متحف فاطمي مفتوح فى قلب قاهرة المعز
Nov ٢٧, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
وصفه المؤرخون بأنه اكثر شوارع العالم ثراء وغناء بالآثار الاسلامية... فاذا دخلت إليه تتحرك حواسك حيث تغمرك الروائح الطيبة المنبعثة من المسك والعنبر والعود والبخور... أما عيناك فتتمتعان بفنون عمارة أزهى وأروع
هدى امام مراسلتنا من القاهرة وصفه المؤرخون بأنه اكثر شوارع العالم ثراء وغناء بالآثار الاسلامية... فاذا دخلت إليه تتحرك حواسك حيث تغمرك الروائح الطيبة المنبعثة من المسك والعنبر والعود والبخور... أما عيناك فتتمتعان بفنون عمارة أزهى وأروع مساجد عرفتها القاهرة في روعة تصميمها ... أنه شارع المعز لدين الله الفاطمى... الذى ينبعث منه عبق التاريخ وعظمة الحضارة الاسلامية التى تركها الفاطميون لأبناء مصر, وتقديرا لما يحتويه شارع المعز لدين الله الفاطمي من تحف معمارية شيدها الفاطميون قررت وزارة الثقافة المصرية تحويل هذا الشارع العريق والعتيق إلى متحف مفتوح للآثار الإسلامية. • من هو المعز تولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية في سنة 341هـ = 952م خلفا لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين، وكان المعز رجلا مثقفا يجيد عدة لغات مولعا بالعلوم والآداب متمرسا بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها كيسا فطنا يحظى باحترام رجال الدولة وتقديرهم. وانتهج المعز سياسة رشيدة، فأصلح ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة، ونجح في بناء جيش قوي، واصطناع القادة والفاتحين وتوحيد بلاد المغرب تحت رايته وسلطانه ومد نفوذه إلى جنوب إيطاليا. ولم تغفل عينا المعز لدين الله عن مصر، فكان يتابع أخبارها، وينتظر الفرصة السانحة لكي يبسط نفوذه عليها، متذرعا بالصبر وحسن الإعداد، حتى يتهيأ له النجاح والظفر وبالفعل حشد المعز لدين الله لفتح مصر جيشا هائلا بلغ 100 ألف جندي أغلبهم من القبائل البربرية وجعل قيادته لواحد من أكفأ القادة هو جوهر الصقلي الذي نجح من قبل في بسط نفوذ الفاطميين في الشمال الأفريقي كله وخرج المعز في وداعهم في 14 من ربيع الأول 358هـ = 4 من فبراير 969م ولم يجد الجيش مشقة في مهمته ودخل عاصمة البلاد في 17 من شعبان 358هـ = 6 يوليو 969م دون مقاومة تذكر، وبعد أن أعطى الأمان للمصريين. وقضى المعز لدين الله القسم الأكبر من خلافته في المغرب، ولم يبق في مصر إلا نحو 3 سنوات، ولكنها كانت ذات تأثير في حياة دولته، فقد نجح في نقل مركز دولته إلى القاهرة، وأقام حكومة قوية أحدثت انقلابا في المظاهر الدينية والثقافية والاجتماعية في مصر، ولا تزال بعض آثاره تطل علينا حتى الآن، وجعل من مصر قلبا للعالم الإسلامي ومركزا لنشر دعوته الإسماعيلية والتطلع إلى التوسع وبسط النفوذ. وقد قامت القاهرة بعد ذلك بدورها القيادي حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول، وهو ما يثبت أن العالم الإسلامي كان بحاجة إلى مركز متوسط للقيام بمثل هذه الأدوار، وهذا ما تنبه إليه الفاطميون وأثبتته أحداث التاريخ من قديم الزمان. • كسوة الكعبة ومواكب الاحتفالات وشارع المعز لدين الله الفاطمى هو الشارع الرئيسي الذي أنشأه الفاطميون للمرور لمدينة القاهرة القديمة والتي كانت عاصمة الدولة الفاطمية الشيعية وقد سمي قبل ذلك بشارع (بين القصرين) وهو الشارع الذي كانت تمر من خلاله مواكب الاحتفالات بالمحمل وكسوة الكعبة المتجهة الى الأراضي الحجازية المقدسة والمسماة بالسعودية حاليا نسبة الى الأسرة الحاكمة هناك، وذلك قبيل أن يقوم السعوديون بالتكفل بالحاج وكسوته بعد الحقبة النفطية. ومن هذا الشارع خرجت القاهرة إلى الحياة لأول مرة... أطلت على الدنيا منذ ألف وستة وخمسين عاما... ومازال الشارع برغم أنه يدخل الآن القرن الحادي عشر من عمره وكأنه لم يزد عن الأمس إلا ساعات قليلة. ولو ألقينا نظرة على ملامح الشارع ومبانيه العتيقة والقديمة قدم الزمن نفسه نجد المشربيات والجوامع والتكايا والأسبلة والكتاتيب والحمامات والوكالات والخانات, بل والناس أيضا كأنهم امتداد طبيعي وتاريخي للحياة في القاهرة الفاطمية منذ ألف سنة! وفى هذا الشارع عاش السلطان قطز قاهر المغول في موقعة عين جالوت في وادي بيسان بالأردن عام1260 ميلادية... ومخلص العالم الإسلامي بل الدنيا كلها من خطر المغول... وهو الذي صان لأوروبا حضارتها من أن تدوسها أقدام المغول الزاحفة بقيادة تيمورلنك الأعرج! وفي نفس الشارع عاش الظاهر بيبرس وسيرته الشعبية مازالت على ألسنة الناس الذين مازالوا يتوارثون الحياة وما بقي من التاريخ البعيد داخل شارع المعز لدين الله... وهو الآخر قاهر المغول، بل إن ابنت ملك المغول بركة خان قد تزوجت من الظاهر بيبرس بعد أن أسلم والدها وجاءت إلى هذا الشارع يوما أول عروس من جنس المغول! وفي وسط الشارع نفسه هجم خصيان وجواري الأمير على ابن سلطان مصر عزالدين أيبك علي شجرة الدر أول ملكة تحكم المسلمين قديما وحديثا وقتلوها بالقباقيب والنعال. وعلى كل شارع المعز لدين الله الفاطمي هو في الحقيقة كتاب حي مفتوح للزائرين لكي يقرأوا بالعين المجردة تاريخ مصر الفاطمية عبر رحلة طولها ألف سنة. في هذا المكان كان سور القاهرة القديم الذي كان طوله1302 ذراع. ولقد كان للقاهرة يوم شيدها الفاطميون أحد عشر بابا... حيث كانت مدينة مغلقة... في الليل تغلق الأبواب الأحد عشر, وفي النهار تفتح... ولم تعلن القاهرة مدينة مفتوحة إلا منذ500 سنة فقط عندما جاءها السلطان العثماني سليم ودخلها وضمها الى خلافته الاسلامية. • مساجد لها تاريخ ومن ابرز معالم شارع المعز لدين الله الفاطمي هو ما يضمه هذا الشارع من مساجد أثرية شيدها الفاطميون لتكون شاهدة على حضارتهم, فعند مدخل الشارع يقع جامع السلطان قلاوون وهو واحد من أروع الآثار الإسلامية حيث تتميز قبته بنقوشها وزجاجها الملون تتغير أشكالها وألوانها مرة كل ثلاث ساعات مع تحرك الشمس من الشرق للغرب. كما نجد مسجد اخر وهو جامع الفكهاني وعمره"870 سنة " وله حكاية حقيقية: فقد أراد جزار أن يذبح كبشا ذات يوم فما كان من الكبش إلا أن أمسك السكين بفمه وألقاها بعيدا.. وتصادف أن كان الخليفة يمر فوق حصانه في الوقت نفسه, فشاهد الواقعة فأمر بألا يذبح الكبش, وأن يقام في المكان نفسه جامع حمل فيما بعد اسم الفكهاني! أما أجمل المساجد الفاطمية جامع الأقمر وقـد بناه الـوزيـر المـأمون بن البطايحى بأمر من الخليفة الآمر بأحكام الله أبوعلي المنصور سنة 519هـ 1125 م وتعد واجهة جامع الأقمر أول واجهة مزخرفة في المساجد المصرية, أما جامع المؤيد فعمره 603 سنوات, فكان فى الاصل سجن يجري داخله أصناف العذاب والوحشية ما تشيب لها الرؤوس.. وكان السلطان المؤيد الذي بنى الجامع من نزلاء هذا السجن الرهيب يوما ما, فدعا الله إن خلصه من هذا العذاب أن يبني مكانه دارا يذكر فيها اسم الله, وبالفعل بر السلطان بوعده عندما خرج من هذا الجحيم, وأقام هذا الجامع الملاصق لباب زويلة. ونجد فى شارع المعز أيضا جامع أحمد ابن طولون ثالث جامع أنشيء بمصر الإسلامية بعد جامع الفسطاط , وجامع العسكر, وجامع ابن طولون أول جامع في مصر تقام فوقه مئذنة يؤذن من فوقها للصلاة. ونأتي الى جامع الحاكم بأمر الله رابع الخلفاء الفاطميين والذي يحمل لقب جامع الخليفة اللغز! حيث يقول عنه شيوخ شارع المعز لدين الله الفاطمي أن هذا الجامع العظيم مازال ينعي صاحبه الذي خرج فوق حماره في السابع والعشرين من شعبان عام410 هجرية منذ986 سنة.. إلى جبل المقطم يتعبد وحده كعادته كل مساء.. واختفى الحاكم بأمر الله من يومها ولم يعثروا له على أثر. • مراحل التطوير في معرض توضيحه لمشروع تحويل شارع المعز لدين الله الفاطمى الى متحف أسلامى قال وزير الثقافة المصري فاروق حسني إن هذا المشروع يأتي على اساس خطط تطوير وانقاذ آثار القاهرة التاريخية ومن ضمنها 34 أثراً مهماً تقع في شارع المعز لدين الله الفاطمي تمهيداً لتحويل الشارع الى متحف مفتوح للآثار الإسلامية بعد تطوير هذا الشارع واعادته الى الوضع الذي كان عليه ايام الفاطميين وقصر المرور فيه على المشاة فقط. ومن جانبه قال المهندس حسين احمد المستشار الهندسي لوزير الثقافة انه تم تقسيم مشروع تطوير شارع المعز إلى أربع مراحل الأولى من منطقة آثار قلاوون حتى سبيل عبدالرحمن كتخدا والثانية من مجموعة قلاوون حتى شارع بيت القاضي والثالثة من سبيل عبدالرحمن كتخدا حتى شارع أمير الجيوش والمرحلة الأخيرة من شارع أمير الجيوش حتي بوابة الفتوح وتم بالفعل الانتهاء من المرحلة الثانية وجاري العمل لإنجاز باقي مراحل المشروع ليكون جاهزا للافتتاح خلال الفترة المقبلة. وأوضح أن الوزارة أعدت مخططات متكاملة للشارع بالتنسيق مع أهالي المنطقة من خلال تحديد مواعيد فتح الشارع من الحادية عشرة ليلا أمام السيارات للاغراض التجارية وحتى الثامنة صباحا مع تزويد الشارع ببوابات الكترونية تسمح بفتح الشارع نهارا خلال الطواريء والاسعاف من خلال نقاط أمنية محددة اضافة لتزويد الشارع بدورات مياه وأماكن خدمات للسائحين والزائرين بطول الشارع بامتداد 1200 متر من باب الفتوح حتي باب زويلة. • الخاتمة حرص السلطات المصرية على المحافظة على ما توارثه ابناء مصر من تراث حضاري وأسلامى ومعمارى فاطمي ربما لكون ان الحضارة الفاطمية لاقت هوى في نفوس الأغلبية العظمى من ابناء مصر التي تعتنق الإسلام وتجل اهل البيت رضوان الله عليهم اجمعيين، وتحرص على التمسك بما خلفه الفاطميون من حضارة وسنن حميدة في مناسباتهم الدينية المختلفة، ومن ثم جاء قرار وزارة الثقافة المصرية بجعل شارع المعز لدين الله الفاطمى متحف مفتوح إذا يضم عددا من المساجد والعمائر الاسلامية والحربية والدينية والاجتماعية والتعليمية التى أنشأها الفاطميون، ويرى الدكتور أحمد محمود أستاذ التاريخ المصري في العصر الإسلامي أن أيام الفاطميين شهدت فيها القاهرة حالة من الضخامة والبهاء بشكل كبير بل لم يمض نصف قرن فقط على قيام القاهرة الفاطمية حتى كانت مساجدها وقصورها ومرافقها من أعظم مدن الدول الاسلامية والعربية.