مدى تأثير الرواية الغربية في الرواية العربية
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i40923-مدى_تأثير_الرواية_الغربية_في_الرواية_العربية
إذا ما كانت الرواية الغربية قد ولدت من "ضحك الله" بحسب الروائي التشيكي الكبير ميلان كونديرا
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Jan ١١, ٢٠١٠ ٠٥:٠٩ UTC
  • مدى تأثير الرواية الغربية في الرواية العربية

إذا ما كانت الرواية الغربية قد ولدت من "ضحك الله" بحسب الروائي التشيكي الكبير ميلان كونديرا

إذا ما كانت الرواية الغربية قد ولدت من "ضحك الله" بحسب الروائي التشيكي الكبير ميلان كونديرا، فإن الرواية العربية قد ولدت من رحم هذه، بل ويمكن القول إنه لولاها، أي الرواية الغربية، ولولا تأثيراتها، لما كان للرواية العربية وجود أصلا، ولما عرفت هذا التطور الكبير في الأشكال والمضامين. ففي مطلع القرن العشرين، كانت حركة "النهضة" التي برزت أواسط القرن التاسع عشر قد بدأت تعطي أولى ثمارها الأدبية. وما عدا بعض النخب الجديدة والصاعدة، كانت الشعوب تعيش حالة أشبه بالغيبوبة. وكان وعيها بحاضرها ومستقبلها محدود للغاية ان لم يكن منعدما أصلا. أما الماضي فكان شبيها بخيمة منتصبة في الصحراء به تلوذ هذه الشعوب للاحتماء من رمضاء واقعها المرير ونسيان المظالم المسلطة عليها من قبل أنظمة فاسدة، وقوى أجنبية احتلت أراضيها وأهدرت كرامتها. ولكن حتى هذا الماضي الذي كانت تتبجح به هذه الشعوب، وبه تتغنى لم يكن واضح المعالم بالنسبة لها إذ ما كان باستطاعتها وهي في مثل تلك الحالة من الركود والغياب أن تميز عناصر القوة وعناصر الضعف فيه ولا الفترات المشرقة والفترات المعتمة التي تخللته. وفي غياب جامعات ومراكز بحث حديثة وانعدام الوسائل المعرفية المتطورة لم يكن من السهل على النخب المستنيرة، والمتأثرة بالحضارة الغربية في مجملها، استنهاض تلك الشعوب وفتح عيونها على قضايا الحاضر والمستقبل. كما لم يكن من السهل عليها أيضا ازاحة الغبار المتراكم على التراث الأدبي والفكري المتراكم على مدى قرون طويلة. لهذا السبب كانت جل الآثار العظيمة التي أبدعها كبار الشعراء والكتاب والمفكرين العرب في مختلف الحقب شبه غائبة عن الأذهان وعن الذاكرة. وكانت اللغة العربية على أسوأ حال. فهي لغة محاكاة وانتحال وليست لغة ابداع. لغة محنطة لا تعكس الواقع، ولا تعبأ به.انها لغة الجمود والانحطاط والموت والحنين المرضي. غير أن الوضع الأدبي بدأ في التحسن شيئا فشيئا عندما عادت النخب التي تكونت في الجامعات الغربية إلى أوطانها وقد تسلحت بشيء من أدوات المعارف الحديثة وتزودت باطلاع لا بأس به على مختلف الأشكال والتيارات الأدبية والفنية التي كانت سائدة في الغرب آنذاك. وجاء شغف النخب العربية بفن القص والرواية نتيجة اطلاع البعض من رموزها التي درست في الجامعات الأوروبية على هذا الفن، وأيضا نتيجة الترجمات التي انجزت والتي نقلت إلى لغة الضاد آثارا قصصية وروائية فرنسية وانجليزية وروسية. ولولا هذان الرافدان لما ظهر قصاصون وروائيون من أمثال محمود تيمور وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحيى حقي في مصر، وميخائيل نعيمة وتوفيق يوسف عواد في لبنان، ومحمود المسعدي وجماعة "تحت السور" في تونس. فمحمود تيمور مثلا حاول جاهدا في جميع القصص التي كتبها أن يكون "موبسان" المصري. وتحت تأثير الكتاب الأوروبيين الذين كتبوا سيرهم الذاتية، خصوصا ارنست رينان ألف طه حسين "الأيام" عائدا إلى سنوات طفولته وشبابه. ومفتونا بالروائيين الفرنسيين الكبار، كتب توفيق الحكيم رائعتيه "عودة الروح" و"يوميات نائب في الأرياف". وبعد أن جرّب كتابة الرواية التاريخية تحت تأثير رايدرها غارد صاحب الرواية المعروفة "هي وعائشة" والانجليزي "هوك كين" الذي اشتهر بالكتابة عن التاريخ الفرعوني اهتدى نجيب محفوظ إلى حواري القاهرة وحولها إلى مسرح للروايات التي سوف يكتبها انطلاقا من ثلاثيته الشهيرة. ولما يتم له هذا إلا بعد أن قرأ في الترجمات الانجليزي شارل ديكنز والفرنسي بالزاك والروسي دستويفسكي، وهو يقول: "عندما بدأت قراءاتي تتسع وتتعمق في الأدب الحديث قل حماسي للكتابة التاريخية بل مات الاحساس في داخلي بعد أن أدركت أن المسألة أخطر وأعمق، وأن الرواية يمكن أن يكون لها دور مؤثر في معالجة قضايا المجتمع والتعبير عن هموم الناس ومشاكلهم ومن هنا اتجهت إلى الرواية الواقعية". وأما في تونس فقد أعاد المسعدي الاعتبار لفن القص العربي القديم بعد أن اكتشف أن كبار الكتاب الغربيين متأثرون به. ومع تنامي حركة الترجمة للقصص والروايات الغربية الحديثة منها بالخصوص، واتساع اهتمام النخب العربية بها مشرقا ومغربا، بدأ فن القص والرواية يشهد تطورا ملموسا على جميع المستويات وبدأت اللغة العربية تتخلى شيئا فشيئا عن البلاغة الركيكة وعن المحسنات البلاغية واللفظية التي ورثتها عن عصور الانحطاط الطويلة لتصبح لغة حية متوثبة قادرة على التقاط نبضات الواقع ورسم تضاريسه والغوص في أعماقه. وخلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي حقق الفن القصصي والروائي قفزة هائلة. والسبب في ذلك هو أن القصاصين والروائيين العرب ازدادوا اطلاعا ومعرفة بالأساليب والتقنيات الحديثة في الغرب، وقد تم لهم ذلك بعد أن نقلت إلى لغتهم روايات كبار القصاصين والروائيين الطلائعيين في أوروبا وأمريكا من أمثال ارنست همنغواي وويليام فوكنر وجون شتاينبيك وفرجينا وولف وجيمس جويس ود.هـ.لورانس وهنري ميللر والبيركامو وآخرين. حتى نجيب محفوظ نفسه الذي ظن بعد أن أكمل "الثلاثية" أنه حقق ما كان يبتغيه شرع اثر فترة التأمل الطويلة في استخدام التقنيات الحديثة. ويبرز ذلك واضحا في جل الأعمال التي كتبها في الستينات مثل "اللص والكلاب" و"المظلة"، ولا نبالغ حين نقول ان الترجمة الرائعة التي أنجزها جبرا ابراهيم جبرا لرواية فوكنر الشهير "الصخب والعنف" أحدثت ثورة حقيقية في مجال الرواية العربية. نلمس ذلك في آثار جبرا ابراهيم جبرا نفسه، خصوصا في "البحث عن وليد مسعود" وأيضا في آثار غسان كنفاني وغادة السمان وآخرين. أما الراحل الطيب صالح فقد أبرز مهارة فائقة في مجال الاستخدام الذكي للأساليب والتقنيات الحديثة في رائعته "موسم الهجرة إلى الشمال" وفي جل ما كتب فتفوق في ذلك على الجميع. وكان لجان جينيه وكتاب ما سمي في امريكا بـ"البيتنيكيس" من أمثال جاك كيرواك تأثير هام على قصاصين وروائيين مغاربة من أمثال محمد شكري ومحمد زفزاف. وعلى مستوى المضمون كان تأثير الرواية الغربية على الرواية العربية حاسما هو أيضا. وبفضل هذا التأثير أصبح الروائيون العرب يظهرون مزيدا من الجرأة في تناول المواضيع المحرمة والمسكوت عنها، خصوصا تلك المتعلقة منها بالدين والسياسة والجنس والتقاليد السائدة. وبذلك أصبحت الرواية العربية الفن الأقرب للواقع العربي في جميع تجلياته الاجتماعية والسياسية والنفسية وغيرها. وثمة شيء آخر لابد من الإشارة إليه وهو أن القصاصين والروائيين الغربيين هم أول من لفت نظر العرب إلى القيمة العظيمة لتراثهم السردي متمثلا بالخصوص في "ألف ليلة وليلة" وفي آثار الجاحظ والتوحيدي والرحالة القدماء مثل ابن بطوطة. وقبل ذلك كان العرب يعتقدون أن تراثهم الشعري اعتمادا على تلك القولة الشهيرة "الشعر ديوان العرب" أهم بكثير من تراثهم القصصي والسردي. لذا هم لم يبذلوا الجهود الكافية لاكتشاف مميزات هذا التراث والاستفادة منه. وكان عليهم أن يقرؤوا أعمال القصاصين والروائيين الغربيين وأيضا آثار البعض من كبار كتاب امريكا اللاتينية من أمثال خورخي لويس بورخيس وغابريال غارسيا ماركيز وكارلوس فيونتاس وغيرهم لكي يستفيقوا من غفوتهم ويتبينوا أن أدبهم القصصي لا يقل قيمة وأهمية عن تراثهم الشعري. وقد نجح بعض الكتاب العرب في كتابة أعمال تستمد قوتها وتميزها من التراث القصصي القديم. وهذا ما فعله الراحل اميل حبيبي في رائعته "الوقائع الغريبة في حياة سعيد أبي النحس المتشائل" وجمال الغيطاني في "الزيني بركات" وفي البعض من أعماله الأولى الأخرى. والآن بدأ العرب يقرؤون الأعمال الروائية الواردة عليهم من أوروبا الشرقية ومن الهند والصين واليابان وافريقيا السوداء. وعلينا أن ننتظر سنوات أخرى لنتبين تأثيرات هذه الأعمال في الأدب القصصي والروائي في العالم العربي.