمام بحيرة هامون قد إندثرت بسبب إرتفاع منسوب مياه البحيرة. وأوضح بأن هناك 10 أنواع من القبور فهناك قبور بسيطة، وأخرى مؤلفة من قسمين أحدهما مخصص لدفن الجثمان ومعه النذور والمواد الغذائية التي كانت تدفن معه، أما القسم الثاني فكان يبقى فارغاً، كما كانت هناك قبور على شكل أقبية تحت الأرض مخصصة للذوات والمرفهين من أفراد المجتمع كانوا يدفنون فيها بصورة جماعية. وذكر بأن هناك أنواعاً أخرى من القبور فهناك قبور مستطيلة وأخرى مربعة وهي مشيدة كلتاها باللبن، وقبور أخرى ثنائية الجدار، وأخرى دائرية وأخرى تشبه الوعاء كانت مخصصة لدفن الأطفال الرضع. كما ذكر بأن كل قبر في المدينة المحروقة هو أشبه ما يكون بمختبر كامل من وجهة نظر علماء الإثار حيث يمكن من خلال دراسة العظام وباقي محتويات كل قبر التعرف على جنس الشخص ذكر أم أنثى، وطوله ، فيما إذا كان مصاباً بمرض ما، ومهنته، وسبب وفاته، وعلاقاته الإجتماعية، ونوع تغذيته، والمعتقدات الدينية التي كان يؤمن بها، ونوع العلاقة التي كانت تربطه بالآخرين، وحتى الأسباب التي كانت دفعته للهجرة. وأوضح قائلاً أيضاً:كانت هناك أشياء متباينة في كل قبر مجموع عددها 112 شيئاً هي في الغالب عبارة عن أوان خزفية مع مواد غذائية تم من خلال دراستها التعرف على تسعة أغذية كانت سائدة في المدينة المحروقة. وذكر بأن المدينة المحروقة كانت تعد من المدن المتطورة في عصرها لما كانت تمتاز به من نظم وترتيب حيث كان فيها نظام لإيصال الماء ودفع مياه المجاري، كما كانت تمتاز بتطور علم الطب فيها الى جانب بعض الصناعات والحرف كالخراطة وصناعة أدوات الزينة حيث يزيد كل ذلك من الأهمية التاريخية لهذه المدينة. وتابع مضيفاً بالقول بأنه تم العثور في إحدى القبور على لوحة لعب جميلة جداً تشبه الشطرنج مصنوعة من خشب الأبنوس منحوت عليها ثعبان ملتف حول نفسه ليشكل حلقة، وكان معها قطع لعب ونرد ما يوحي بأنها لوحة شطرنج. كما عثر أيضاً على قالب حذاء من الخشب ومسطرة دقيقة الى حد نصف مليمتر إضافة الى قداحة وغيرها من المصنوعات التي تشير الى مدى تطور هذه المدينة في وقتها. وقال ايضاً: يبدو إن صناعة الأواني الخزفية كانت منتشرة على مدى واسع في هذه المدينة لكن هذه المصنوعات لم تكن ذات جودة عالية كانت غالبيتها بلون رمادي وتحتوي على رسوم لحيوانات مثل الماعز أو مناظر طبيعية كالأنهار. كما عثر على أنواع متباينة من التماثيل الصغيرة المصنوعة من الطين والخزف والحجر ومعدات للحياكة وحبال وأقمشة وأختام، وهذه الآثار ومثيلاتها تدل بوضوح على أن سكان المدينة المحروقة كانوا يمارسون مهنة صناعة المجوهرات والسلع الصناعية. كما عثر أيضاً على قلادات وأساور عالية الجودة مصنوعة من تركيب عدة أحجار كريمة وبألوان متباينة وقد أوضحت الدراسات التي أجريت على مثل هذه الآثار بأن سكان هذه المدينة كانوا يستعملون أحجار اللازورد والفيروز والعقيق في صناعة مجوهراتهم. وأوضح سجادي بأنه من خلال دراسة الأواني الخاصة بالطعام والتي عثر عليها في القبور تم التعرف على العديد من أنواع المواد الغذائية والحبوب الغذائية التي تقرب من 25 نوعاً منها القمح والعنب والكزبرة والفستق البري وأنواع أخرى من الفواكه والخضر. وأضاف المشرف على أعمال التنقيب في المدينة المحروقة قائلاً: يبدو أن سكان المدينة المحروقة لم يكونوا يهتمون كثيراً بالكتابة سوى أنهم كانوا يستخدمون بعض العلامات والرسوم المنقوشة على الخزف لتبادل الرسائل وهذه العلامات لا تشبه أياً من الخطوط القديمة المعروفة. وذكر بأن النص المكتوب الوحيد الذي تم العثور عليه في هذا الموقع الأثري هو عبارة عن قطعة من الطين وهي في الحقيقة عبارة عن إيصال بيع أو شراء تحمل العبارة "خمس وحدات من هذه السلعة أصبحت ملكاً لي". وأضاف سجادي قائلاً: خلال البحث في قبر يعود تاريخه الى ما قبل 5000 عام عثر أحد الآثاريين على إناء من الخزف يحمل رسماً لمعزة وشجرة، وعندما يدار هذا الإناء بسرعة يتكرر الرسم بصورة هادفة تشبه الصور المتحركة في يومنا هذا حيث تبدو المعزة وهي تتحرك صوب الشجرة. وهذا الأثر يمكن إعتباره أول رسم متحرك في العالم. وتدل الرسوم على هذا الإناء على أن الفنان الذي رسمها حاول تصميم أو رسم معزة تتحرك صوب الشجرة وتأكل أوراقها حيث نجح خبراء الآثار من خلال تقريب هذه الصور من بعضها في الحصول على نموذج لصورة متحركة ضمن إطار فيلم أمده 20 ثانية. كما أشار الدكتور سجادي الى العين الإصطناعية التي عثر عليها في المدينة المحروقة قائلاً: للمرة الأولى في العالم تم إكتشاف عين إصطناعية عمرها 4800 عام كانت مزروعة في العين اليسرى لإمرأة في حوالى الـ 28- 30 من العمر كانت مدفونة في أحد القبور في مقبرة المدينة المحروقة. ورغم مضي زمن طويل على صناعة هذه العين إلا أنها ما زالت سليمة ومحافظة على وضعها الأول وهي تحتوي على تصميم للأوعية الدموية الشعرية داخل العين مصنوعة من أوتار من الذهب يبلغ قطرها أقل من نصف مليمتر. وأوضح هذا الخبير في علم الآثار أن خبراء الآثار الغربيين كانوا على الدوام يصفون ايران بكونها ممراً يربط الشرق بالغرب وهي الأرض التي تلتقي فيها الثقافات كما كان لديهم انطباع بأن ايران لم تكن يوماً مهداً لأية حضارة، في حين أن الأدلة التي تم العثور عليها في كل من موقعي جيرفت والمدينة المحروقة أثبتت بما لا يقبل الشك خطأ فكرتهم وإنطباعهم. وقال أيضاً إن خبراء الآثار استنتجوا من كبر مساحة المدينة المحروقة، ومن الآثار التي إكتشفت فيها بأن بداية الحياة في هذه المدينة كانت متزامنة مع نشأة الحياة الحضرية في الهضبة المركزية الإيرانية وفي بلاد ما بين النهرين.كلمات دليلية