يوم «أسود» في تاريخ مصر
Mar ٠٣, ٢٠١٢ ٠٢:٤٦ UTC
يوم أسود عاشه المصريون - يوم الخميس الماضي- عندما شاهدوا طائرة عسكرية أمريكية خاصة، تهبط إلى مطار القاهرة لنقل الأمريكيين المتهمين في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني إلى قبرص، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية
يوم أسود عاشه المصريون - يوم الخميس الماضي- عندما شاهدوا طائرة عسكرية أمريكية خاصة، تهبط إلى مطار القاهرة لنقل الأمريكيين المتهمين في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني إلى قبرص، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد دفعت واشنطن للمحكمة المصرية غرامة قدرها حوالي 5 ملايين دولار، بمعدل 300 ألف دولار لكل أمريكي كان محتجزًا.دولة مثل مصر تُنتهك سيادتها على يد 19 أمريكيا يخططون لتخريبها، ويتم إطلاق سراحهم مقابل 5 ملايين دولار!
وبعد أن غادرت الطائرة الأمريكية وعلى متنها الأمريكيين المتهمين في طريقها إلى واشنطن، تخرج «فايزة أبو النجا» وزيرة التعاون الدولي المصرية، لتستخف بعقول المصريين، وتقول لهم أن القضية ما زالت مستمرة ! فأي قضية هذه التي تتحدث عنها الوزيرة المصرية في ظل غياب المتهمين وتهريبهم إلى أمريكا في تحد سافر للقضاء المصري؟
هذا الحدث أصاب كافة الأوساط السياسية والحزبية والشعبية في مصر بصدمة كبيرة، وشعر المصريون بانتهاك سيادة بلدهم وسيادة القضاء المصري، بل شعروا بالعار، وما أمر أن يشعر الإنسان بالعار وهو مكتوف الأيدي.
وتساءل المصريون عن مغزى تلك الصفقة؟ - إذا كان يوجد صفقة أصلاً- التي وصفها رجال القضاء المصري ( بالصفقة التخاذلية) التي جاءت بعد أيام قليلة من بيان رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري، الذى أكد خلاله (أن مصر لن تركع) في إشارة للضغوط الأمريكية التي مارستها واشنطن على مصر للإفراج عن عملائها المتورطين في قضية التمويل الأحنبي.
والمتابع لفصول تلك القضية منذ بدايتها، والمجهود الذي بذلته الأجهزة الأمنية المصرية في كشف مخططات تلك المنظمات الأجنبية، التي كانت تهدف إلى تقسيم مصر إلى أربع دول، بعد تخريبها، عبر إشاعة الفوضى وإثارة الفتن الطائفية بين أبناء الشعب المصري، يُكاد يصيبه الذهول مما آلت إليه القضية بتلك النهاية «التخاذلية» بعدما انتصرت إرادة أمريكا، وحققت ما تريده، وحصلت على عملائها الذين استهانوا بالقضاء المصري، و لم يحضروا أولى جلسات محاكمتهم، وقد فرّط عقد القضية من بين أيدي مصر.
المستشار محمد محمود شكري، الذي تنحى عن نظر قضية التمويل الأجنبي قال أنه سيتقدم إلى المستشار حسام الغرياني، رئيس مجلس القضاء الأعلى، بمذكرة، تتضمن أسباب تنحّيه، مشيراً إلى أنه تعرّض لضغوط من المستشار عبد المعز إبراهيم، رئيس محكمة الإستئناف، لإلغاء حظر سفر المتهمين الأجانب.
وقد اعتبر المستشار أحمد الزند رئيس نادى القضاة أن ما حدث بخصوص تلك القضية، يُعد فاجعة كُبرى ليس للقضاء المصري فقط، بل لسيادة مصر بأكملها.
ووصف الزند، يوم سفر الأمريكيين المتهمين بأنه يوم أسود في تاريخ مصر، ولن يغفر التاريخ لمن وقف وراء هذه الصفقة المتخاذلة، التي نالت من القضاء المصري.
وأشار المستشار أحمد الزند، إلى أن قرار إخلاء سبيل المتهمين، وصدور قرار برفع الحظرعن سفرهم، يُعد مخالفة قانونية، حيثُ أن المتهمين كانوا غائبون عن جلسة محاكمتهم، وقرار إخلاء سبيل أي مُتهم ، لا يكون إلا إذا كان المُتهم مُقيّد الحرية، أي حاضر جلسات محاكمته، وبالتالى فإن قرار إخلاء سبيل هؤلاء الأمريكيين مخالف للقانون، وأن القُضاة لن يرضوا بالمذلّة للمصريين، مشيراً إلى أن ما حدث، وصمة عار لم تُمح من جبين كل من شارك فيها.
وأكد المستشار أحمد الزند أن نادي القضاة، طالب المجلس الأعلى للقضاء بإجراء تحقيق شفّاف ومحايد لكشف ما حدث في تلك القضية أمام الرأي العام.
عدد كبير من قضاة مصر اعتبروا أن القضية «سياسية»، وأن قرار تنحى المستشار محمد شكري عن قضية «التمويل الأجنبى»، قرار يدل على نزاهة قضاة مصر، وأنهم لا سلطان عليهم إلا ضميرهم والقانون.
ووسط اتهامات شعبية لجماعة الأخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة بأنهم كانوا على علم بشأن الترتيبات التي تمت لإطلاق سراح المتهمين الأمريكيين، وهو ما أشار إليه صراحة السيناتور «جون ماكين» عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، رفض الدكتور محمود غزلان - المتحدث الرسمي لجماعة الاخوان المسلمين - ما أدلى به جون ماكين عن ضلوع الاخوان في السماح للمتهمين في قضية التمويل الاجنبي بالسفر.
وقال غزلان إن هذا التصريح عار تماماً عن الصحة، ويهدف إلى الإساءة إلى الإخوان المسلمين وتشويه صورتهم.
واعتبر غزلان أن الإفراج عن المتهمين الأجانب والسماح لهم بالسفر هو استمرار لطريقة النظام البائد المخلوع في إدارة البلاد من حيث التفريط في سيادة البلاد وكرامة الشعب، بل في الأمن القومي.
ولفت غزلان إلى أن بعض هذه المنظمات متهمة بمحاولة «تقسيم مصر» إلى أربع دويلات، وبالتدخل في الشؤون السياسية الداخلية لمصر ومناصرة بعض الفصائل بالمال والتدريب.
وتابع قائلا: «إن التحوّل المفاجئ من المواقف العنترية التي صرّح بها أفراد من المجلس العسكري والوزيرة فايزة أبوالنجا ورئيس الوزراء، حيث قال أن مصر لن تركع، التحوّل إلى الخضوع المهين لضغوط الولايات المتحدة الأمريكية أمر يمرغ كرامة المصريين في الوحل».
وأكد غزلان إدانة الجماعة للتدخل في أعمال القضاء والضغط على القضاة وإحراجهم سواء كان الضغط من الداخل أو من الخارج، وهو الأمر الذي دفعهم للتنحّي، مطالباً بمحاسبة كل من مارس هذا العدوان، ومشيراً الى أنهم يقدّرون موقف القضاة الشرفاء الذين آثروا التنحّي عن الخضوع للضغوط أو مخالفة الضمير.
من جانبه اعتبر حزب النور أن المجلس العسكري، تعامل مع قضية التمويل الأجنبي للمنظمات بـ«لامبالاة»، وبشكل يمثل «إساءة إلى مصر ما بعد الثورة».
وقد اشتعلت القضية داخل البرلمان المصري، وقدّم عدد من نواب البرلمان استجواباً ضد حكومة الجنزوري، واصفين قرار إلغاء حظر سفر الأمريكيين المتهمين، جريمة لن يغفرها التاريخ، وانتهاك واضح لسيادة واستقلال القضاء المصري.