عضة الأدب من وليمة الانترنت
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i7737-عضة_الأدب_من_وليمة_الانترنت
هل حان الوقت كي نعترف أننا انفقدنا؟ كيف لا نقر بهذا.. في حمأة هذه السرعة المذهلة والمدوخة فلم يتبق لدينا شيء عدا القليل من الإمكانيات التي هي بدورها تسير نحو مستقبل غامض ومجهول
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Oct ١٣, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
  • عضة الأدب من وليمة الانترنت

هل حان الوقت كي نعترف أننا انفقدنا؟ كيف لا نقر بهذا.. في حمأة هذه السرعة المذهلة والمدوخة فلم يتبق لدينا شيء عدا القليل من الإمكانيات التي هي بدورها تسير نحو مستقبل غامض ومجهول

هل حان الوقت كي نعترف أننا انفقدنا؟ كيف لا نقر بهذا.. في حمأة هذه السرعة المذهلة والمدوخة فلم يتبق لدينا شيء عدا القليل من الإمكانيات التي هي بدورها تسير نحو مستقبل غامض ومجهول. إن هذا التحول المعلوماتي لهو في حجم التحول التاريخي لاكتشاف غوتنبيرغ، وكما نعلم فإن الوسائط التقليدية التي أسهمت كثيرا في تداول المعرفة والعلم (الصحافة، المسلسلات، كتاب الجيب) لم تكن لها نفس الرجة التي أحدثها زلزال الانترنت الذي يحاصرنا اليوم من كل جانب. وأخيرا علينا أن نقر بأنه ليس لدينا خيار آخر فالمعطيات الواضحة التي تختزل هذه الظاهرة الكونية نجهلها غير أن ما هو أخطر هو أن نبقى خارج السياق ولا نقبل بهذا الزلزال النتي. هناك العديد من المجالات التي اقتحمت هذه المغامرة الغامضة، خصوصا في ميدان العلوم، فحتى الموسيقيين هم كذلك انخرطوا في هذه الطفرة المعلوماتية. وقد بات من الواجب علينا إذن واقتداء بهم أن نبحث عن حظنا في هذه الوليمة النتية. لا مراء في أن الكتاب سيبقى منتوجا لما تزل المعلوميات تحلم باستثماره.. في بساطته .. في مادته .. في علاقته بالذاكرة: (كيف يمكننا تفريغ جملة في صفحة.. صفحة في حجم كتاب .. وكتاب في حجم رفوفنا وسرادقات مكتباتنا)، هذا الحلم الرائع ونحن تحت سقف ظليل في صالون جديد داخل المكتبة .. ومهما يكن فإن ثورة المعلومات لن تجعل على كل حال من الكتاب منتوجا انتهت مدة صلاحيته. قد يبدو الآن للبعض أن الورق الرقمي غير مقنع.. وأن وسائل القراءة الرقمية أقل جمالية من كتاب باذخ، لكننا بعد كل شهر أو شهرين تقريبا نلمح ونلاحظ هذا التقدم المذهل للورق الرقمي المطواع والقادر بسحره على تخزين قاموس أونص أوجريدة يومية. وهذه الآلة العجيبة (Disque dur)، هذا الصندوق الأسطواني ذي الرفوف الثلاثة الذي يمكننا من الإبحار الغريب بين الكتب والصفحات الإلكترونية. لقد تجاوزنا الكتابة على سند مسطح وأعدنا اكتشاف اللفافة من جديد، فهذه الأحلام والأشكال التي تذهلنا قد تضمنها الأدب من قبل بكل تأكيد، ليس عند بورجيس فحسب حيث المكتبة الرائعة ذات التوليفة المنتظمة لكن أيضا في "كتاب الرمل" حيث الصفحة متجددة باستمرار وقابلة كذلك للمحو، وهذه الكويرات السبعة عشر في الأبجدية العبرية (Alef) حيث بإمكاننا أن نرى من خلالها العالم كله. إن مفهوم الصفحة سابق على اختراع الكتابة: الورق الرقمي سواء تخلص من الشاشة أم لا فبإمكانه أن يعلمنا القراءة، إلا أن الاحتفاظ بالنص وإيداع حمولته وكل ما يعلمنا مراكمة الحكمة عن طريق النص والإنتقال من وضع إلى وضع آخر بشكل فجائي، فالكتاب لم يكونوا مستعدين ومهيئين له بما فيه الكفاية. وما يقلقنا اليوم هو مستقبل تاريخنا الفكري المرتهن في قلب مئات الآلاف من الكتب القديمة والحديثة .. وما يرعبنا هو مصيرنا نحن الذين تشكلت هوياتنا من مضامين ومتون هذه الكتب. لنتخيل أن كل هذا الصرح تهدم وتبخر بمعنى أوضح أننا وبشكل أوتوماتيكي تهدمنا وتبخرنا معه، وكل المؤشرات في الأفق تلمح لما هو أسوء... وما يرعبنا أخيرا هو هذا الخطر الذي يحدق بالكتاب، لا مراء أن القراءة فعل انفرادي وهي أيضا فعل التقاء الذات بذاتها بعيدا عن العالم من حولها، غير أن السبيل إلى هذا الإلتقاء بالذات يتطلب سلسلة من العمليات تتجلى في: النشر، الإختيار، التصحيح، الطباعة، فضاء المكتبة...إلخ. فكم من الكتب الهامة لم يكن بوسعنا قراءتها لولا مساعدة الكتبيين؟ وكم من الكتب المدهشة اكتشفناها على رفوف مكتباتهم؟ وكم من الكتب وضعوها بين أيدي مؤلفين ... كيف أمكن مثلا لعملي الأدبي أن يشق طريقه له لولا تدخل الكتبيين؟ إن هذا التقاطع والتلاقي الفكري والاهتمام بالأعمال الأدبية هو بالضبط ما جعلني منذ عشرين سنة أنشر كتبي وعلينا ألا ننسى أنه في غالب الأحيان كل هذا الفعل القراءاتي ينطلق من فضاء الكتبي. إن كل تفكير في إسترخاص أوإهمال هذه السلسلة المطبعية المعقدة هو في الوقت نفسه تنازل إن طوعا أو كرها لما سوف يغمرنا من سرعة وقوة اتفاقنا جميعا على كون الكتاب هو في النهاية منتوج كباقي المنتوجات الإستهلاكية. من بين تناقضات عالم النت أننا ونحن في البيت يسهل علينا مثلا معرفة ساعة وصول القطار، أو رقم هاتف طبيب أخصائي، يكفينا فقط أن يكون جهاز الكومبيوتر موصلا بالكهرباء والصبيب النتي كما يمكننا أن نطلع على أخبار العالم كله ونقرأ المقالات على صفحات الجرائد الإلكترونية.. فقد صار زمن النت في ظرف وجيز زمنا عائليا، بيتيا بامتياز ليس على حساب زمن القراءة في شكلها التقليدي فحسب بل زمنا مستقطعا من زمننا الإجتماعي الحميمي ككل. علينا أن نلغي كلمة إبحار( surfer ) من قاموسنا اليومي، إن ما نبحث عنه في كوسموس النت هوعالمنا الصغير والضئيل الذي نشيده بأيدينا. وإذا كان فضاء المكتبة صدى لما يعتمل في المدينة ومكانا للمستجدات المطبعية والإختيارات والاقتراحات حتى، فإنه في كل الأحوال لن يبخس من أهمية تلقينا وتلقيننا بواسطة اللغة والحضور الفيزيقي في الفضاءات الخاصة بها، والنت هو بدوره يعتبررابطا ضافيا فإذا ما اقتنيت إصدارا جديدا فلأنني قد تلقيت خبر توزيعه عن طريق ايميل وارد من مكتبتي المفضلة. إن الخطأ إذن يكمن في حديثنا عن كوسموس النت بمعزل عن سياقاته أو باعتباره مسؤولا عن كل هذه الإنهيارات الحالية أوالقادمة. إن كل هذا الوضع الثابت والمستقر منذ أمد طويل يعود أساسا إلى التركيز الصناعي وإلى نهم تجار الأسلحة الإعلامية الفتاكة بله إلى التغييب الممنهج للثقافة والأفكار كقيم حضارية. والكتاب باعتباره تجزية للوقت قد يبدو من الوجهة الاقتصادية غير ذي جدوى ومع هذا فإن أقل حصة ربح مازال يكسبها في الوقت الحاضر هي أيضا يتهددها الزوال في المستقبل. لايوجد اليوم كاتب أو مجلة أو ناشر مستقل يمكنه أن يتظاهر بمظهر الطمأنينة ويثبت على أن المشهد المطبعي وسوق الكتاب مستقر وغير مهدد بخطر ما. إن تناقض النت هو في عدم قبوله بفكرة أن الكتاب هو قدر الكتابة الوحيد إلا أنه في جانب آخر يقدم لنا خطابا حقيقيا بكوننا نمرر جملا ما على شاشته الفضية، وهذه وسيلة كافية لجعل اللغة مهيمنة على العالم ولذا فالنت ليس ثورة لذاته: إن الشعر الذي تم إقصاؤه إقتصاديا من مشهد الإصدارات والنشر قد عرف كيف يشيد فضاءاته للتبادل حيث القراءات والإنشاد تغلبا بشكل أوبآخرعلى هذا الإقصاء. بؤس اللغة هو ما يشغل كليا عالم النت ومجموع الأفكار التي تروج في العديد من المدونات (Blogs) لن ينافس ما هو مخطوط مثلا على ثلاثين صفحة من كتاب (دولوز) أو( ديريدا) لكن أن يكون موقع دولوز من بين أقدم المواقع الإفتراضية للغة الفرنسية فليس ضربة حظ أن يبقى فعالا، لذا علينا أن نستغل الفضاء الاجتماعي الذي فتحه النت بواسطة اللغة وعلينا العمل أخيرا على جعله نشيطا ومفيدا وإلا فسيكون مدمرا. ومن الأشياء التي تقلقني هو هذا الرقم الصغير للكتاب المبحرين في عالم النت والذين يتوفرون على عنوان (ايميل) ويتحفزون للرد على أبسط جملة تعنيهم على شاشة الحاسوب. هناك في عالم النت حيث العلماء والموسيقيون والفنانون إستطاعوا إمتلاك وسائلهم العملية تدريجيا منذ مدة طويلة بينما بقي الكتاب مكتفين بالمعطيات الثابتة، المقترحة في موقع الناشر كما لو أن أيديهم ستتسخ أو أن كلماتهم ستهزل إذا ما هم أطلقوها في فضاء الشبكة النتية. والكتاب يعتبرون أن النت وسيلة ضافية وزائدة على المجال السمعي-البصري بينما أن العلاقة بين الشاشة والشبكة النتية قد تقوي حضورهم الفعلي في العالم وفي الطريق التي بموجبها تنتظم علاقات المجموعات. يطالبنا البعض بإطلاق كتاباتنا على الشبكة النتية والاشتغال في حقولها مثلما نشتغل على كتاب ما ويطالبوننا كذلك أن ننقد هذه الكتابات من منطق السوق، وهذا تناقض صارخ لأن الدينامية والتبادل التجاري هو ما تقوم عملية النشر ويساهم في القيمة الرمزية للنص. وعلينا أن نبحث عن نفس سبل المتطلبات والتكامل التي توفرها شبكة النت ونفس السبل الاقتصادية للنشر على المواقع النتية عدا إكتفائها ببعض الوصلات الإشهارية التي يقترحها مروجوا الكتب على المواقع والتي كنت دائما لا أوافق عليها. الكتابة على النت تثير أيضا تناقضات أخرى: فالنت يشتغل على مبدأ التجدد المستمر بينما الكتابة تتطلب بعضا من الوقت وتشتغل من جهتها بمبدأ استمرارية النص ولنسق هنا على سبيل المثال "أزهارالألم" (Les fleurs de mal) فقد كتبت على مدى عشرين سنة وخلال هذه العشرين سنة كان بودلير حاضرا دائما. بشعره وترجماته.. إن كل كتابات بودلير لا تنتظم بطريقة مختلفة عما نراكمه على القرص الصلب (Disque dur) بخطاطات متشابهة وبالطريقة التي تمكن موقعا ما من مواكبة أعمالنا أولا بأول، إن الفرق فقط هو في جانب النشر فقط. أجل لقد انفقدنا وبتنا نشعر بالقلق، فعالم النشر بات كبناية آجورية نرجها ونزلزلها بأيدينا ومن تلقاء أنفسنا وسوق النشر وإنتاج الكتاب يتضاعف تلويثه من عام لآخر واليوم وكما نلاحظ يجب التسديد نقدا كل أسبوع كيما تجد كتبنا مكانا لها في أكشاك محطات القطارات. وكل ما يتعلق بالقراءة الورقية بات يدور في دوامة خطيرة.. كما أن نفس الخطر بات يتهدد أيضا الصحافة، فهل يعود هذا إلى اجتياح النت؟ أعتقد أن النت بريء وغير مسؤول عن ذلك، إن الفكر النقدي هو الذي فقد دوره في المجتمع بما يشوب هذا المجتمع من فردانية مغرقة ورغبة طاغية في بيع كل شيء وأشياء أخرى تأتي كلها في المقدمة قبل التفكير في حمولات الكتب من محتويات وأفكار ومعرفة هامة. وأؤكد مرة أخرى أن عالم النت شفاف وهو لا محالة سيضفي مسحة رائعة على علاقاتنا المعقدة بالواقع، إنها مسحة شفافة ستسهم بلا شك في تغيير علاقاتنا بالزمن والفضاء واصطداماتنا الفجائية بالواقع غي رأن الكتابة على صفحة الحاسوب بالرغم من جدتها فهي لن تستطيع أن تسكت صيحة النشوة عند رابلي سنة 1532. الواقع يتصدع، الأسئلة المرتبطة بعالم الكتب وبالمعلومة (L’information) التي باتت تعوض الحكمة والمعرفة، بالمال الذي أصبح عقيدة، بالديانات في عماها والعميان الذين يشعلون الحروب، فالنت مرتبط بكل هذا لأنه يشبه عيوننا وأيدينا ولهذا بتنا نخاف على المستقبل أكثر مما نخاف على الماضي. لقد بتنا نخشى ونقلق لأننا نعشق الكتاب كثيرا، نعشقه من أجل تمزيق سترة اللغة والذهاب عراة في الطقس البارد وفي الليل.. إننا لا نرغب في أن نترك خلفنا كافكا ومونتاني وديريدا وسانسيمون وميشو وسيلين: إنهم جميعهم يجعلوننا نقدر أنفسنا والخيار الوحيد لدينا هو إنخراط الأدباء في عالم النت. وأقول: أدخلوا إلى غوغل وستستمعون إلى بيير غونيو يتحدث عن الأدب، هذا الكاتب الذي لم يكن يتوفر يوما ما على عنوان (ايميل) وعلينا أن نعمل على جعل النت في خدمتنا.. لنجعله نتا يطمح كي يصير ممتعا مثل عالم الكتب. ودعونا نفكر قليلا في "داني هارمس" أو "ماد ليستام" هذا الكاتب الذي أغتيل سنة 1942 في ذروة هيجان الستالينية حيث تمكن أحد أصدقائه من إنقاد مخطوطته التي لم تنشر إلا سنة 1970 باللغة الأنجليزية ثم بالألمانية، فلو لم يتم طبع هذه المخطوطة لما كان ماد ليستام من بين أشهرالأدباء الروس المعاصرين.. فالنت بالنسبة لي هو هذه الحقيبة التي هربها صديق ماد يلستام، إنها الإمكانية التي يمكن للأدب أن يعض عليها لأن العالم الذي نصنعه كثيرا ما لا يوافقنا ولقد أوشكنا أن نحرم مما تبقى من الإرث الفكري. أخيرا فهل هناك من داعي للقلق؟ لو فتحنا أعيننا جيدا وسهرنا الليالي نفكر ونتأمل فيما تمنحه لنا شاشة الكومبيوتر، فلنرتبط ولنتعلق بكل ما يمكن أن ينقد الناشر أو الكتبي وعلينا من جهة أخرى أن نطعم عالم النت بما يفيد القراء والمبحرين وألا نتركه عرضة لأيدي المخربين في العالم أجمع.