الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي شاهد في مبنى الأمم المتحدة
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i7741-الشاعر_الإيراني_سعدي_الشيرازي_شاهد_في_مبنى_الأمم_المتحدة
بعد ان اعترفت بتاريخه المتآلق الامم المتحدة وحددت له يوما عالميا لتكريمه الشاعر الايراني الكبير سعدي الشيرازي يعود للتآلق من جديد
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Oct ١٣, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
  • الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي شاهد في مبنى الأمم المتحدة

بعد ان اعترفت بتاريخه المتآلق الامم المتحدة وحددت له يوما عالميا لتكريمه الشاعر الايراني الكبير سعدي الشيرازي يعود للتآلق من جديد

بعد ان اعترفت بتاريخه المتآلق الامم المتحدة وحددت له يوما عالميا لتكريمه الشاعر الايراني الكبير سعدي الشيرازي يعود للتآلق من جديد. ولد سعدي الشيرازي سنة ۱۲۱۹م في أسرة إيرانية علمية، انتقل إلى بغداد حيث المدرسة النظامية مركز المعرفة في ذلك الوقت، وبعد أن أكمل تعليمه قضى حوالى ثلاثين عاماً في الأسفار شرقا وغربا، ومثل الكثير من رجال عصره نهل من مدرسة الإمام عبد القادر الجيلاني، الأمر الذي أسبغ على أعماله روحا انسانية متسامحة في عصر طبعه انكسار المسلمين أمام المغول وسقوط بغداد عاصمة الخلافة وتراجع دور المجتمع والعلماء، وكانت في النهاية الخانقاه «الزاوية الصوفية» بمثابة تلك المشكاة التي حاولت أن تحضن كيان رجل سطع في سماء الوئام الانساني إلى أن دعاه الباري عز وجل حوالى ۱۲۹۴م.يعد سعدي إلى جانب مولانا والفردوسي وحافظ، أحد أعمدة الثقافة الإيرانية المتميزين، إذ يعتبر أب النثر الفارسي ومن أرباب الحكمة وشعر الغزل العذري. وحين اكتشفه المستشرقون اعتبروه معلما انسانيا في الحكمة والعرفان، فنقل أندرية دوريه بعضا من نتاجه الى الفرنسية. وكذلك فعل فريديش اكسن باخ وآدم أولثاريوس الى الألمانية، وكتب عنه الفيلسوف الفرنسي ديدرو واقتبس منه هوغو ولافونتين، وأشاد به الشاعر الأمريكي امرسن بينما وضع الفيلسوف الأمريكي الكت آثاره إلى جانب أعمال سقراط وأفلاطون ودانتي وشكسبير وملتون. وشبهه الشاعر بايرون بالشاعر الغنائي الروماني كاتولوس وتأثر به غوته، في المقابل ظل سعدي الشيرازي إلى اليوم غريبا بين المثقفين العرب. ويمكن النظر إلى حياة سعدي الشيرازي من ثلاث زوايا: زاوية الرحلة فهو رحالة بامتياز استغرقت رحلاته ثلاثة عقود من عمره، فمكنه سيره في الآفاق من الاطلاع على خفايا وأسرار النفس البشرية، وأهلته تلك الرحلات من النظر في خصائص المجتمع الانساني وتجارب الدول والحكومات، لقد شارك في الجهاد ضد الروم ثم زار آسيا الصغرى وورد ذكر عدة مناطق في كتبه منها الشام وفلسطين والجزيرة العربية ومصر والمغرب والحبشة وآسيا الوسطى والهند، مما دفع الباحثين إلى تقصي رحلاته ومناقشتها وأبرزهم في ذلك المستشرق هنري ماسيه في رسالته المعروفة عن سعدي بينما يقرنه الكثيرون بابن بطوطة و ناصرخسرو. زاوية الجمال يعرف سعدي الشيرازي بشاعر الجمال والرقة، فقد نجح بتفوق عجيب في تقريب قارئه من الأشياء الجميلة دون عناء وتكلف، لذلك عرف تراثه بالسهل الممتنع، سهل عندما تباشره وتتأثر به لكنك تجده صعبا عندما تحاول تقييمه أو سبر أغوره. شعره وقصصه وأمثاله تفرض عليك دائما التوقف معها من أجل برهة للتأمل، فالرجل مزج في مكتوباته بين الحكمة والفضيلة والمتعة. مزج يجعلك تعيش المعرفة في أجواء ممتعة. زاوية التربية والاصلاح تغلب على أعمال سعدي مسحة إصلاحية حكيمة تريد أن تأخذ بيد المخاطب في رفق، ترشده إلى مكامن الشر في نفسه، تجلي له سبل الترقي المعنوي وتحفزه من اجل اكتساب العدل والفضيلة. لذلك تلقف الغرب خاصة ابان نهضته الكثير من آرائه ونظراته التربوية واشتغل عليها. وقد واجه بصلابة انحرافات المجتمع خاصة الأمراء والفقهاء الذين فضح نفاقهم قائلا: إن التدروشَ لا يهدي إلى التقوى إن المرائين في أثوابهم نفر بكلّ آنٍ لهم في ما اشتهوا فتوى فافتحْ لنا سُبلَ التوحيد وامضِ بها عسى نُحطم أصناماً هي البلوى أما الملوك فقد خصص لهم سعدي الشيرازي جانبا مهما من جهده الاصلاحي يدلهم على وسائل متعددة لتدبير ملك حكيم ورحيم، ويحذرهم باستمرار من الوقوع في فخ الظلم وهاوية الغفلة وبطانة السوء. فوضع مجموعة من القواعد والحكم في هذا الباب، نختار منها مايلي: * ابدأ اولا بنصح القريب بعد ذلك انصح البعيد، وليس هناك اقرب من نفسك اليك، فإن لم تعمل بما تقوله فلا تنتظر أن يتأثر غيرك بكلامك. * الرعية كالشجرة، إذا رعيتها جنيت ثمارها فلا تقتلع جذورها وثمارها بغير رحمة فان الجاهل يوقع الأذى بنفسه، والرعية كالجذر والسلطان كالشجر والشجرة يا بني! تأخذ قوتها من الجذر فلا تجرح - ما استطعت - قلوب رعيتك. * على الحاكم ألا يظلم علماء مملكته، حتى لا يضطر عند هجوم أعداء الخارج إلى مواجهة أعداء الداخل. * لا يمكن حفظ الدين الا بالعلم ولا يمكن حفظ الملك الابالحلم. * من خصائص المال أنه يبدل الأعداء إلى أصدقاء لكن حفظه يؤدي إلى تحويل الأصدقاء إلى أعداء. * الحاكم حين يظلم تجار مملكته يغلق أبواب الخير عن بلاده وحكمه. * في حياتك اجتهد في العمل الصالح، فعند الموت يستوي الملك والمسكين، ألا ترى أنك إذا فتحت قبري الملك والحارس لن تجد هناك فرقا يذكر. * لا تنتظر معرفة عيوبك من أصدقائك، بل انصت إلى ما يقوله عنك أعداؤك. * لا يمكن أن تفرق الأعداء المتفرقين إلا إذا صادقت بعضهم. كما أن سعدي الحكيم بث الكثير من الحكم وعبارات التوجيه والارشاد في الأفق الإنساني، يقول في إحداها: «شيئان يقودان الحكيم إلى الخطأ: البقاء صامتا حينما يكون الكلام واجبا، والتكلم حينما يلزمه الصمت»، أما الأبيات الشعرية التي ترجمت إلى الكثير من لغات العالم وقدمت الرجل إلى أهل الدنيا باعتباره مبشرا بأرقى معاني التآلف الانساني، فهي تلك التي فيها يرى الناس رغم كل اختلافاتهم جسدا واحدا يعودون في أصلهم إلى شئ واحد، إنها الأبيات التي اختارتها الانسانية المعاصرة شاهدا على جدران مقر الأمم المتحدة هناك في نيويورك، حيث يصدح الصوت الشيرازي الرفيق: أبناء آدم بعضهم من بعض في أصل خلقهم من جوهر واحد فإن أصاب الدهر أحد الأعضاء بألم استجابت له باقي الأعضاء بالإضطراب فإذا كنت لاتبالي بمحن الآخرين فأنت لا تستحق أن تسمى آدميا واضح أننا لن نستطيع نقل جمالية هذه المضامين مهما حاولنا لأن طبيعة اللغة الشاعرة تأبى ذلك، كما أن سعدي في هذه الأبيات كان تلميذا للبيان النبوي الكريم حين اقتبس من كلام المصطفى عليه وآله السلام الذي يقول فيه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». تفاعل سعدي مع حوادث زمانه بتلقائية وصدق، من إحدى قصائده العربية التي رثا فيها الخليفة العباسي المعتصم ومصاب بغداد ننقل هذين البيتين: حبست بجفني المدامع لا تجري فلما طغى الماء استطال على السكر نسيم صبا بغداد بعد خرابها تمنيت لو كانت تمر على قبري تكلم المهتمون بسعدي كثيرا حول اتجاهه الغزلي، إذ زاوج بين الغزلي العذري وأحيانا الصوفي، من غزلياته ننقل هذه الأبيات: ياملوك الجمال رفقا بأسرى ياصحاة ارحموا تقلب سكرى قد غلبتم روائح المسك طيبا وقهرتم محاسن الورد نشرا كنسيم النعيم حيث حللتم حل بالواردين روح وبشرى سعدي رجل تائب لايكاد في كل أشعاره يؤكد هذه الحقيقة، فتراه يعود إلى ربه منشدا تراتيل الإياب، فهو شاعر واعظ بامتياز، يقول: رب اعف عني وهب لي مابكيت أسى لإني على فرط ايام مضت آس مر الصبا عبثا وابيضت ناصيتي شيبا، فحتى متى يسود كراسي يالهف عصر شباب مر لاهية لالهو بعد اشتعال الشيب في راسي استطاع سعدي الشيرازي أن يقدم للإنسانية الجمال مقرونا بالفضيلة والحكمة، في نفس إنساني جامع ورحيم يتسربل بالبساطة، أي المتعة العالمة الجذابة، إنه التعالي الذي أصاب الغرب بالحيرة والدهشة وجعله ينطلق من تلك المفردات البانية والرصينة نحو مشروعه الذي نراه اليوم، والعجيب في الأمر أننا نعرف عن لمارتين وديدرو ولافونتين و عن باقي رموز الحضارة الغربية، لكن الكثير منا لايعرف عن سعدي الشيرازي خريج نظامية بغداد، وهم يعرفونه لأنهم تتلمذوا على آرائه ونظراته وتأثروا بأعماله، إن هذه الحالة المعرفية المؤسفة التي نعيشها ليست إلا واحدة من نتائج ذلك الاعتقاد الخاطئ الذي يؤرخ للحضارة الإنسانية ابتداء من عصر النهضة الأوربي ثم لايلبث أن يضع لها نقطة نهاية يسميها الحداثة ومابعد الحداثة! من المؤكد أن الوقوف مع سعدي الشيرازي لايعني فقط استحضار سيرة شخص متفرد، بقدرما هو فرصة لتأمل موقف صادق ورفيق جاءنا شاهدا من عمق حوالي ثمانية قرون، جاءنا داعيا إلى المحبة والحكمة والتآخي، فهل ستنصت الأمم اليوم لهذا الداعي الكريم، لا سيما أنها اختارت كلامه حجة، فجعلته ينشد لها كل صباح نشيد: «أبناء آدم بعضهم من بعض...»، أم أن هدير الحروب وغبار المعارك سيحجب ربيع الحب وضوء السلام.