عميد الأدب العربي طه حسين في مرآة زوجته الفرنسية
https://parstoday.ir/ar/news/culture_and_art-i8130-عميد_الأدب_العربي_طه_حسين_في_مرآة_زوجته_الفرنسية
ظهر يوم السبت 27 اكتوبر 1973 أصيب د. طه حسين عميد الأدب العربي والذى كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس على مدى خمسين عاما، بوعكة صحية فى بيته فى "رامتان"
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Oct ٠١, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
  • عميد الأدب العربي طه حسين في مرآة زوجته الفرنسية

ظهر يوم السبت 27 اكتوبر 1973 أصيب د. طه حسين عميد الأدب العربي والذى كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس على مدى خمسين عاما، بوعكة صحية فى بيته فى "رامتان"

ظهر يوم السبت 27 اكتوبر 1973 أصيب د. طه حسين عميد الأدب العربي والذى كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس على مدى خمسين عاما، بوعكة صحية فى بيته فى "رامتان". ولما جاء الطبيب لفحصه، زالت النوبة وعاد صاحب "الأيام" إلى حالته الطبيعية وعندئذ وصلت من الأمم المتحدة بنيويورك برقية تعلن فوزه بجائزة حقوق الانسان. غير أنه لم يسعد كثيرا بتلك البرقية. وباشارة من يده تعرفها جيدا زوجته الفرنسية السيدة سوزان، علق على ذلك قائلا: "وأية أهمية لذلك؟". ضد الظلامية والتزمت فى الليل، بعد أن غادر الطبيب وسكرتيره الخاص قال لزوجته وهو يستعيد ذكريات السنوات العسيرة التى عاشها مناضلا من أجل أفكاره ضد الظلامية والتزمت: "أية حماقة؟! هل يمكن أن نجعل من الأعمى قائد سفينة؟"صبيحة يوم الأحد 28 اكتوبر- تشرين الأول من العام المذكور، شرب د. طه حسين بصعوبة كبيرة شيئا من الحليب ثم لفظ أنفاسه. وفى ما بعد كتبت زوجته تقول واصفة مشاعرها فى تلك اللحظة العصيبة: "وجلست قربه، مرهقة متبلدة الذهن وإن كنت هادئة هدوءا غريبا "ما أكثر ما كنت أتخيل هذه اللحظة المرعبة". كنا معا وحيدين، متقاربين بشكل يفوق الوصف. ولم أكن أبكى – فقد جاءت الدموع بعد ذلك – ولم يكن أحد يعرف بعد بالذى حدث. كان الواحد منا قبل الآخر مجهولا ومتوحدا، كما كنا فى بداية طريقنا".خلال حياته المديدة "هو عاش 83 عاما"، وعقب وفاته، كُتب عن د. طه حسين وعن أفكاره وأطروحاته ومواقفه الكثير. غير أن ما كتبته عنه زوجته الفرنسية السيدة سوزان والذى نقل إلى العربية بشكل بديع وحمل عنوان: "معك" هو فى نظرى أفضل وأروع وثيقة لا عن حياته الشخصية وأفكاره وآرائه فحسب وإنما عن الحياة الثقافية والسياسية فى مصر على مدى أزيد من خمسين عاما.. أجنبي.. أعمى ومسلم!وكان طه حسين طالبا فى فرنسا لما تعرف على زوجته الفرنسية. وكان ذلك يوم 12 مايو- آيار 1915 فى مدينة "مونبلييه". وكانت هى مصحوبة بأمها، ولم تكن قد تحدثت مطلقا إلى أعمى. اثر ذلك اللقاء الأول، أخذت تكرر من زياراتها له خصوصا لما ذهب إلى باريس فى العام التالى لمتابعة دراسته. وذات يوم صرحت برغبتها فى الزواج منه فصعقت العائلة وأخذ جميع العائلة يصيحون فيها غاضبين: "كيف؟ من أجنبي؟ وأعمى؟ وفوق ذلك كله مسلم؟". غير أن الفتاة كانت قد اختارت، ولم تكن ترغب البتة فى التراجع عن اختيارها. وجاءها العون من عم لها كان قسّا.فقد قال لها بعد أن تنزّه مع طه حسين مدة ساعتين فى حقول "البرينه": "بوسعك أن تنفذى ما عزمت عليه.. لا تخافى بصحبة هذا الرجل يستطيع المرء أن يحلق بالحوار ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إنه سيتجاوزك باستمرار". وفى ما بعد سوف تكتشف السيدة سوزان أن عمها القسّ الطيب كان على حق. لذا سوف تظل تكن له اعجابا كبيرا طوال حياتها. أما طه حسين فقد كتبت لأمها تقول عند وفاته: "كان مثلنا ودليلنا ومحل اعجابنا. كان يجعل كل شيء جميلا، وكان يجعل كل شيء نبيلا. لقد كانت الحياة تغدو بصحبته فجأة حياة أرفع وأخصب".وتم زواج المصرى المسلم البصير من الفتاة الفرنسية المسيحية يوم 9 أغسطس- آب 1917 بينما كانت باريس تعج بالجنود العائدين من جبهات القتال. وفى خريف 1919 سافر الزوجان إلى مصر ليبدآ حياة أخرى هناك. حياة كانت فيها الكثير من الصعوبات والعراقيل خصوصا فى البداية.فى تلك الفترة كانت مصر تعيش غليانا سياسيا تبدى بصورة واضحة وجلية فى ثورة 1919 ضد الاحتلال الانجليزي. وكان الوطنيون يواجهون القمع والملاحقات والسجون. ولم يكن طه حسين مجهولا تماما فى بلاده. فقبل سفره إلى فرنسا، كان معروفا فى الأوساط الجامعية من خلال الأطروحة التى أعدها عن أبى العلاء المعري. أما فى الأوساط الصحافية فكان اسمه قد لمع بعد أن نشر مقالات فى صحيفة "الجريدة" التى كان يديرها لطفى السيد وفى صحف أخرى مثل "العلم" و"السفور". "العض" على التاريخ الاغريقي وعندما عاد عُيّن أستاذا فى الجامعة. ومنذ البداية أخذ يعمل بحماس وجد، باعثا فى التعليم روحا جديدة، محرّضا طلابه على "العضّ" على التاريخ الاغريقى إذ أنه كان يرى فى ذلك تنويرا لعقول الشباب، وثورة على المناهج التربوية التقليدية التى تكتفى بتدريس الفقه والأدب العربى القديم. ولم يلبث هذا الأسلوب الجديد الذى جاء به صاحب "فى الشعر الجاهلي" أن أغاض الكثيرين من الاساتذة ومن الشخصيات السياسية والدينية فشرعوا يحيكون المؤامرات الدنيئة ضدّه بهدف لجم حماسه الفياض، وافساد مشروعه التحديثي.وبسبب المشاكل المادية الحادة التى أخذت تتراكم على العائلة الصغيرة خصوصا بعد أن أصبح لها طفلان، بنت تدعى أمينة وولد يدعى مؤنس، اضطرت السيدة سوزان إلى العودة إلى فرنسا.وعلى مدى الأشهر التى ظلت فيها هناك، كانت تتبادل الرسائل يوميا مع زوجها البعيد. وكان كل واحد منهما يتحدث إلى الآخر بدقة عن تفاصيل حياته اليومية. وفى واحدة من رسائله، كتب طه حسين يقول لزوجته: "هل أعمل؟ ولكن كيف أعمل بدون صوتك الذى يشجعنى وينصحني، بدون حضورك الذى يقويني؟ ولمن أستطيع أن أبوح بما فى نفسى بحرية؟".وفى نفس الرسالة، يضيف قائلا: "لقد استيقظت على ظلمة لا تطاق. وكان لا بد أن أكتب لك لكى تتبدّد هذه الظلمة. اترين كيف أنك ضيائى حاضرة كنت أم غائبة؟" وفى رسالة أخرى، يكتب لها قائلا: "كان أفلاطون يفكر أننا إذ نتحاب فإننا لا نفعل سوى أن نعيد صنع ما أفسده عارض ما. عندما تنفصل نفسان عن بعضيهما، تبحث كل منهما عن الأخرى، وعندما يتواجدان ويتعارفان، فإنهما لا يعودان كائنين وإنما كائن واحد. إننى اؤمن بذلك تماما". المعممين.. والمطربش وعندما تعود السيدة سوزان إلى مصر، تجد زوجها لا يزال غارقا فى المشاكل المادية والنفسية الناتجة بالخصوص عن تلك الحروب السرية والعلنية التى كان يشنها ضده اعداؤه داخل الجامعة وخارجها. غير أن ذلك لن يرعبها ولن يفتّ فى عزمها ذلك أنها قررت أن تكون مع زوجها "كائنا واحدا".ولم يتوقف أعداء طه حسين عند نقد أسلوبه فى التدريس، وطريقته فى التفكير بل تعدوه إلى المس من حياته الشخصية. فذات مرة سأله أحد الشيوخ المعمّمين: "لماذا تزوجت فرنسية؟ لو كنت حرا لاشترعت قانونا ينفى كل مصرى يتزوج من أجنبية".وبسخرية لاذعة يرد عليه طه حسين قائلا: "أرجو يا سيدي.. اشترع هذا القانون، فإنى أستعجل الا أستمع إلى مثل هذا الكلام!" ويستأنف الشيخ المعمم الكلام قائلا: " لكنى بعد كل شيء يا دكتور طه.. أود أن أفهم الأسباب الحقيقية التى حملتك على الزواج من أجنبية فأنت مصرى طيب ووطنى طيب عظيم الذكاء فكيف اقدمت على مثل هذا العمل؟" وهنا يقرر صاحب "قادة الفكر" أن يكون قاطعا فى جوابه فيجيب الشيخ المعمم قائلا: "قابلت فتاة وأحببتها فتزوجتها ولو لم أفعل ذلك لبقيت عزباء أو لتزوجت نفاقا - بما أننى أحب امرأة أخرى – امراة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة!"نحن الآن فى العام 1923، طه حسين يعمل بجد وحماس كعادته دائما متحديا الآلام والأوجاع التى كانت يسببها له أعداؤه الذين كانوا يتكاثرون يوما بعد يوم.وبالاضافة إلى الدروس التى كان يلقيها فى الجامعة، كان يكتب فى العديد من الصحف مثل "مصر" و"السياسة" و"الاتحاد". وفى شهر مارس- آذار من العام المذكور، أصدر كتاب "فى الشعر الجاهلي" الذى كان قد شرع فى تأليفه ثلاثة أشهر قبل ذلك. وفى الحين انفجرت تلك العاصفة الهوجاء التى ستقوده إلى المحاكم وستكون السبب فى مصادرة الكتاب المذكور.وعن هذه الحادثة تكتب السيدة سوزان قائلة: "كان يعمل به "تقصد كتاب "فى الشعر الجاهلي" " فى النهار ويحلم به فى الليل مدفوعا بحماسة بلغت به درجة أنه شرع فور انجازه بتأليف كتاب عن الديمقراطية، لكن ما حدث له أرهقه، ولم يكن يفهم هذه الأحكام البليدة، وهذا التحيّز الأخرق، وهذا الحقد الحاسد، وهذا الرياء، وتلك البراعة التى نجحوا بها فى تحريض أناس طيبين ضد انسان شريف، وفى جره إلى المحكمة بعد أن صادروا كتابه، والحملات القاسية فى الصحافة، والشتائم والتهديد بالموت الذى كان وراء اقامة حراسة على مدخل بيتنا أمام باب الحديقة خلال عدة أشهر. كل هذه الأحداث كانت تذهله وتستثير ضميره العلمى وتؤلمه كثيرا".وخلال هذه المحنة القاسية، ظل بعض الأصدقاء أوفياء لطه حسين ولم يبخلوا عليه بدعمهم المعنوى ولا بتضامنهم الصريح والواضح بين هؤلاء لطفى السيد الذى تتحدث عنه السيدة سوزان بكل احترام ومحبة قائلة: "كان هذا الرجل- أى لطفى السيد – الذى كان دميما والذى كان وجهه المطبوع بآثار الجدرى يشع ذكاء ساخرا يملك هيئة خارقة كان كبير الجسم، كان نحيلا، كان مهذبا، كان كلامه أكثر بطءا، إذا جاز القول لي، من عينيه الحيتين.كان يتكلم ببطء وعلى وتيرة واحدة تقريبا "..." كنا حين نذهب لرؤيته، بعد عديد من السنوات، نجده متدثرا بل متلاشيا فى قفطان واسع أو أشهب أو أمسر، يكاد رأسه يختفى بين طيات لفة من الصوف: فقد كان سريع التأمر بالبرد.كان يجلس أمام موقد النار، هادئا، يداه الدقيقتان تسبحان، كان يبدو لى صورة طبق الأصل من الفلاسفة والعلماء الاقدمين الذين تبنى حكمتهم دون أى انبهار".وبرغم قسوة الهجومات التى شنّت ضده، لم يتراجع د. طه حسين عن موقفه، وظل "شجاعا رابط الجأش" كما تقول زوجته. وربما لكى يتغلب على المرارة التى كان يحس بها، انطلق بصحبة عائلته إلى قرية صغيرة فى "السافوا العليا" بفرنسا. وهناك أنجز الجزء الأول من كتاب الايام فى تسعة أيام! سنة المجاعة أما المحنة الثانية التى تعرض لها طه حسين فقد حدثت فى ربيع سنة 1932 التى سوف تسميها السيدة سوزان بـ"سنة المجاعة". فقد فصل عن عمله كأستاذ بالجامعة بسبب أفكاره ومواقفه التحررية. وفى هذه المرة كان أعداؤه المتربّصون به يرغبون فى "سحقه حقا" هذه المرة بطرده من الكلية التى كان عنوانا لعزتها وكرامتها وقوة نابضة فيها، وإنما ارادوا أيضا احراق كتبه، فأخذوا منه بيته الذى يسكن فيه، وأغرقوه بالشتائم، وحاولوا أن يحرموه من كل وسيلة للعيش بمنعهم مثلا بيع الصحيفة التى كان يصدرها، وبانذارهم البعثات الأجنبية فى مصر بالكف عن أن تقدم له عروضا للعمل".دامت هذه المحنة الجديدة من عام 1934 وكانت المقاطعة تامة من جانب أغلب المؤسسات الجامعية والصحافية. وحدها الجامعة الأمريكية تجرأت ودعت طه حسين لالقاء بعض المحاضرات التى لاقت اعجاب الشباب المتحمس لأفكاره.وفى هذه المرة جاءه العون من مستشرقين مرموقين من أمثال ماسينيون الذى بعث له برسالة مفعمة بالود وفيها يطلب منه إن كان مستعدا للذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لالقاء محاضرات فى جامعاتها. وقد علق هو على ذلك قائلا: "لقد أيقظتنى رسالة ماسينيون. إننى أستاذ معزول وعالم ممنوع عن العمل. ومن واجبى ألا أشتغل فى السياسة، وإنما أؤلف الكتب وأسعى وراء الزرق. أما فى امريكا فإننى سأكون أجنبيا وسأنظر إلى حياة البلد دون أن أشارك فيها ولن يكون عليّ أن أقوم فيها إلا بواجب محدود".ومن الأصدقاء الذين عبروا عن تعاطفهم معه فى هذه المحنة الجديدة نذكر السيدة سوزان النحاس باشا والسيدة هدى شعراوى رئيسة الاتحاد النسائى ومصطفى وعلى عبد الرازق وخليل مطران.ورغم المصاعب والمؤامرات القذرة التى كان يواجهها، تمكن د. طه حسين من انهاء كتاب "على هامش السيرة". كما ظهرت الطبعة الفرنسية الأولى لكتاب "الأيام". وخلال تلك الأيام السوداء، مات حافظ ابراهيم "شاعر النيل" فحزن طه حسين حزنا شديدا وقال: "أقضى يومى فى حزن لا طائل من ورائه ذلك أنه كان أكثر الناس مرحا بيد أن موته يغلفنى بحزن يكاد يكون مبتسما.. هناك أناس لا يموتون كليا وخاصة منهم الشعراء لن أستمع أبدا لصوت حافظ، لكنى سأستمع دوما إلى روحه، وسأراها فى كل مرة أشعر بالفرح أو بالحزن وهو ما يعزينى قليلا".وفى نهايات العام 1934 أعيد كرسى الجامعة إلى د. طه حسين فكانت فرحة طلابه الذين حملوه منتصرين فى ساحة الجامعة "متفجرة وغامرة". آلام وتحديات عند اندلاع الحرب العالمیة الثانية، أعلن د. طه حسين عن مناصرته الصريحة والواضحة لفرنسا ولدول الحلفاء. وعندما زار الجنرال ديغول الذى كان آنذاك قائدا للمقاومة الفرنسية القاهرة فى شهر نيسان- ابريل 1941، وتحدث فى الجامعة الأمريكية استقبله د. طه حسين الذى كان يراقب اذاعة "فرنسا الحرة". لم تؤثر فواجع الحرب واحداثها الاليمة على نشاط صاحب كتاب "الأيام". فقد أنشأ جامعة الاسكندرية، وواصل الكتابة فى الصحف وأسس مجلة "الكاتب المصري" التى كان يهدف من خلالها إلى "أن يقيم أكثر ما يمكن القيام به من الصلات بين الثقافة الغربية ومصر والعالم العربي". لذا جاء إليها بكل الشباب الذين تنوّروا بأفكاره، وأطلق جيشا من المترجمين من عدة لغات بهدف نقل الأعمال الكبيرة إلى اللغة العربية.عقب انتهاء الحرب الكونية الثانية، اصبح بيت طه حسين قبلة مشاهير الزوار، الفرنسيين منهم بالخصوص. وكان أندريه جيد الذى تربطه بالسيدة سوزان قرابة عائلية أول هؤلاء. وقد استقبله د. طه حسين فى مكتبه.ومنذ البداية أحس كل من العملاقين بالود تجاه الآخر. ومتحدثة عن ذلك، كتبت السيدة سوزان تقول: "كان طه يعجب بجيد ولكن من بعيد قليلا. فهما لا يتشابهان كثيرا. غير أنهما ما إن التقيا حتى تفاهما على الفور اثر مناقشة عفوية كان فيها كلاهما على رأى واحد. وأظن أن كلا منهما قد تعرف فى الآخر هذا الانفتاح الروحى النادر والبساطة الكلية". وذات مساء قرأ أندريه جيد فى الصالون الصغير روايته "Thesee" فتأثر د. طه حسين بذلك شديد التأثر وإثر ذلك قام بترجمة الرواية المذكورة إلى اللغة العربية. وجاء جان كوكتو أيضا إلى بيت طه حسين. وقبل ذلك اتصل به هاتفيا ليقول له: "أنتظر بفارغ الصبر أن أقبلك". وعند وصوله، فعل ما قاله فى الهاتف. وقد وصفته السيدة سوزان قائلة: "كان يختار الجلوس حين يدخل الصالون ليس على مقعد وإنما على درجة طويلة من الخشب تحاذى الفتحة ذات الباب الزجاجى التى تنزل منها إلى الحديقة. كنت أجلس قربه وأبقى مأخوذة استمع إليه وهو يلوح بيديه الذكيتين اللتين كانتا تتحركان بشكل لا يصدق، واللتين كانتا ترسمان أمامه اشكالا غير مرئية".كما زار بيت طه حسين كل من اديت بياف المغنية الشهيرة ذات القامة القصيرة والعينين الزرقاوين الصافيتين والمخرج المسرحى الكبير لوى جوفيه. الوزارة وحقيق المشاريع ونظرا للشهرة الواسعة التى أصبح يتمتع بها مصريا وعربيا وعالميا، عيّن د. طه حسين وزيرا للتربية والتعليم. فكانت هذه الفترة من أهم الفترات فى حياته. فقد أنجز العديد من المشاريع التى كانت تراوده قبل توليه الوزارة إذ أسس كلية جديدة للطب وكذلك جامعة جديدة هى جامعة ابراهيم التى أصبحت تسمى الآن جامعة عين شمس، وأنشأ المعهد الاسلامى فى مدريد. أما فى العاصمة اليونانية اثينا فقد بعث كرسيا جامعيا للغة وللثقافة العربيتين. كما جعل التعليم اجباريا وزاد من عدد المدارس الابتداية خصوصا فى الأرياف. وقد أحبه الناس بسبب هذه الانجازات العظيمة لذا كانوا يهتفون له عندما يمرّ فى الطريق: "يحيا وزيرنا، يحيا صديقنا يحيا أبو المساكين.. ذلك الذى ينورنا!".ولما قامت ثورة الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر فى صيف عام 1952 استقبلها د. طه حسين بتوجس وصمت. وحتى لا يصبح أسيرا لما يحدث آنذاك فى الشارع على المستوى السياسى بالخصوص غرق فى كتب التراث الاسلامى ليستخلص منها تاريخ إمامة على بن أبى طالب وبنيه(ع).فى نفس هذا العام، عام 1952، حضر د. طه حسين العديد من المؤتمرات الدولية التى انعقدت فى بعض الدول الأوروبية. وخلال جميع هذه المؤتمرات كان يؤكد فى جميع الخطب التى القاها على ضرورة تدعيم واثراء الحوار بين الشرق والغرب، وبين العالم الاسلامى والعالم المسيحي.ففى فلورنسا قال: "إن واجبنا يتجلى فى عقد روابط الأخوة بين العالم الاسلامى الذى أمثله هنا – بما أنه بوسع أصغر مسلم إذا قال الحق، أن يقوله باسم الجميع – وبين العالم المسيحي، ومدّها إلى كل الناس، ذلك أنه لا وجود فى نظر الله لشرق أو لغرب ولا للجنوب أو للشمال، وإنما العالم والناس. وعندما يمنح الله العدالة للناس فإنّه لا يمنحها للمسيحيين فقط أو المسلمين فقط، وإنما لجميع الناس، إننى أطالبكم بمحاسبة أنفسكم".وقد علق أحد الصحافيين الايطاليين على خطاب د. طه حسين قائلا: "كان كلامه، بل أكثر من ذلك شخصيته نفسها تستأثر بانتباه الجميع. ذلك أن الدين والثقافة قد أوجدا فيه نقطة التوازن والاتحاد الكاملين".وفى خطبه تلك كان د. طه حسين يؤكد أيضا على الدور التنويرى المنوط بالكاتب وبالمثقف عموما. وهو يقول فى ذلك: "الكتابة هى أيضا العمل.. كل كاتب وكل فنان لا يستطيع التقدم إلا بالاخلاص.. شأنه شأن بطل دانتى يحمل المصباح معلقا إلى ظهره ليضيء الطريق للذين يتبعونه.." "قلادة النيل" و"المؤسسات المنخورة" وبالرغم من أن الرئيس جمال عبد الناصر منحه "قلادة النيل" فى عام 1965، فإن نظامه تعامل مع د. طه حسين ببرود شديد ربما لأنه كان يهاجم بعنف "الانتصارات المزيفة والمؤسسات المنخورة". وقد كان على حق.فالضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر كانوا قد جاءوا بشعارات جميلة وبراقة، غير أن السياسة التى كانوا يطبقونها على المستوى السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى والتربوى كانت كارثة حقيقية بالنسبة إلى مصر والمصريين. ومع ذلك لم يظهر د. طه حسين الذى منع من الكتابة فى صحيفة "الجمهورية" لسبب لم يكن يدريه، اهتماما كبيرا بهذه الاجراءات التعسفية ضده، وظل يواصل نشاطه وكأن شيئا لم يكن. فإلى جانب تعاونه مع اليونسكو فى مشروعها الكبير: "الشرق – الغرب" كتب شهادة عن الشاعر الايطالى أونغاريتى الذى ولد وعاش فى الاسكندريه، والذى التقى به مرات عدة فى روما وفلرونسا والبندقية. وكان حريصا على الالتقاء بكبار الشخصيات السياسية والفكرية التى تزور القاهرة مثل الرئيس والشاعر السينغالى ليوسولد سيدار سنغور والمستشرق المعروف بلاشير وآخرين.بعد زواجهما بقليل كتب طه حسين إلى زوجته سوزان يقول: "بدونك أشعر أنى أعمى حقا. أما وأنا معك، فإنى أتوصل إلى الشعور بكل شيء، وإلى أن أمتزج بكل الأشياء التى تحيط بي". وعندما رحل هو عن العالم، كتبت هى تقول: "ذراعى لن تمسك بذراعك أبدا، ويداى تبدو لى بلا فائدة بشكل محزن، فأغرق فى اليأس، أريد عبر عينى المخضبتين بالدموع حيث يقاس مدى الحب، وأمام الهاوية المظلمة حيث يتأرجح كل شيء، أريد، أريد أن أرى، تحت جفنيك اللذين بقيا معلقين، ابتسامتك المنخفظة، ابتسامتك المبهمة، الباسلة، أريد أن أرى من جديد ابتسامتك الرائعة..".