بومبات مراسلنا في سجن المسكوبية - الحلقة(1)
Dec ٠١, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد حفل إفطار جماعي ضم عددا من الصحافيين في إحدى المؤسسات الإعلامية في مدينة رام الله، عدت إلى المنزل في ساعة متأخرة، الهدوء يخيم ضاحية الإرسال شمال مدينة
عبدالرحمن مصلح مراسلنا من رام الله الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد حفل إفطار جماعي ضم عددا من الصحافيين في إحدى المؤسسات الإعلامية في مدينة رام الله، عدت إلى المنزل في ساعة متأخرة، الهدوء يخيم ضاحية الإرسال شمال مدينة رام الله حيث مكان سكني، السماء صافية والقمر في تلك الليلة بدرا، لم أكن أعلم ماذا يخبئ لي هذا السكون المطمئن، دخلت إلى المنزل وكعادتي أقوم بتصفح الأخبار السياسية التي هي إحدى هواياتي منذ أن كنت في سن العاشرة على القنوات الفضائية، وعملت تصفحا سريعا على الشبكة العنكبوتية، وكان آخر خبر قرأته هو البيان الذي يصدر عن نقابة الصحفيين في انتهاك الحريات الصحفية في اليوم الدولي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني والذي كان يصادف يوم اعتقالي. الساعة الآن الثانية صباحا، وبينما أستعد لأخلد في فراشي وإذا بآليات عسكرية تكسر السكون والهدوء وتقوم بمحاصرة منزلنا الصغير، وبينما ألقي نظرة خاطفة من النافذة وإذا بعشرات الجنود ينزلون من ناقلاتهم ويحاصرون المنزل من جميع الاتجاهات، بدأ التوتر يخيم ليس فقط على أهل البيت، إنما على جميع المنطقة، للوهلة الأولى عرفت أن هذه عملية اعتقال، لم أتفاجأ من محاصرة جيش الاحتلال للمنزل بناء على توقعاتنا المستمرة، وبطبيعة الحال كنت أتوهم أن المستهدف هي والدتي على اعتبار أنها وزيرة سابقة وعضو منتخبة في المجلس التشريعي حيث يقبع أكثر من 45 نائبا في المجلس التشريعي داخل سجون الاحتلال لا لذنب سوى أنهم منتخبين بطريقة حرة ونزيهة. بدأوا بدق الباب بطريقة مروعة سمع صداها سكان المنطقة، هذا عدا عن الصراخ وتصويب البنادق على رؤوسنا، وعندما قمنا بفتح الأبواب وتشغيل الأضواء، اقتحموا المنزل وكان من ضمنهم جنودا مقنعين، وقال لي أحد الجنود وبصراخه وبعربية فصحى: اجمع كل العائلة في غرفة الضيافة. ما إن اجتمعنا في غرفة الضيافة بدأ الضابط في سؤال إخواني عن أسماءهم إلى أن وصل إلي وقال لي: ما اسمك أنت؟ أجبته عبدالرحمن، وبطريقة سريعة أحاط بي عددا كبير من الجنود وصوبوا بنادقهم نحو رأسي وقال لي احدهم وبصراخ: مااسمك الرباعي؟ أجبته باسمي الرباعي، منذ دق الباب وحتى اسمي الرباعي مضت فترة أقل من دقيقتان. وسرعان ما دخل ضابط المخابرات المرافق مع هذه القوات الكبيرة وحيانا بتحية الإسلام!!!، عرفنا عن نفسه وقال بأنه مسئول المنطقة في جهاز المخابرات الإسرائيلية أو ما يسمى بالشاباك. جلسنا جميعا مع هذا الضابط وبدأ يسألنا واحدا تلو الآخر عن أمور شخصية، مااسمك، ماذا تعمل، أين تعمل، رقم جوالك، بريدك الالكتروني... الخ، انتهى هذا الضابط من جمع المعلومات الشخصية ونظر إلي بطريقة خبيثة وقال أريد أن أفتش المنزل، وأريد شخص من أفراد العائلة يصحبني ويعرفني على المنزل... وأكمل قائلا: أنا أرى في عبدالرحمن شخص محترم وأرغب أن يرافقني. أيها الخبيث ماذا تقصد بأنني محترم، عرفت من هجومهم علي ومن طلبهم باسمي الرباعي أنني المستهدف وليس أمي كما كنا نتوقع، فعن أي احترام يتحدث هذا المحتل. اصطحبته في كافة أنحاء المنزل لم يعبث بأي محتوى من محتويات المنزل باستثناء الجنود الذين يفتشون غرفة والدتي الخاصة وكانوا بصحبة أبي، وأخيرا وصلت به الى غرفتي الخاصة، وهناك انقلب الجنود من حالة الهدوء إلى حالة الاستنفار وبدأوا بتفتيش الغرفة تفتيشا دقيقا، وأخذوا العديد من الملفات والأوراق التي تخص عملي وصادروا من المنزل بعدها جهازي حاسوب أحدهم جهاز محمول، وعدد من الأجهزة الخلوية إضافة إلى أوراق تخص والدتي البرلمانية. وبعد أن اخبروني أنني رهن الاعتقال، أتت والدتي بكأس من الماء لأن موعد اذان الفجر قد اقترب، صار يستهزئ ويقول ربما يمكث أيام من دون أن يرى الماء، وصار يهددني ليدمر من نفسية عائلتي أنني ربما أمكث سنين في السجن، قلت له: أيها الكابتن يجب أن نذهب الان يكفي ذلك، أريد أن ينتهي الموضوع ليخرجوا من المنزل بأسرع وقت، لا داعي لإطالة الترويع. اقتادوني خارج المنزل لأرى مشهدا مدهشا، يا الهي الحي بأكمله محاصر وليس فقط المنزل، أكثر من ثلاثين آلية عسكرية محملة بعشرات الجنود تحاصر المنطقة، كل هذا لأجلي، من أنا يا ترى، هل أستحق كل ذلك؟! ما إن ألقيت النظرة الأخيرة على المنطقة قبل تعصيب عيناي وتقييد يداي، اقتادوني لإحدى الآليات وجلست فيه ثم انسحبت هذه القوات من كل المنطقة، تساءلت في نفسي، إلى أين سأذهب؟ الله أعلى وأعلم. وكلت أمري إلى الله تعالى ولم يبق لي سوى الدعاء إلى الله تعالى أن يلطف بي. أقل من عشرة دقائق وصلت بي القوات إلى إحدى معسكراتها، هو بالتأكيد معسكر بيت ايل شمال المدينة على اعتبار أن المسافة قريبة، وأنزلوني من الجيب، واقتادوني الى غرفة جلوس يبدو أن الجنود يجلسون بها لأوقات استراحتهم، سمعت أصوات كثير من الجنود، وتقدم علي احدهم ومن صوته يبدو أنه لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره وأخرج هاتفه النقال من جيبه وأخذ بتصويري وأنا معصب العينين لكي تكون له ذكرى لأصدقائه وصديقاته و ربما ليكذب عليهم ويقول هذا انا ألقيت عليه القبض وهو إرهابي كبير، ولكن بحمد الله كان تعصيب العينين ليس مؤذيا كثيرا، فكنت أستطيع أن أشاهد خيالات وأميز بها الأشياء. سألني هذا الجندي وبعربية عامية ومكسرة ( غير واضحة كثيرا ): شو اسمك؟ التزمت الصمت، وكرر لي السؤال أكثر من مرة وأنا ملتزم الصمت، ثم تقدم عدد من الجنود والمجندات إلي وبدأوا بالضحك جندي يسألني أين اسكن، وأخر يسألني هل أنت حماس أم فتح؟! ثم جاء عليهم احد الضباط وتحدث معهم بلغتهم العبرية، وسرعان ما تفرقوا ولم يبق أحد يحدثني. لا أدري ما هي الساعة الان ولكن بالتأكيد لم تتجاوز السادسة صباحا، النعاس بدا يسيطر علي، ولا اعلم أين سأقيم نومي القادم حتى الآن، وبطبيعة الحال مازلت معصب العينين مقيد اليدين، لم أستطع النوم بسبب عدم وجودي في موقع مريح إضافة إلى ذلك التفكير الذي بدأت أفكر به عن أسباب اعتقالي والذي هولها ذلك المسئول الذي شارك في اقتحام البيت. وبعد وقت ليس بالقصير، جاء جنديان واقتادوني إلى سيارة وجلست فيها، ثم تحركوا بي وأنا الآن أرى الخيالات التي تحيط بي، وعلى اعتبار معرفتي بالطرق استطعت من الطريق التي سلكوها توقعت أنني سأذهب الى المدينة المقدسة والتي لم أدخلها منذ سنين، ولكن لن أذهب للعبادة إنما إلى التحقيق، حيث يوجد في القدس الغربية مركز المسكوبية للتحقيق وهو مشهور بقساوته حتى وصل الفلسطينيون الى تسميته بالمسلخ، أو مدفن الأحياء، أنا لم يسبق لي أن رأيت هذا المركز ولكنني سمعت عنه كثيرا. وصلوا بي الى مركز التحقيق واقتادوني إلى داخله وما زالت عيناي معصبتان، نظرت إلى الأسفل لأرى يد الجندي الذي يمسك بقميصي لأرى الساعة قد وصلت التاسعة صباحا، وفي الداخل أزيلت العصبة عن عيني لأرى رجلا بزي الشرطة، وكما كنت أتوقع أنا الآن في مركز تحقيق المسكوبية وان الجيش جاء بي إلى هنا ليسلمني إلى الشرطة في مركز تحقيق المسكوبية وهو أيضا من أكبر مراكز تحقيق المخابرات ( الشاباك ) في البلاد. وقال لي الشرطي فورا يحق لك أن تأتي بمحامي يدافع عنك في المحكمة وأنت الآن في مركز تحقيق المسكوبية، وكلت أمري إلى الله تعالى وبدأت في الواقع الجديد الذي قدره الله تعالى لي، وسمعت كثيرا عن هذا المركز وقرأت عنه في الكتب، وأنا الان أنتظر المفاجآت في الداخل، ماهي شكل الزنزانة التي سأدخلها وما هو شكل المحققين، وكم سأمكث هنا، والأمر الأهم، لماذا أنا هنا؟! وبعد أن سلمت الى الشرطة اقتادني الشرطي الى غرفة صغيرة وقال لي اخلع جميع ملابسك وبطريقة مذلة فتشني تفتيشا دقيقا، واقتادني إلى عيادة المركز وأجروا لي فحصا طبيا سريعا، وصورني عدة صور تشخيصية، واقتادني إلى عمق المركز حيث الزنازين، ألبسني نظارة سوداء لم أرى منها أي شيء وبعد عدة أمتار خلع النظارة وأدخلني إلى الزنزانة التي طالما سمعت وقرأت عنها، ولأول مرة في حياتي يقفل علي الباب من الخارج. في داخل الزنزانة مكتوب على حيطانها بالصابون، واول شيء قرأته هي الآية الكريمة إن الله مع الصابرين. يا الهي كم أسير دخل قبلي هنا وكم أسير سيدخل بعدي. وللتوضيح أنا لست في سجن أنا في زنزانة، ولأوصف الزنزانة، ثلاثة أمتار طول ومتران عرض ومتران في الارتفاع، حيطانها باللون السكني والمعروف بكآبته، الحائط خشن جدا بحيث لا يستطيع الشخص أن يرتاح عليها ومكتوب على حيطانها آيات من القران الكريم وأسماء معتقلين كانوا في هذه الزنزانة لتكون هذه الحيطان شاهدة على فلان وفلان وفلان وعبدالرحمن أنهم أتوا إلى الزنزانة رقم 14، يوجد مصباح باللون الأصفر الخافت والمزعج للنظر، هذا الضوء يبقى شغالا طوال الأربع والعشرين ساعة، في داخل هذه الزنزانة الانفرادية يوجد مرحاض ومغسلة ماء صغيرة الحجم تعمل على كبسة زر وتفتح الماء لمدة أقل من ثلاث ثواني في كل كبسة، يوجد مكيف يعطي الهواء البارد صوته مزعج وساحب للهواء أو (شفاط هواء) وصوته مزعج أيضا، هذا في داخل الزنزانة ولا أعلم ما سيدور خارجها بعد أن أذهب الى التحقيق، وأنا الآن أتساءل كيف سأتكيف مع هذه الزنزانة المزعجة؟