الهروب من الموت الى الشقاء
Nov ١٦, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
على الرغم من أزمتهم الأقتصادية المتواصلة لاينسد المصريون أبدا ً لأشقائهم العراقيون بكافة الوان طيفهم أحتضانهم للعمالة المصرية وهو الأحتضان الذي جعل اعداد ابناء مصر الذين ذهبوا الى العراق للعمل تتجاوز اكثر من مليوني مصري وخصوصا خلال الثمانينات من القرن الماضي
هدى امام مراسلتنا من القاهرة على الرغم من أزمتهم الأقتصادية المتواصلة لاينسد المصريون أبدا ً لأشقائهم العراقيون بكافة الوان طيفهم أحتضانهم للعمالة المصرية وهو الأحتضان الذي جعل اعداد ابناء مصر الذين ذهبوا الى العراق للعمل تتجاوز اكثر من مليوني مصري وخصوصا خلال الثمانينات من القرن الماضي، ومن هنا فإن أبناء الكنانة ينتهزون الفرصة الآن ليردوا الجميل لأهل العراق جميعا والذين شرفوا مصر بقدومهم اليها، اهل العراق بجميع اطيافهم وانتماءاتهم والوانهم الفكرية والعقائدية والسياسية، ولأن العراقيون يقاومون بكافة السبل من أجل انتزاع الحرية لبلادهم، فإنهم ايضا مصدر أحترام الجميع في مصر، ومن ثم كان من الطبيعي أن ينسجم العراقيون بسهولة مع المصريين أمتدادا ً للأنسجام الذي كان بينهم من قبل أثناء تواجد المصريون للعمل في العراق حيث بدأت عمليات زيجات متبادلة ما بين الطرفين وعمليات تجارية يمارسها العراقيون في ظل حماية القوانيين والتشريعات المصرية، ومن هنا نجد شوارع في القاهرة الكبرى باتت الأغلبية من سكانها عراقيون وبالذات في مدن 6 اكتوبر والشيخ زايد ومدينة نصر، والقيادة العراقية الحالية من جهتها تحرص على متابعة شئون العراقيين في مصر وحث القيادة المصرية على الأهتمام بتذليل الصعوبات التي تعترض حياتهم الى حين تمكنهم من الرجوع مرة اخرى لوطنهم، وهو ما طالب به الرئيس العراقي جلال طلباني خلال زيارته الأخيرة لمصر. • الواقع الأليم تشير الأحصائيات التي صدرت عن المكتب الاقليمى للأمم المتحدة فى القاهرة إلى أن أكثر من خمس العراقيين باتوا لاجئين إما خارج وطنهم أو داخله، جراء الاحتلال الأمريكي لبلدهم وما أفرزه من تداعيات خطيرة، ومن اخطر تلك التداعيات ما أصطلح على تسميته من قبل العراقيين بحالات الفلتان الأمني، ولا يعرف أحد على وجه الدقة العدد الحقيقي للعراقيين المقيمين في مصر حاليا، وإن كانت الإحصاءات المبدئية تقول إن عددهم يتجاوز مائتي ألف عراقي بكثير. وتتجلى صعوبة رصد العراقيين الذين نزحوا إلى مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في أن عددا غير قليل منهم قد دخل إلى مصر بتأشيرات سياحية، تنتهي خلال فترة محددة، لكنهم واصلوا استقرارهم في البلاد على نحو غير قانوني إذا ما قيس بالقوانين السارية في مصر. وتشير أخر التقديرات إلى أن الشهور الماضية شهدت دخول واستقرار ما يقرب من ربع مليون عراقي إلى مصر، معظمهم جاءوا هربا من الموت الأمريكي، المغلف بشعارات الحرية والديمقراطية، أو الموت العراقي المغلف بأسباب طائفية في بغداد ومدن عراقية يؤكد العراقيون ان اصابع المخابرات الامريكية والموساد الصهيوني تقف وراء تحريكه. هؤلاء العراقيين معظمهم دخلوا مصر بتأشيرات سياحية في بادئ الأمر، لكنهم بقوا مع مرور الوقت بلا عمل، معطلين لقدراتهم العلمية، ومن ثم لم يكن هناك مفر بالنسبة لهم من ممارسة أي عمل، حتى لو دفع الأمر بأستاذ جامعي كبير، للعمل في مطعم أو مقهى، أو الوقوف لساعات طويلة أمام نيران الأفران التي تنتج الخبز العراقي، والأوفر حظا من بين هؤلاء هم الذين استطاعوا بمدخرات العمر أن يكونوا بعض الشركات السياحية، أو مكاتب بيع وتأجير العقارات مع شركاء مصريين، وذلك لتفادي الخضوع للشروط المجحفة لمفوضية اللاجئين، ومن أجل الحصول إقامة مؤقتة. ومنذ فترة توقفت السلطات المصرية عن منح الإقامة للوافدين، إلا بشرط إقامة مشروعات استثمارية، لكن معظم المشروعات التي أقامها العراقيون بالشروط المصرية لم تكن تتجاوز كونها محلات صغيرة أو أفران لخبز الصمون فضلا عن عدد محدود من المقاهي، وبالتالى لم تنطبق على هذه المشروعات شروط الاقامة فى مصر ليصطدم أبناء العراق هذا البلد الشقيق بالواقع الأليم. • المستقبل المجهول أحد اللاجئين العراقيين ويدعى عبدالقادر يروي مأساته قائلا: فررت من الموت الذى يحاصرنا فى وطننا العراق انا وزوجتى وأولادي الى مصر حيث حصلت على تأشيرة أقامة مؤقتة والآن انتهت مدة إقامتي منذ عدة أشهر، وما كان علينا سوى أن أحبس نفسي في البيت أنا وزوجتي وأبنائي و نعيش آلام الرعب يوميا من أن تتخذ السلطات المصرية أجراءات ترحيلنا فنضطر للعودة إلى موت محتم في العراق. بينما يرفض أبو ناصر العراقي تسميته باللاجئ ويقول “لسنا لاجئين ولا نرغب في أن يعاملنا أحد على أننا لاجئون، نريد من الأمم المتحدة أن تعطينا أموالنا (النفط مقابل الغذاء)، ولا نرغب في مساعدات من الحكومات التي تستضيفنا، نحن نقدر أن اقتصاد هذه الدول منهك بفعل عوامل عديدة، ولا نحب أن نشكل عبئا عليها. منذ قدمنا والمصريون يعانون من ارتفاع أسعار تأجير وتملك الشقق نتيجة مافيا السماسرة، فما ذنبنا وذنب المصريين؟ ويشارك أبو ناصر فى رأيه رافد إبراهيم ويقول : مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعاملنا كلاجئين، فنحن نقف في طوابير لتمنحنا إقامة ستة أشهر، إلى جانب مبلغ زهيد من المال، فتحولنا إلى منظمة تسمى “كريتاس” توفر معونات مادية زهيدة لا تدوم أكثر من شهرين وجزءاً من علاج في كنائس مصر ونحن نشم فيها صبغة تبشيرية. ويضيف رافد أنه حين يلجأ العراقيون للمفوضية تحولهم إلى لاجئين ولا تمنحهم شيئا لكنها تحول جوازات سفرهم إلى جوازات سفر “باطلة” لا يستطيعون الخروج من مصر حتى لو حانت لهم فرص أفضل في بلاد أوروبا عبر أقرانهم في المنافي الغربية والذين أنشأوا نشاطات اقتصادية دائمة هناك. السيدة " ام علي" وهي ام لثلاث اولاد ايتام قٌٌتل زوجها قى العراق فقامت ببيع منزلها وأخذت أولادها الثلاثة وهربت الى مصر بحثا عن الامن والامان لكنها تفاجأت بمعاناة أخرى ألا وهي معاناة الاقامة، وعلى الرغم من أنها أستطاعت أن تشترى بيتا فى مصر الا إنها لم تتمكن من الحصول على الإقامة السنوية فمنحتها الحكومة المصرية شهر واحد فقط ويجدد لها واولادها طلاب المدارس الذين ألحقتهم بالمدارس الاهلية ذات المصروفات المرتفعة، ولم يفارق الخوف والقلق قلب أم على. أما عن حال الطلبة العراقيين فيجسدها جهاد وحسين ومازن وهم طلبة في جامعة مصر بكلية طب الأسنان وهى أحدى الجامعات الخاصة التى تتعدى مصروفات السنة الدراسية الواحدة أكثر من ألفى دولار، جاء هؤلاء الطلبة مثل الآلاف من زملائهم الفارين من الموت ولا يعلمون هل سيستطيعون استكمال دراستهم أم سيتوقفون بسبب عدم استقرار مسألة الإقامة، وعدم وجود دخل ينفقون منه على الدراسة. يذكر أنه لا يوجد في مصر تشريع وطني خاص بأوضاع اللاجئين، ورغم تصديقها على البروتوكول واتفاقية جينيف الخاصين باللاجئين فقد تحفظت مصر على عدد من المواد هي المادة 12 (الوضع الشخصي)، والمادة 20 (توزيع الحصص) المادة 22 (الحصول على التعليم الإلزامي/الأساسي حتى سن ال15سنة)، والمادة 22 (الحصول على المساعدة والغوث العام)، المادة 24 (تشريع العمل والأمن الاجتماعي) . كما أن لديها تحفظات على المادة 17 من الاتفاقية المتعلقة بالعمل بأجر أو المادة (18) المتعلقة بالتوظيف الذاتي(أي العمل الحر). ووفقاً لقانون العمل الموحد بمصر (رقم 12 لسنه 2003م) يعامل اللاجيء كأجنبي لا يحق له العمل بمصر إلا بترتيبات معينة، و فى اختصاصات مطلوبة وغير متوافرة في السوق المحلي للعمالة. وفي حالات معينة تقوم الحكومة المصرية باستثناء بعض اللاجئين من هذه التحفظات بالأخص في مجال التعليم، مثل اللاجئين الفلسطينيين- والسودانيين، والأمر متعلق بالأساس بقدرة ورغبة الدولة المضيفة في تقديم هذا الاستثناء، وعمليا يقوم كثير من اللاجئين بالعمل دون إذن خاص، ولكن دون تأمينات صحية واجتماعية أيضاً. • اسلامنا واحد لجأ العديد من العراقيين المقيمين في مصر إلى طريقة لضمان عدم ترحيلهم، وتحصين أنفسهم من أية إجراءات قد يتم اتخاذها بحق اللاجئين العراقيين، وتمثلت هذه الطريقة في البحث عن فتاة مصرية تقبل الزواج مقابل منحها مبلغ 30 ألف جنيه بهدف الحصول على الإقامة الدائمة في مصر، بعد رفض السلطات المصرية منح تأشيرات للعراقيين منذ مارس الماضي من خلال شركات السياحة، بعد أن رفعت هذه الأخيرة أسعار التأشيرة من 80 دولارًا لأكثر من ألف دولار. وتنتشر هذه الظاهرة في مناطق تجمعات العراقيين في مصر. السفير عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق علق على هذه الظاهرة قائلا أن الوضع القانوني للعراقي المتزوج من مصرية، هو أنه سيكون له الحق في الإقامة دون الحصول على الجنسية المصرية. وأوضح أن الحالات التي يتم بموجبها إعطاء الجنسية المصرية للأجانب؛ هي: أن يتم إثبات إقامته في البلاد لمدة 10 سنوات متصلة، حتى يمكن الحكم أنه قد انسجم مع المجتمع المصري، ثانيًا: أن لا يكون قد اتهم بارتكاب جريمة من الجرائم المخلة بالشرف أو الخيانة أو التجسس، ثالثًا: أن يكون قدم خدمات جليلة للوطن والمخول في تلك الحالة بإعطاء الجنسية هو رئيس الدولة. و حول إمكانية أن يثير هذا النوع من الزواج مخاوف الحكومة المصرية، بسبب ما قد يترتب عليه من زواج مصريات من عراقيين قد ينتمون للمذهب الشيعى، أكد السفير عبدالله الاشعل إنه لا يوجد سند قانوني أو ديني لمنع زواج مصرية من رجل شيعي، وأن الحكومة المصرية لا تملك سندًا قانونيًا لوقف هذه الزيجات. ورأى أن مشكلة اللاجئين العراقيين في مصر سيتم حلها في حال خروج المحتل الأمريكي من العراق. • مجتمع دولي ظالم بدوره طالب مدير مركز حقوقي في القاهرة بحل لمعاناة اللاجئين العراقيين بمصر في ظل ما اعتبره تقاعسا وإهمالا دوليا وعربيا عن منحهم حق اللجوء، لافتا إلى أن جيلا من أبناء اللاجئين سيحرم من التعليم و الاستقرار. فيما حمّل المركز في بيان له الولايات المتحدة النصيب الأكبر من هذا الإهمال باعتبارها "صاحبة قرار الحرب على العراق." وقال وجدي عبدالعزيز، مدير مركز الجنوب لحقوق الإنسان الذي يتخذ من القاهرة مقراً له إنه يتوقع أن تزداد معاناة اللاجئين العراقيين بمصر مع تجديد الإقامة وربما يدفع هذا العديد منهم لمغادرة البلاد. وأضاف أن "اشتراط الإقامة لتسجيل الأبناء بالمدارس قد يؤدي لمزيد من التسرب من التعليم بالإضافة لما ضاع من سنوات سابقا بسبب الأوضاع الاقتصادية في فترة الحصار بالتسعينيات أو بسبب العنف المستشري في الأعوام الأربعة الأخيرة، مما سيخلق بين أبناء اللاجئين العراقيين جيلا من النشء غير المسلح بالعلم ويصبح فريسة للأفكار المتطرفة، وشبه عبدالعزيز هؤلاء بالقنابل الموقوتة التي ستهدد قطعاً أي محاولة لإرساء سلام داخلي بالعراق. كما دعا عبدالعزيز إلى لم شمل الأسر العراقية التي قد تصبح مشتتة بين أكثر من بلد بسبب تفاوت إجراءات الإقامة. وطالب المركز الحكومة المصرية بتسهيل تمتع اللاجئين العراقيين بالرعاية الصحية والسكن والتعليم، والعمل على تشجيع ودعم منظمات المجتمع المدني لتقديم الخدمات القانونية والإنسانية والاجتماعية للاجئين العراقيين، والعمل على إتاحة فرصة أكبر أمامهم لإعادة التوطين في دول أخرى بما يتناسب مع أعدادهم المتزايدة تطبيقاً للالتزامات الدولية تجاه اللاجئين العراقيين. تخفيف القيود ومن جانبه قال السفير هاني خلاف مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية أنه لا توجد أي مشكلة بالنسبة للاجئين العراقيين في مصر باستثناء رغبة أعداد كبيرة منهم في الالتحاق بالمدارس الحكومية، مشيرا إلى أن وزارة التربية المصرية قد التفتت الى معاناة العوائل العراقية اللاجئة وسمحت بدخول أعداد من الطلبة العراقيين ممن تنطبق عليهم شروط الالتحاق الى المدارس الحكومية المجانية، بعد أن كان الطالب العراقي محروما منها خلال السنوات الماضية، وذلك فى محاولة من الحكومة المصرية لتخفيف بعض القيود عن أخواننا اللاجئين العراقيين. وقال خلاف إنه تم تحديد عدد من المبادئ السياسية الحاكمة بالنسبة لطريقة التعامل مع اللاجئين العراقيين منها ضرورة أن تكون ظواهر النزوح واللجوء مؤقتة وأن يستهدف فيها العودة مرة أخرى طواعية للعراق في أقرب وقت عندما تحين الظروف الأمنية الملائمة. وأضاف أنه تم أيضا التأكيد على أن ظاهرة النزوح واللجوء لا ينبغي توظيفها في محاولة إعادة رسم الخريطة السياسية والديمغرافية في العراق، موضحا أن مصر تقدم الخدمة التعليمية والصحية والإسكان وإتاحة الفرصة للاجئين للتحرك العملي بحرية في مجالات الفن والثقافة والإعلام. وبالنسبة لتأشيرات الاقامة فقد ألغت السلطات المصرية قرارها بحظر تأشيرات دخول العراقيين الي القاهرة وخففت القيود المفروضة عليهم وهذا ما كشف عنه رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف حيث أكد استعداد بلاده لتسهيل منح تأشيرات الدخول للعراقيين الى مصر بشرط مراعاة الضوابط الأمنية والسياسية المصرية. و تم "تقنين أوضاع العراقيين الموجودين في مصر بما يتيح لأبنائهم الالتحاق بالمدارس ومنحهم إقامة لمدة عام، بموجب شهادة قيد دراسي معتمدة، والعمل على لم شمل الأسر العراقية لأقاربهم من الدرجة الأولى في الأسرة الواحدة". • وفي الختام نؤكد من خلال قراءات في كل ما كتب عن معاناة العراقيين سواء عبر مراكز بحوث او كتاب او مفكريين على ان ما يتعرض له العراقيون كمواطنيين بمختلف أطيافهم مأساة لا بد من تضافر الجهود الدولية والأقليمة والعربية الأسلامية لوضع نهاية عادلة لها، وتلك النهاية لن تتحقق بدون ان يغادر الغزاة الأمريكيين هذا البلد تمكن العراقيين جميعا من العودة الى وطنهم، ويقع على كاهل الأمم المتحدة التي أصبغت الشرعية على عملية غزو العراق دورا ً كبيرا ً في تخفيف المعاناة على أخواننا اللاجئين وهو نفس الدور الذي يجب ان تلعبه دول الجوار العراقي مجتمعة. وربما تتفهم القاهرة ذلك جيدا وتحاول ان تدعم العراقيين حكومة وشعبا في حدود امكاناتها.