ندوة لتكريم المفكر الراحل روجيه غارودي في تونس
-
التعريف بمفكر كبير خدم الإسلام والقضية الفلسطينية خدمة استثنائية
عقدت في تونس ندوة فكرية مهمة حول المفكر والفيلسوف الفرنسي الراحل روجيه غارودي بعنوان "روجيه غارودي علم التاريخ والباحث عن الحقيقة".
شارك في الندوة عدد من الباحثين والمؤرخين والحقوقيين الذين دارت مداخلاتهم حول سيرة الفيلسوف الفرنسي المسلم وأفكاره المؤسسة وعلاقته بالإسلام والغرب والعرب.
وجاءت الندوة للتعريف بمفكر كبير قدم خدمات مشهودة لقضايا الأمة الإسلامية من خلال مواقفه ومؤلفاته التي فاقت الخمسين مجلداً. كتبه التي تجاوزت الخمسين، وشارك فيها المؤرخ المعروف الهادي التيمومي وأستاذ الحضارة العربية بالجامعة التونسية الدكتور فتحي القاسمي، والدكتور محسن الميلي المختص في فكر غارودي، والأستاذ علي منجور الناشط الحقوقي والكاتب المهتم بفكر الفيلسوف الفرنسي الراحل.
وقد وزعت على الحاضرين العديد من الوثائق الهامة والنادرة عن مواقف غارودي ومعاركه مع الإعلام الغربي والصهيونية.
مداخلة المؤرخ التونسي الهادي التيمومي تمحورت حول عقلانية روجيه غارودي الذي نقد الفكر الغربي نقدا ديكارتيا، وفضح الصهيونية فضحا علميا، قبل أن يلتفت إلى الإسلام الذي اعتنقه ليقدم قراءة تقدمية للإسلام.
وأكد التيمومي أن العرب والمسلمين بعد أن هللوا لمواقفه المعادية للصهيونية، خسروا في السنوات الأخيرة عقلا كبيرا ساند قضاياهم ودينهم لأنه قدم قراءة نقدية للإسلام تنزع عنه بعض ما لحق به من تأويلات غير صحيحة.
وأكد أستاذ الفلسفة الدكتور محسن الميلي أن غارودي كان يجسد فكر القرن العشرين بالكامل في كل تطوره ومراجعاته وانتكاساته وانتصاراته وانعطافاته، وأن تمسكه بالعقل كلفه ما كلفه، حتى أن فرنسا عندما أعلنت وفاته لم تجد بما تعرفه إلا بالعبارة الموحية بالطرد "مات آخر من شكك في المحرقة".
ورغم أن جميع المداخلات سلطت الضوء على المعركة الشرسة التي خاضها غارودي ضد الصهيونية العالمية، فإن الكاتب والناشط في حقوق الإنسان الدكتور علي منجور كان أكثر حرصا على التركيز على هذه النقطة بالذات، وذكر أن معركة غارودي مع الصهيونية بدأت قبل أن يصدر أي كتاب عنها كرد فعل على مقال نشره بالصحافة الفرنسية وأدى ذلك إلى محاكمته.
ولئن كسب غارودي القضية فإنه دخل بعد ذلك في معركة ضارية مع المؤسسات الفرنسية، فقاطعته كل دور النشر الفرنسية الكبرى مما دفعه إلى نشر كتبه على حسابه الخاص هناك أو التوجه إلى دور نشر لبنانية.
وربط منجور مواقف غارودي بمجزرة صبرا وشاتيلا وتوحش الصهيونية في ظل المركزية الأوروبية المساندة، واعتبر أن الكتابة عن الصهيونية عرفت مرحلتين: ما قبل كتابة غارودي وما بعدها، ومن ثم فإن غاردوي يعتبر منعرجا خطيرا في تاريخ الصهيونية وقراءتها، لأنه أعاد الأصول المؤسسة لما يعرف اليوم عند الباحثين بأصول الصهيونية، فالصهيونية لم تبدأ مع ثيودور هرتزل بل عرفت مراحلها الجنينية قبل ذلك بكثير، وهو ما كشفه غارودي وفجر بذلك قنبلته الفكرية.
وأجمع المحاضرون التونسيون أن فلسفة غاروي فلسفة راهنة ومعاصرة لأنه عاش بيننا، ولكن راهنيتها في كونها فلسفة محرضة على الفعل، وهذه سمة الفكر الحر، وأكدوا أنه نموذج الفيلسوف الملتزم المسؤول والمثقف العضوي الذي يريد أن يغير ولا يكتفي بالفهم. كما وصلت الندوة إلى التأكيد على القيمة النقدية في فكر الفيلسوف الفرنسي، فقد بدأ بنقد الذات وانتهى بنقد فهم الدين الذي اعتنقه، مرورا بنقد الفكر الغربي والدين المسيحي.