مفكر ألماني يهدم أطروحة "صدام الحضارات" لهنتنغتون
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i771-مفكر_ألماني_يهدم_أطروحة_صدام_الحضارات_لهنتنغتون
"تعايش الثقافات.. مشروع مضاد لهنتنغتون" عنوان كتاب جديد يحمل لصاحبه هارالد موللر
(last modified 2020-07-13T05:28:27+00:00 )
May ٢٦, ٢٠٠٨ ٠٠:٣٤ UTC
  • موللر: العالم يمتلك جدولاً كبيراً من النظريات الشبيهة بـ
    موللر: العالم يمتلك جدولاً كبيراً من النظريات الشبيهة بـ"نحن" ضد "هم"

"تعايش الثقافات.. مشروع مضاد لهنتنغتون" عنوان كتاب جديد يحمل لصاحبه هارالد موللر

"تعايش الثقافات.. مشروع مضاد لهنتنغتون" عنوان كتاب جديد يحمل لصاحبه هارالد موللر، أستاذ العلاقات الدولية فى جامعة فرانكفورت الألمانية وعضو فى لجنة نزع السلاح التابعة للأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس معاون لجماعة العمل من أجل السلام وحل النزاعات فى وزارة الخارجية الألمانية، وله مؤلفات كثيرة فى مواضيع تتصل بالعلاقات الدولية ومسألة التسلح النووى ورئيس مؤسسة "هيسين" الألمانية لبحوث السلام والصراع بفرانكفورت. مع مطلع الكتاب، نقرأ شهادة للمؤلف حُرِّرت خصيصا للترجمة العربية، يُقرّ فيها بأن العرب يُمَثلون أمة غنية التراث، فقد "حفظت اللغة العربية والعلماء العرب كنوز المعرفة التى حققها الإغريق والرومان فى العصور القديمة عندما كانت أوروبا تغطّ فى "عصورها المظلمة". يتعرض المؤلف فى الفصلين الأول والثانى من القسم الأول من الكتاب لقواعد نقده الأساسية لصامويل هنتنغتون، متوقفا فى الفصل الأول عند مفهومى "الثقافة" و"الحضارة"، ومتتبعا القوى التى تدفع إلى تطور الثقافات فى وقتنا الراهن، وقد خُصِّصَ القسم الثانى لفحص أسباب النزاعات العنيفة ومجرياتها فى ضوء السؤال التالي: هل وجدت تكهنات هنتنغتون تحققا لها فى الحروب الحالية؟ أما القسم الثالث، فقد اشتغل الكاتب على الأقاليم الكبرى فى السياسة الدولية: الغرب وآسيا والعالم الإسلامى وروسيا ومجالها، وكذلك أقاليم "الأطراف"، أى إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وخُصِّصَ القسم الرابع والأخير لطرح تصور- سيناريو لمسار العلاقات اللاحق بين هذه الأقاليم، مضيئا التأثيرات المحتملة لعوامل الاضطراب مثل الإرهاب والأضرار البيئية والهجرات الجماعية الكبيرة. يتجه الكتاب للتصدى لمحاولة اختزال العلاقات المعقدة فى السياسة الدولية فى نموذج "نحن ضد هم" المبسّط. ويهدف على الخصوص إلى التأكيد على أن قوى الدفع العنيفة فى الاقتصاد والسياسة والمجتمع، التى تحدد عصرنا، لا تستدعى فقط مخاطر لا جدال فيها، ولكنها تتيح أيضا الفرص لتجسير التناقضات الخطيرة بين البشر والشعوب. يوجه المؤلف انتقادات لاذعة للعديد من "النجوم الإعلاميين" الذين يوصفون عادة بأنهم "خبراء إقليميون" أو "خبراء الشرق الأوسط" أو "عارفون بالإسلام".. إلخ، ونخص بالذكر فى هذا المقام الكاتب الألمانى بيتر شول لاتور الذى سبق هنتنغتون بسنوات طويلة فى تصوره التقليدى عن الصراع الجوهرى بين الثقافة المسيحية الغربية والإسلام، "وقبله عالم المستقبليات المغربى المهدى المنجرة من خلال مؤلفه الموسوم بـ"الحرب الحضارية الأولى"" فالرجل يستعرض حماسه بوعى على شاشات التلفزة فى أوقات الأزمات. وضمن هؤلاء نجد أيضا بسام الطيبي، أستاذ السياسة والتاريخ الإسلامى المعاصر فى جامعة غوتنغن، الذى يُعدُّ من أكثر المروجين من الوسط الأكاديمى لنظرية "صراع الحضارات" فى ألمانيا، وإن برؤية إمبيريقية مُرَكبّة، حسب وصف الكاتب، فالطيبى يتمتع بحضور إعلامى قوى وخاصة فى أوقات الأحداث والأزمات الكبيرة كحرب الخليج وأحداث نيويورك، وتكفى الإشارة إلى عنوان كتابه "حرب الحضارات: السياسة والدين بين العقل والأصولية"، للدلالة على أن الطيبى يرفع شعار "صراع الحضارات" إلى الواجهة الأمامية، وهو لا يرى أن "الضغينة بين العرب والمسلمين من جهة، والعالم الغربى من جهة مقابلة، تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وتأسيس دولة إسرائيل ودعمها بلا حدود، بل إلى أسباب تاريخية أكثر عمقا، فأوروبا هى التى وقفت فى وجه التوسع "الإمبريالي" الإسلامى ووضعت حدّا له فى العصور الوسيطة، وعليه، فلا مبرر الآن لشعور بعض المثقفين فى الغرب بالذنب تجاه العرب والمسلمين". نقد نماذج تفسيرية مركبة تتمحور أطروحة موللر الأساسية فى هذا الكتاب حول حتمية اللجوء إلى قراءة مُعقّدة ومُركّبة من أجل فهم ما يجرى فى العالم اليوم، فى تقاطع واضح مع أطروحة المفكر المصرى عبد الوهاب المسيرى حول الحاجة إلى نموذج تفسيرى مركب لتفسير الظواهر الاجتماعية. والحال، يضيف موللر، أن عالمنا المعقد يقف بصرامة لا تخلو من سخرية ضد التبسيط الشديد الذى ميّز نظرية هنتنغتون، والذى يقع فيه الكثير من المفكرين والساسة الأمريكيين استجابة لحاجة جمهور عريض غير معنى أصلا بالعالم الخارجي، ولا يعنيه أن يتتبع تفاصيل كثيرة مرهقة، أو يعرف خلفيات معقدة، بل يريد توجيهات سريعة واضحة من قبيل: إننا نقف مع الخير ضد الشر، أو مع الحرية ضد القمع.. الخ، انطلاقا من مبدأ "نحن ضد هم" السهل. نحن أمام مشروع مضاد ومقنع ضد أطروحة هنتنغتون، والعمل بشهادة أحد نقاده الألمان، يقدم نقدا تمت صياغته بشكل واضح على النظرية إياها، وتحليلا للظواهر الأكثر أهمية التى قدمها هنتنغتون بوصفها أحلافا ثقافية، مثلما يقدم طرحا يحتوى على نظرة عالمية فيها كثير من التفاؤل. وبرأى مترجم الكتاب، الباحث إبراهيم أبو هشهش، فإن موللر لا يغرق القارئ فى تفنيد كتاب هنتنغتون بما فيه من وقائع وشواهد وتفصيلات لا حصر لها، بل يمضى مباشرة إلى تقديم مشروعه المضاد لرؤية هنتنغتون القاتمة، ويقدم مشروعا عالميا فيه كثير من التفاؤل المؤسس على معرفة رصينة، مدعّمة بالحجج والأسانيد، وقائمة على منهج علمى محكم، مستنتجا أن العالم ليس فى سبيله التأسيس لتحالفات حضارية تقف فى حالة صدام ومواجهة بعضها ضد بعض، وإنما سبيله المزيد من التعاون والتشابك والارتباط، وذلك اعتمادا على ثلاث ديناميات جوهرية تحول دون تشكيل مثل هذه التحالفات الصدامية، وهي: دينامية عالم الدول ودينامية عالم الاقتصاد ودينامية عالم المجتمع. لا يتم الإلمام بالتعقيد المتزايد للعالم فى هذه النظريات والنماذج، بل يجرى التقليل منه بشكل كبير لدرجة أن كثيرا من المتغيرات والعوامل الهامة ذات الأثر الحاسم فى الأحداث السياسية للعالم، يتم استبعادها من مجال النظر. وهذا أكبر عيب منهجى سقط فيه صامويل هنتنغتون. إن التبسيط البالغ يناسب حاجة جمهور متوسط إلى حقائق وتأويلات مبسّطة يمكن مضغها وهضمها تماما. وفى الولايات المتحدة بالذات، فإن الهيئة الأكاديمية، وخاصة قمتها التى تمثلها، تضع عينها دائما على سوق الكتب الأكثر مبيعا وعلى البرامج التلفزيونية، أما الأطروحات المعقدة التى تتناول بالشرح الصحيح، ولكن الصعب، التناقض والمصادفة والتنوع والمناطق الأخلاقية الملتبسة فى السياسة الدولية، فإنها ستكون عسيرة على هذا المنحى المتوسط. نقد المنظومة المانوية يرى موللر أن "النظريات السياسية المبسطة تتبع فى العادة نموذجا سهلا يمكن وصفه بأنه "علم سياسة مانوي"، والمانويون، هم أتباع أحد مذاهب العصور القديمة الأخيرة ممن يقسمون العالم إلى قطبين متقابلين، والصراع بين هذين القطبين: النور والظلام، يحدد الأحداث العالمية. وبرأى المؤلف دائما، فإن المانوية تضرب بجذورها عميقا فى الثقافة السياسية الأمريكية وفى تاريخها، حين وضع مؤسسو الولايات المتحدة وعيهم الجماعى مقابل أوروبا المفتقرة للتسامح والرجعية، والتى مزقها الاضطهاد الدينى والحروب الداخلية، باعتبار أن أمريكا هى "القدس الجديدة" فى وسط عالم من الأشرار. وبالنتيجة، أفضت هذه الإيديولوجية إلى تنامى الدور القيادى العالمى للأمريكيين الذين نظروا دائما إلى واجبهم التاريخى بأنه حماية "الخير" "الديمقراطية وحقوق الإنسان.." من "الشر". يرى موللر أن العالم يمتلك جدولا كبيرا من النظريات الشبيهة بـ"نحن" ضد "هم" أو نموذج هنتنغتون: "الغرب ضد بقية العالم"، ومن ذلك الأصولية والداروينية الاجتماعية والماركسية اللينينة والواقعية.. الخ، والتى تمارس جميعها فضيلة "التوفير" على حساب الحقيقة، إنها مبسطة ومغلوطة، وتطبيقها يبدأ ظاهريا بمبادئ مقنعة حصيفة، وينتهى بسباق التسلح والحرب والمجازر، والحال إننا لسنا بحاجة إلى مثل هذا النوع من النظريات. المثير فى ثنايا الكتاب، وبالرغم من سيادة خطاب يحوم حول نزعة "المركزية الغربية" فى شقها الأوروبى تحديدا، فإنا نطلع على صفحات وإشارات واضحة فى النقد الذاتى للعقل الثفافى الغربى عموما، ناهيك عن العقل السياسى الغربي. ونسرد ضمن هذه النماذج الصريحة فى النقد الذاتي، تأكيد موللر مثلا، على أن أُسُس الثقافة الغربية تبقى مُعَرَّضَة للخطر، ولا طريق يمر بهذا الإدراك، وعليه فإن النقد المُوَجَّهُ للغرب من قبل آسيا والعالم الإسلامى ليس ببساطة تفريغا ساخرا لتطلعات السيطرة المقنّعة، بل إنه يضع الإصبع على جرح حقيقي، بصرف النظر عن دوافعه. وطبيعي، يضيف الكاتب، أن هذا الجرح لا يمكن شفاؤه بالأصولية الدينية أو استبدادية الدولة، وكون الأزمة التى يرى النقد الإسلامى والآسيوى وجودها فى الغرب هى حقيقية، من منطلق أن المجتمعات الغربية تنزع نحو التخلى عن التكافل، وصورة الإنسان فى التنوير والمسيحية الحديثة التى يقف فى مركزها فرد موهوب ذو كرامة غير قابلة للتصرف، مهددة بالتحطم. ومنها أيضا الإقرار بأن "الثقافة الغربية ليست كاملة ولا هى خالية من الأزمات، كما أنها لم تجد الأجوبة على تحديات العصر الراهن"، أو كون "الغرب لا يمتلك الوصفة التى تجيب عن تحديات العولمة، وإن التاريخ لم يصل إلى نهايته" "فى الفصل المخصص لنقد أطروحة "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما"، أو أن "البشرية لم تعثر ـ بعدُ ـ على نقطة السكون فى النظام الغربي". وفيما يتعلق بموقعنا نحن، فيعتقد هارالد موللر أن ما نحتاجه هو "نجاح فى التحديث وهذا ما يمكن إحرازه فقط ضمن ظروفه معتدلة لأن الاستعداد متوفر لذلك. والإمكانات المتنوعة لتأويل الأسس الإسلامية تتيح الفرص لمثل هذا التحديث السياسي"، موجها رسالة إلى صناع القرار فى الغرب والعالم بأسره، تفيد بأن لهم "مصالح قوية فى هذا النجاح، وسيكون من المؤسف أن تعيق الأحكام المسبقة والأطماع الاقتصادية وأطماع السياسة، تحقيق هذه المصالح". وأول شيء يتوجب على الغرب القيام به هو "دعم تضامنى نقدى بتلك الدول التى تبذل جهودا فى تحديث المجتمعات الإسلامية، وفى غرس مبادئ من الثقافة السياسية الغربية مهما كانت غير متصفة بالكمال".