قراءة في الخصوصية المنهجية لكتاب "كليلة ودمنة"
May ٢٢, ٢٠٠٨ ٢٣:٥٢ UTC
-
ابن المقفع كان أكثر الناس في عصره التزاماً بمنهج القرآن الکریم في تدعيم ثقافة العقل
"من سار إلى غير غاية توشك أن تنقطع به مطيّته" (ابن المقفّع). هذه الأسطر تبيّن لنا مظاهر المنهجيّة فى كتاب "كليلة ودمنة"
"من سار إلى غير غاية توشك أن تنقطع به مطيّته" (ابن المقفّع). هذه الأسطر تبيّن لنا مظاهر المنهجيّة فى كتاب "كليلة ودمنة". ذلك أننا نعتقد أن الدراسات التى عُنِيت بهذا الأثر لم تغادر الخصائص التفصيلية فيه إلاّ وبيّنتها وبرهنت عليها. فأكّد الدارسون أن ابن المقفّع كان من المبدعين ذوى الأثر البارز ليس فى تاريخ العرب الأدبيّ فحسب وإنّما أيضا فى تاريخ الآداب العالميّة. وفى هذا الصدد لا نرى أنّ هناك ما يمكن أن نضيف إلى ما قيل حول الرجل والأثر. على أنّ لنا ملاحظات ننظر خلالها إلى هذا الكتاب من حيث هو أثر منهجي. وفى ذلك نحاول الاجابة عن سؤال ما فتئ يلحّ على النقّاد ومؤرّخى الأدب وعلى القرّاء أيضا: ما الذى يهيّء هذا الأثر أو ذاك ليكون من الآثار الإنسانيّة الخالدة؟ ولعلّ "كليلة ودمنة" من هذه الآثار. ونزعم أن هذه خصوصية فى ما نقدّمه من قراءة. ونعنى البحث فى سرّ خلود هذا الأثر. والأثر المنهجي هو الأثر الفني الذى يحقق الوظيفة المنهجية. وهى الوظيفة التى ترتبط بفكرة محرّكة فى اتّجاه ما يقوله المبدع "بعمله الفنّيّ" وليس فيه. وتكون هذه الفكرة منهجيّة إذا أثارت العلاقة بين قضايا جزئيّة متفرّقة فى الواقع من جهة والسبيل إلى تجاوزها لخلق واقع بديل من جهة أخرى. غير أنّنا نبادر بالإشارة إلى أنّ موضوع تصنيف الآثار الأدبيّة والأعمال الفنّيّة عامّة أوسع من إطار هذه الأسطر التى أردناها مقاربة لنموذج ممّا نرى أنّه آثار منهجيّة. وليست خاصّيّة المنهجيّة التى نعنيها فى كليلة ودمنة مرتبطة فحسب بالمعنى المتداول عند النظر فى الأثر من حيث محتواه المعرفي القائم على العقل وما ينتج عن ذلك من التزامات عمليّة سلوكيّة سياسيّة وأخلاقيّة. والثابت أنّ قضايا المضمون فى الكتاب يمكن إرجاعها إلى ثلاث أساسيّة: قضيّة المنهج العقليّ أى المعرفة العقليّة؛ قضيّة السياسة فى أبعادها الداخليّة والخارجيّة؛ قضيّة الأخلاق فى بعدها الجماعيّ وبعدها الفرديّ واندراج هذا فى إطار ذاك. وتخدم هذه المسائل التفصيليّة قضيّة محوريّة فى رأينا هى السعادة: ما هي؟ وكيف تُدرَك؟ فجلي أن العقل موضوع مركز فى كليلة ودمنة. والحق أن ابن المقفّع لا يرى العقل بمفهومه المجرّد الأداة الوحيدة لإدراك الحقيقة بل ينبغى أن يكون متكاملا مع الحواسّ ناقلة التجربة الواقعيّة إلى الْمُعَالِج العقليّ. ولعلّ من أبرز الأدلّة على هذا التصوّر مَثَلَ "الثعلب والطبل"، ذلك "المثل المنهج" الذى ساقه ابن المقفّع على لسان دمنة لينقد المعرفة الظنّيّة عند الأسد ويؤسّس معرفة منهجيّة تنطلق من الحواسّ ولا تقف عندها. ففى ذاك المثل يبدوالثعلب رمز الدهاء والمكر واقعا تحت سلطة الحواسّ. فقد "سمع" و"رأى" "الملاحظة" وقفز إلى حكم "افتراض" دون معالجة عقليّة كانت ضروريّة لتعلّمه أنّ الحواسّ قد تخدعنا قائلا عن الطبل "إنّ هذا لخليق بكثرة الشحم واللحم". ولكن المرحلة الثالثة من مراحل هذا المنهج العقلي التجريبي هى التى كانت فيصلا للوصول إلى الاستنتاج الأسلم وهوضرورة "تَنْسِيبِ" كلّ المعارف. وقد صاغ الكاتب ذلك فى شكل لغويّ معبّر عن النسبيّة اللغويّة والنسبيّة المضمونيّة "لعلّ أفشل الأشياء أعظمها جثّة وأعظمها صوتا". وليس هذا العقل أداة إدراك فحسب وإنّما هو المنهج بقواعده المعرفيّة والسلوكيّة السياسيّة والأخلاقيّة. ويظهر ذلك من خلال توزيع الأدوار على الشخصيّات فى الأمثال. فالشخصيّات "المنهجيّة" هى الناجحة فى سلوكها السياسيّ وسلوكها الأخلاقيّ الاجتماعيّ. غير أنّ اللاّفت هو أنّ ابن المقفّع لم يقدّم شخصيّة كاملة وإنّما كلّ الشخصيّات مُحْتَاجٌ بعضُها إلى البعض الآخر. فالمطوّقة، على حكمتها، محتاجة إلى قوّة الجماعة فى سربها وإلى مساعدة صديقها الجرذ. ودمنة، على قدرته العقليّة وعلمه بقوانين إدارة الصراع، محتاج إلى قوّة الأسد ليبطش بعدوّه الثور.. فالنجاح للمجموعة وإن كانت تنقصها العبقريّة والفشل للفرد وإن كان متفرّدا بالعبقريّة. وهذا نتأكّد منه إذا عدنا إلى باب "الحمامة المطوّقة" عندما انطلقت كلّ حمامة من السرب تحاول الخلاص بمفردها فأشارت عليهنّ المطوّقة بالعمل الجماعيّ فهوسبيل الخلاص ولا سبيل غيره. ولا يقتصر ظهور العقل فى هذا الأثر على كونه أداة معرفيّة ضروريّة للسلوك بل إنّه حقيقة إنسانيّة الإنسان. فليس الإنسان عند ابن المقفّع "حيوان + عقل" بل هووحدة متماسكة من مادّة جسميّة وعقل قد يعبّر عنها رياضيّا كالآتي: "جسم × عقل". فعندما يغيّب هذا الكائن عقله لا يصبح حيوانا بهذه الصورة الميكانيكيّة بل إنّه يصبح "لا شيء" أوأحقر من الحيوان. هكذا نقرأ "مثل الناسك وابن عِرس" الذى يبيّن لنا أنّ الناسك -الإنسان- عندما غلبت على عقله نزواتُه صار فى سلوكه أحقر من ابن عرس الحيوان الوفيّ. وإذن، فحفظ العقل هوحفظ لما يمتاز به الإنسان. هذا دون الغوص فى تفصيلات مثل تمثيل الناسك للمتديّن المغيّب لعقله. فكأنّ ابن المقفّع يقول: لا خير فى دين يغيّب إنسانيّة الإنسان أى العقل. ويضاف إلى ما سبق تحكيم المنهج العقليّ فى اختيار السلطان لأعوانه من بين أصحاب الحكمة. فهم المؤهّلون لإسناده فى سياسة الملك. على أنّ الكاتب يشترط لذلك أن يحفظ السلطان لأعوانه أرواحهم من القتل وكراماتهم من الاعتداء. ونموذج ذلك "مثل الأسد وابن آوى الناسك". وأمّا نجاعة توظيف العقل فى سياسة الملك فالأمثلة عليها أكثر من أن تُسرد. على أنّ "باب البوم والغربان" فى رأينا نموذج فى تعامل الملك مع أعدائه على أنّهم أعداء. ويظهر ذلك فى شخصيّة ملك الغربان الذى اتّبع ما أشار به الغراب الحكيم وشخصيّة ملك البوم الذى لم يتّبع نصيحة البوم الحكيم فنجح الأوّل وهلك الآخر. غير أنّ اللافت هوأنّ ابن المقفّع لا يرى فى ما يبدوأنّ الحكيم -الفيلسوف - يمكن أن يكون ملكا. فهولم ينصّب أيّ حكيم ملكا فى أمثاله إلاّ إذا كان السبب أنّ الكتاب كتبه حكيم لملك فتجنّب تمليك الحكماء وتركهم أعوانا ضروريّين لا يصلح الملك إلاّ بهم. أمّا الأخلاق العقليّة فهى أخلاق الجماعة وإن بدت سلوكا فرديّا. ومن الأدلّة على ذلك أنّ الأرنب فى "مثل الأرنب والأسد" وهى الجنيس المباشر لدمنة فى "باب الأسد والثور" كانت مختلفة عن جنيسها فى كونها تعمل على مصلحتها فى إطار مصلحة الوحوش فى حين كان دمنة يعمل على مصلحته الفرديّة على حساب مصلحة الجماعة. فكانت عاقبة العقليّة الجماعيّة نجاحا وعاقبة العقليّة الفرديّة خسرانا فقد قتل دمنة شرّ قتلة. إنّنا إذ ندعم كلّ هذه المظاهر العقليّة المضمونيّة فى الكتاب نؤكّد أنّ بروزها لا يحتاج إلى استدلال نصّيّ. بل إنّا نفسّرها بسببين هما هيمنة الشاغل المنهجيّ على ذهن ابن المقفّع من جهة وسيطرة الغاية التعليميّة على أهداف الكتاب. فهذه الغاية هى التى حرّكت بنية الأمثال القصصيّة. فهى محكومة بالحكمة بدءًا والعبرة ختامًا. فبين تعليميْن صريحين لا يمكن أن تكون الأمثال إلاّ تعليميّة حتّى أنّ من الممكن القولَ إنّ هذا قد يفقد الحكاية المثليّة خاصّيّة التشويق فالأحداث متوقّعة والشخصيّات جاهزة غير نامية أومتطوّرة. على أنّ الخصوصيّة المنهجيّة فى كتاب "كليلة ودمنة" تظهر بارزة فى كونه أثرا فنّيّا لا يبسط القضايا بسطا مباشرا وإنّما يثيرها فى ذهن المتلقّى إثارة من خلال مواقف قصصيّة. ويتجلّى ذلك إذا قارنّا هذا الكتاب بالأدب الصغير والأدب الكبير حيث كان الكاتب يرصّ الحكم الجافّة رصّا وكأنّما يدعو القارئ إلى حفظها. والنتيجة أن راج الكتاب القصصيّ ولم يرج الكتابان الخطابيّان. وفوق ما لاحظنا لا يبدولنا العقل فى "كليلة ودمنة" مقتصرا على المحتوى الصريح فى الحكمة والعبرة والمنهج المعرفيّ والسياسيّ والأخلاقيّ بل إنّه يتجاوزه إلى "عقليّة البناء السرديّ". فبينما نرى الشخصيّات تتحيّل لتحقيق أهدافها يكون المؤلّف وراءها يحرّكها من منطلقه المعرفيّ إلى هدفه التعليميّ الصريح أوالضمنيّ القريب أو البعيد. ولننظر فى مثليْن يدلّ أوّلهما على هيمنة الغاية التعليميّة على الأثر ويؤكّد الآخر أنّ العقل بناء سرديّ فى الحكاية المثليّة. أمّا الأوّل فمثل "السمكات الثلاث". فقد مهّد له الراوى الصريح دمنة بتصنيف الناس إلى حازم وكيّس وعاجز. وقد بيّن خصائص كلّ منهم نظريّا متوسّعا فى نموذج الكيّس لأنّ مقام التعليم يقتضى ذلك وهو الذى إذا حلّت به المشكلة لم يرتبك وإنّما أعمل الحيلة للخلاص. وأمّا النموذجان الآخران فقد مرّ عليهما سريعا. على أنّ ما يعنينا هو التماثل بين ما جاء فى الحكمة وما جاء فى المثل. فقد ورد فى المثل أنّ السمكات ثلاث: كيّسة وأكيس منها وعاجزة. وقد توسّع الراوى فى أعمال الكيّسة عندما تمكّن منها الصيّادان كيف تماوتت حتّى اقتربت من الماء فارتمت فيه ونجت. واختزل الراوى موقف الحازمة وموقف العاجزة. ويمكن أن نمثّل على التطابق التامّ بين الحكمة والمثل بصوغ الجمل الواصفة لسلوك العاجز من البشر والعاجزة من السمك. فقد وصف العاجز بتركيب حصر "وأمّا العاجز فهوالذى لا يزال فى التردّد وتمنّى الأمانى حتّى يهلك نفسه" ووصف العاجزة بالتركيب نفسه "وأمّا العاجزة فإنّها لم تزل فى إقبال وإدبار حتّى صيدت". ومن هنا يتبيّن لنا أنّ الغاية التعليميّة هى التى تفرض بناء المثل على نموذج الحكمة. وأمّا المثل الآخر فمثل "الأرنب والأسد". وقد أقامه الراوى على مراحل سرديّة هى عينها مراحل خطّة الأرنب للقضاء على الأسد. والجدير بالملاحظة فى هذا المثل أنّ الأرنب قد اتّبعت منطق المراحل فى صراعها مع الأسد: الإبطاء عليه قصد تغليب غريزة الجوع على عقله؛ إيهامه بخطر على ملكه ووجوده من خلال اختلاق العدوالذى افتكّ طعامه "وجوده البيولوجيّ" ويهدّد بافتكاك عرشه "وجوده السياسي"؛ استدراجه إلى حتفه حيث الجبّ ذوالماء الصافى العميق؛ دفعه إلى القفز ليموت فى الجبّ. وقد قامت هذه المراحل على الترابط الزمنيّ المنطقيّ. فلم تمرّ الأرنب إلى المرحلة التالية إلاّ إذا تأكّدت من نجاح المرحلة السابقة. وقد كانت تعرف نجاح تلك المرحلة من ردّ فعل الأسد واستجابته للمثير الذى وضعته فى طريقه. فقد عرفت نجاح مرحلة الإبطاء عندما قام الأسد من مربضه يتمشّى ثمّ بادرها سائلا غاضبا – لم يفترسها مباشرة مثلا! وعرفت نجاح المرحلة الموالية عندما انساق إلى خدعتها فحملها فى حضنه وسار بأقدامه إلى حتفه. بهذا يعلّمنا ابن المقفّع أنّ التخطيط هوسبيل النجاح وأنّ نجاح التخطيط متوقّف على معرفة الخصم أوالعدومعرفة جيّدة فضلا عن الثقة بالنفس وبأنّ الغاية منتصرة حتما.. كلّ هذا فى قالب قصصي متماسك يزيد دعما لما رأيناه من منهجيّة كتاب "كليلة ودمنة". إنّ صوغ المبادئ صوغا مَثَلِيًّا هوأخصّ خصوصيّات هذا الأثر الفريد. واللاّفت فى هذا الصدد ليس الخصائص الفنّيّة فى الأمثال وإنّما ظاهرة "التمثيل" ذاتها. وهى ظاهرة تجعل هذا الكتاب- فى نظرنا - قريبا من النص القرآني. وهذا ينفى عن ابن المقفّع ابتعاده عن ذلك النص التأسيسي. والاقتراب من القرآن الکریم لا يعنى الارتقاء إلى مرتبة القداسة وإنّما يعنى المحاكاة فى التمثيل. فمن حيث بدا الكاتب أبعد ما يكون عن القرآن وأسلوبه أومنهجه كان أقرب إليه من حيث استلهام ذينك المنهج والأسلوب. وليس التمثيل - ضرب الأمثال- استدعاءً لنماذج بدئيّة تُحْتَذى أوخبرات بشريّة متراكمة فحسب وإنّما هوتأسيس لنظرة فريدة إلى الوجود. قد يبدو للبعض أنّ ابن المقفّع ضرب صفحا عن القرآن فلم ينتهج نهج معاصريه الذين انبروا يستشهدون بآياته ويتأوّلونها. لقد كان هذا هو الملمح العامّ فى تلك القرون الهجريّة الأولى. غير أنّا نقرأ الصورة قراءة مختلفة. فهذا الكاتب عندنا من أقرب أهل عصره إلى القرآن. ففى حين ذهب معاصروه إلى استحضار النص القرآني استحضارا صريحا فى نصوصهم عمِل هوعلى استيعابه وإنتاج المعرفة على هديه "الهدى هو المنهج. وقد ورد الجذر هـ . د . ى فى القرآن 316 مرّة بهذا المعنى". إنّ النصوص المليئة بالشواهد القرآنيّة ليست أدلّة على الاستيعاب بل قد تكون أدلّة على مرحلة التقبّل. أمّا ما كتب ابن المقفّع فيبدو لنا دليلا على أنّه تجاوز مرحلة التقبّل إلى مرحلة التفاعل الخلاّق المؤدّية إلى الإبداع. إنّ وجوه الشبه بين المثل عند ابن المقفّع والمثل القرآني تؤكّد أنّ "كليلة ودمنة" لم يكن فى قطيعة مع القرآن. حضور التمثيل ذاته دليل أوّل على ما نزعم. فقد جاء فى الآية 89 الشریفة من سورة الإسراء المبارکة قوله سبحانه وتعالى: "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ". وللأمثال عند ابن المقفّع – كما للأمثال القرآنيّة – وظيفة تربويّة تعليميّة منهجيّة. وهذا ما رأيناه فى ما سبق من تحليل. زد على ذلك قيام هذه الأمثال على خصائص "بلاغيّة" هى الترميز والتشبيه والاستعارة. فالترميز جليّ خاصّة فى شخصيّات "كليلة ودمنة". وقد استوحى عددا غير قليل من الرمزيّات من الدلالة القرآنيّة. وشخصيّة الغراب فى باب "الحمامة المطوّقة" من الأدلّة على ذلك. فهوفى القرآن يعلّم قابيل كيف يوارى سوأة أخيه. "فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ" "المائدة: 31". وهو فى مثل المطوّقة عين الكاتب أو القارئ ليعلّمنا كيف نستثمر قراءتنا منهجيّا وعمليّا. وليس بعيدا عن ذلك ما التصق بالإنسان من صفة "الفساد فى الأرض". فقد جاء فى القرآن الکریم أنّ الملائكة تتعجّب من استخلاف الإنسان لأنه سيفسد فى الأرض ويسفك الدماء. "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ " "البقرة: 30". وغير خفيّ أنّ الإنسان فى "كليلة ودمنة" رمز للشرّ أوالفساد مثل الصيّاد فى باب "الحمامة المطوّقة" والصيّاديْن فى مثل "السمكات الثلاث" والناسك فى مثل الناسك وابن عرس. وأمّا عن التشبيه فالمعروف أنّ الأمثال قائمة على تشبيه ضمنيّ بين المشبّه "المعنى المقصود فى الحقيقة" والمشبّه به "المعنى الظاهر". وكذلك الشأن بالنسبة إلى الاستعارة. بل إنّ المثل يمكن النظر إليه على أنّه " استعارة كبرى"، كما قال الأستاذ توفيق بكّار"3". والأمثال عند ابن المقفّع كما فى الأصل القرآني ذات صلة وثيقة بالحكمة. وذلك من جهة كونها تمثيلا رمزيّا لها ومن جهة تطلّبها لإعمال العقل لفكّ دلالاتها وتدبّرها. وهذا يتجلّى فى الخطاب القرآني الذى يؤكّد أنّ الحكمة خير للإنسان ويقرنها بالعقل "اللبّ" فى الآية 269 من سورة البقرة " يُؤتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوٱلأَلْبَابِ ". وأمّا عند ابن المقفّع فالصلة صريحة فى خطّة الكتاب وذلك من خلال إقامة الباب على بنية ثلاثيّة هي: الحكمة - المثل- العبرة. وبنية الحكايات المضمّنة هى صدى لهذه البنية الأصليّة. وتبلغ هذه الخصائص المشتركة قمّة تركيزها فى مَثَلٍ نَمُوذَجٍ فى مقدّمة الكتاب. وهذا المثل يضمن لنا ألاّ يُعترض علينا بكونه مترجما من الفهلويّة أوالسنسكريتيّة لأنّ المقدّمة من وضع ابن المقفّع. ذلك هو"مثل الرجل الهارب من الموت". ففيه يظهر تفوّق ابن المقفّع فى "التمثيل". والفكرة المحرّك فى هذا المثل هى غفلة الإنسان عن حقيقة الدنيا الزائلة وانخداعه بملذّاتها عن الموت الذى يتربّص به. ونريد أن نستبعد معنى العبثيّة عنده. ذلك أنّ انشغاله بالواقع الإنسانيّ والطريق إلى السعادة فى الدنيا والآخرة يؤكّد إيجابيّة نظرته إلى الحياة. وإنّما هوأن يدعوالناس إلى ألاّ ينخدعوا بالدنيا ومظاهرها الزائلة وأن يشغلوا أنفسهم بالثابت أوما ينفعهم. وهذه هى الفكرة المنهجيّة فى هذا المثل النموذج. ثمّ ترد الرموز والمعانى الجزئيّة مثل ديمومة حركة الزمن التى يرمز إليها الفأران الأبيض والأسود "الليل والنهار" والملذّات "العسل" التى تصرف الإنسان عن تلك الحركة المستمرّة والمصير الحتميّ... وهى تفاصيل دقيقة تندرج ضمن المعنى المركز. على أنّ المهمّ عندنا هوأنّ هذا المثل يؤكّد شاغلا من شواغل ابن المقفّع الإنسانيّة فى الوجود: حتميّة الموت. وهذا نموذج معبّر عن ارتقاء هذا الكاتب وكتابه إلى درجة "الأدب الإنسانيّ". ونعنى بالأدب الإنسانيّ الأدب الذى محوره الإنسان بكلّ قضاياه الوجوديّة. وغير خفيّ أنّ القرآن الکریم قرّر حقيقة الدنيا الزائلة فى غير قليل من الآيات. ومنها قوله تعالى: " وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْو " "الأنعام: 32" وقوله: " وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْو وَلَعِبٌ " " العنكبوت: 64" وقوله: "وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُور" "آل عمران: 185" وقوله:" وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ " " الحديد: 20" وقوله: " ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا " " الجاثية: 35 " وقوله:" ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا " " الأعراف: 51". لكنّ أقرب الآيات إلى ما ذكرنا عن مثل الرجل الهارب من الموت الآية 45 من سورة الكهف والآية 24 من سورة يونس. ففى الأولى يقول سبحانه وتعالى: "وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً" وفى الأخرى يقول:"إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَونَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". من هنا يتبيّن لنا دون الغوص فى التفاصيل أنّ ابن المقفّع كان أقرب ما يكون إلى النص القرآني وهو ينتج الأمثال تأسيساً لثقافة عقليّة متميّزة. بل إنّا نراه من أكثر الناس فى عصره التزاما بمنهج القرآن الکریم فى تدعيم ثقافة العقل ليس بمعناه المجرّد أو المطلق وإنّما بمعناه العملي النسبي. ومن هذا المنطلق أكّدنا أيضا أنّ الفكرة المحرّك فى كتاب "كليلة ودمنة" هى فكرة المنهج. وتقوم هذه الفكرة على استبعاد الشاغل التجريديّ التأمّليّ وتأكيد البعد العمليّ فى الإجابة عن السؤالين المركزيّين اللذين أشرنا إليهما فى بداية هذا الحديث: ما السعادة؟ وكيف تتحقّق؟ وفى الإجابة عن السؤال الأوّل نرى أنّ ابن المقفّع لا يؤمن بالسعادة المطلقة ولا السعادة الفرديّة فالسعادة نسبيّة جماعيّة، ولا يؤمن أيضا بالسعادة التى لا تلتزم ضوابط المنهج العقليّ كما رأيناه عنده. وفى الإجابة عن السؤال الثانى يبدو العقل - منهجا وأسلوبا – هو الطريق إلى السعادة. وقد كانت خصوصيّة هذا الكاتب فى كتابه هذا أنّه أفرغ مشاغله المنهجيّة الثقافيّة فى خطاب أدبيّ مخصوص قد يختلف الناس فى تقييمه وقراءته، وهم لا شكّ مختلفون، ولكنّهم لا يمكن أن يختلفوا فى كون تحميل القصّة بمضامين إنسانيّة منهجيّة هوسرّ خلود هذا الأثر الفريد. ذلك أنّ الإنسان فضلا عن انشغاله بهواجس السعادة والخلود والفناء والسياسة والأخلاق وَلوع مذ كان بالسرد بثّا وتقبّلاً. وهذا من مظاهر اجتماعيّته الأصيلة. وبعد، فإنّا نعتقد أنّ الحديث عن ابن المقفّع وكتابه "كليلة ودمنة" يكاد لا ينقطع. ولقد حاولنا فى هذه الأسطر أن نلخّص ما رأيناه من أخصّ خصائص ذلك الأثر: الرؤية المنهجيّة للحياة والمجتمع. فالرجل كان منصرفا إلى ذلك فى كلّ ما كتب. وأجلى دليل قد يكون كتابيه الأدب الكبير والأدب الصغير. والحقّ أنّ سؤال المنهج ما زال ملحّا فى الفكر العربي. وقد يكون هذا من الأسباب التى تدعونا إلى العناية بهذا الكتاب وما شاكله. فليس الهدف هوالتمتّعَ باكتشاف كنوز الماضى وإنّما هو قبل ذلك كسب معركة الحداثة العربيّة. ولعلّ البداية الصحيحة لهذه الحداثة هى حلّ مشكلة المنهج. وقد بيّنت لنا دراستنا لكتاب "كليلة ودمنة" أنّ مراحل التأسيس دائما تنطلق من حلّ تلك المشكلة. فهى حجر الزاوية فى الطريق إلى بناء أيّ مشروع حضاريّ. وانطلاقا من ذلك الحلّ قد يجوز لنا الحديث عن قراءة منهجيّة وظيفيّة للتراث والواقع والمستقبل. وفى هذا الإطار نزّلنا قراءتنا لذلك الأثر. لكنّ هذا لا يمنع من أن نقول إنّ ابن المقفّع لم يلتزم منهجه التزاما مطلقا. فمن جهة إيمانه بالتكامل بين الحكمة - الثقافة أوالمعرفة - والسياسة كان وفيّا لما دعا إليه. إذ أنّه لم يبتعد عن الساسة. بل إنّه كان كاتبا عند كثير منهم حتّى أنّه هونفسه من كتب العهد الذى أمّن به الخليفة المنصور عمّه. وفى هذا يبدولنا أنّه لم يلتزم جانبا من وصاياه للمتّصلين بالسلطان. وقد جاءت تلك الوصايا على لسان الطائر فنزة فى باب "ابن الملك والطائر فنزة". إذ نبّه إلى خطر المبالغة فى الاتّصال بالساسة. وقد يكون قتله على يد رجال الخليفة نتيجة لما حذّر منه ولم يلتزمه. فهل ينطبق عليه مثل مالك الحزين الذى رأى الرأى لغيره ولم يره لنفسه؟ ومن هنا قد نتعلّم أنّ معرفة الطريق لا تعنى بالضرورة السير عليه.. ولا شكّ أنّ المقام لا يتّسع للغوص فى دروس سيرة ابن المقفّع وكتابه.كلمات دليلية