رحلة فك الحصار
Dec ٠١, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
عُدت الى القاهرة وأنا في حالة ذهول مما شاهدته ومما رأيته وعشته من تجاوزات أرتكبتها الأجهزة الأمنية المصرية ضد ثُلة من المواطنين الخيرين من أبناء مصر الذين أستشعروا أن واجبهم الديني والأخلاقي يُحتم عليهم
هدى امام مراسلتنا من القاهرة عُدت الى القاهرة وأنا في حالة ذهول مما شاهدته ومما رأيته وعشته من تجاوزات أرتكبتها الأجهزة الأمنية المصرية ضد ثُلة من المواطنين الخيرين من أبناء مصر الذين أستشعروا أن واجبهم الديني والأخلاقي يُحتم عليهم تحركا ً محمودا من أجل فك الحصار عن الأهل في غزة ودعم العالقين في مطار العريش، وبالفعل تحركوا لإنقاذ أخوانهم في الإيمان والإنسانية من الموت جوعا ً ومرضا ً، إلا أن رجال الأمن وبالتحديد الشرطة وقد صدرت لهم تعليمات عليا بمنع هؤلاء الناشطين من تحقيق اهدافهم، قالوا لنا أنكم ممنوعون بحكم اتفاقيات كامب ديفيد من دخول المنطقة ج أي (مثلث العريش ورأس محمد) وبالفعل أحتجزونا قبيل الوصول الى العريش بمسافة 30 كيلو متر، وفرضوا علينا حصارا يرقى لمصاف الإعتقال وهددوا بأستخدام كافة الأساليب ضدنا ما لم نعد مرة أخرى الى القاهرة كما جئنا، لم يكن ذلك حلما رأيته في منامي انما تجربة عشتها وعايشتها والآن أرويها - نعم لقد تم منعنا من دخول سيناء ونحن مصريون-! • قافلة رفح فلقد نظمت قوى وطنية إسلامية قافلة مساعدات تحمل مواد طبية وغذائية أستهدفت كسر الحصار المفروض على قطاع غزة بفلسطين المحتلة وارسال رسالة لأهلنا المحاصرين هناك بأن الشعب المسلم والعربي في مصر معهم، وأيضا ً أستهدفت القافلة دعم أوضاع أخواننا الصامدين والعالقين فى مطار العريش تحت حراسة الشرطة المصرية من أبناء غزة، واعلان التضامن معهم والرفض القاطع لإغلاق معبر بوابة صلاح الدين (الشهيرة برفح)، والذي يفصل ما بين مصر وفلسطين المحتلة، وهو الأغلاق الذي يتم بتنسيق ثلاثي بين السلطة الفلسطينية والحكومة المصرية والكيان الصهيوني وبتواطيء اوروبي امريكي في ظل صمت عربي مخزي. • لجنة كسر الحصار ولقد تلقينا دعوة كريمة من حزب العمل للمشاركة في تلك القافلة ومصاحبتها منذ خرجت في الساعة الثامنة من صباح الجمعة الماضية من قلب القاهرة متوجهة شرقا صوب شبه جزيرة سيناء، وكان الغضب واضحا ً في أحاديث الناشطين المشاركين فيها والذين وصفوا ما يتعرض له اهلنا في غزة بأنه خيانة لا تليق بتاريخ مصر وفق ما ذكره لنا عالم الجيولوجيا الأستاذ الجامعي الدكتور يحي القزاز مؤكدا بأن هذا الحصار يشكل قتلا ً بطيئا ً لأخواننا فى غزة, أما الامين العام لحزب العمل مجدى أحمد حسين والذي اشرف على الاعداد والتنظيم لتلك القافلة وقام بقيادتها وصف هذا الحصار بأنه أسلوب لا يرضى عنه الله ورسوله والأنسانية الخيرة جمعاء ولا يجوز تحت أي حال من الأحوال السكوت عليه ومواجهته والعمل على كسره وفكه فرض على كل مسلم وعلى كل انسان يحب الخير وعلى كل من آمن بالله واليوم الآخر، وكان مجدي احمد حسين يتحدث وهو في قمة الغضب تجاه السياسة الرسمية المصرية الراهنة. وكانت تلك القافلة انطلقت بنا من القاهرة في طريقها إلى رفح على الحدود الفلسطينية في أول محاولة عملية من قبل حزب شرعي مصري للمطالبة برفع الحصار عن إخواننا في غزة، ولقد شارك في القافلة الى جانب قيادات من حزب العمل لفيف من الكتاب والساسة والفنانين واساتذة الجامعات، ويندرج المنظمون لتلك القافلة تلك تحت غطاء قومي وهو "اللجنة المصرية لفك الحصار عن غزة " وهي لجنة يقول عنها محمد عبد القدوس رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين هدفها الرئيسى هو الكفاح بكل السبل لإنهاء هذا الوضع الشاذ والمتمثل فى ابقاء أكثر من مليون ونصف فلسطينى عربى مسلم تحت الحصار الشامل الجامع المانع فى قطاع غزة الذى يقوم به طرفان: الكيان الصهيونى والانظمة العربية المتخاذلة, وتدعو هذه اللجنة باستمرار الى حشد كل الجهود الشعبية للضغط من اجل رفع هذا الحصار الجائر الذى يمثل كارثة انسانية لشعبنا فى غزة تتنافى مع ابسط حقوق الانسان التى تكفلها المواثيق والاعراف الدولية. وحسبما كان مخطط لخط سير القافلة فلقد كانت جماهير شعبنا الفلسطيني في رفح غزة فى انتظارها للتعبير عن وحدة الجماهير العربية والإسلامية فى مواجهة المخطط الصهيونى الأمريكى العربى الرسمي لفرض الحلول الاستسلامية على أهلنا فى فلسطين المحتلة, وكانت قد سبقت انطلاق القافلة من القاهرة وقفة نظمها المشاركون فيها أمام نقابة المحامين حيث أطلق المنضمون للقافلة الهتافات المنددة بحلف التآمر الصهيونى الأمريكى العربى على مستقبل الأمة... تلك الهتافات التي شقت سكون القاهرة في الصباح الباكر, ثم انطلقت القافلة وفق خط السير المرسوم لها. • عراقيل أمنية! ومضت القافلة من القاهرة لتتقدم شرقا بهدوء وبدون اية عراقيل امنية رسمية وفي تمام الساعة التاسعة والنصف, واجهت القافلة إعاقة من قوات الأمن المركزي المرابطة عند كوبرى السلام الذي يربط ضفتي قناة السويس بحجة عبور حاملة طائرات أمريكية في القناة متوجهة الى منطقة الخليج وقيل للناشطين المشاركين في القافلة من قبل العناصر الأمنية أنه يجب ان تتوقف تلك القافلة بعض الوقت لأفساح المجال لحاملة الطائرات حتي تعبر وهو امر يشكل استفزاز صارخ وعملي للمشاعر الوطنية والقومية والإسلامية للمشاركين في تلك القافلة والذين طالما هاجموا السماح للسفن الامريكية بالمرور في قناة السويس. وبالفعل فى تمام الساعة الحادية عشرة والنصف إجتازت القافلة التي اطلق عليها منظموها انها صوت الارادة الشعبية كوبرى السلام فوق قناة السويس الى الضفة الأخرى في سيناء, بعد أن تسبب إغلاق الأمن لهذا الكوبري إلى ازدحام شديد في السيارات والمركبات التي كانت تنتظر دورها في طوابير للعبور وبدأ المنضمون للقافلة فى إطلاق الهتافات مستغلين هذا الزحام لإعلام الجمهور المتجمع بأهداف القافلة, حيث سمح لها الأمن بعبور الكوبرى وهى تتابع طريقها نحو رفح مخترقة شمال سيناء والملفت للأنتباه أنه لم تمر إية حاملة طائرات من القناة!! إنما كان ما نقله الأمن لأعضاء القافلة على سبيل الأستفزاز لا اكثر. وفي الثانية عشرة والربع ظهرا قامت السلطات الأمنية بأعتراض القافلة مرة اخرى بعد خمسة عشر كيلومتر الى الشرق من قناة السويس عند نقطة تفتيش منطقة بالوظة وردا ً على تلك العراقيل والأستفزازات الأمنية انطلقت الهتافات من القافلة تندد بسياسات الرئيس المصري حسني مبارك التي وصفوها بالداعمة للعدوان الصهيوني والحصار المفروض على غزة والذى يقولون ان الدول العربية بما فيهم مصر الرسمية تشارك فيه نزولا على الأوامر الأمريكية، ونتيجة لتلك الهتافات تمكنت القافلة من عبور حاجز بالوظة لتواصل السير فى اتجاه غزة المحاصرة للقاء الإخوة الفلسطينيين على الجانب الآخر من معبر صلاح الدين. وبينما القافلة فى طريقها صوب غزة المحاصرة، تلقينا عبر أتصال تليفوني من أحد مصادرنا على الحدود مع غزة تجاه الجانب الفلسطينى خبر يؤكد وفاة المريضة رقم 26 (ربيعة رفيق ناجي) بسبب الحصار المفروض على القطاع والذى حاولت المريضة خلال أربعة شهور ماضية إجتيازه لتلقي العلاج بدون جدوى, حيث تعانى غزة نقص شديد في العلاج والمعدات والاجهزة الطبية, وربيعة مصرية من طنطا متزوجة فلسطيني حال الحصار دونها وتلقي العلاج في مصر.. وفي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر للمرة الخامسة يقوم فيها الأمن بأحتجاز القافلة على بعد ثمانون كيلو من العريش عند مدينة بير العبد.. بحجة تفتيش السيارات واحدة تلو الأخرى.. والغريب أن نفس ضباط جهاز مباحث أمن الدولة الذين اعترضوا القافلة فى المرة الأولى, هم أنفسهم من يكررون اللعبة فى كل مرة.. سياسات فاشلة وفي الساعة الواحدة وخمسون دقيقة.. عادت القافلة للتحرك باتجاه العريش بعد تظاهرة هتف فيها المتظاهرون ضد من اسموهم بالعملاء في الحكومة المصرية أعوان الصهاينة وبعد أن قاموا بقطع الطريق الآخر القادم من العريش, حيث تجمعت سيارات المسافرين على الطريقين منذرة بتفجر الأوضاع. الا انه في تمام الساعة الثانية وعشرون دقيقة.. وللمرة السادسة يحتجز الأمن القافلة بحجة الإجراءات الأمنية لتندلع مظاهرة جديدة فى نقطة الميدان التى تبعد عن العريش حوالى الثلاثين كيلو متر.. وقد هتف الجماهير مطالبين الأمن بمعاملتهم معاملة الوفود السياحية الصهيونية التى تأتى فى مهام تجسسية. ويقومون بحراستها!. وهنا قال أمين عام حزب العمل مجدى حسين أن القافلة مصرة على الوصول إلى أهلنا المحاصرين مهما عرقلها الأمن ونادى مجدى حسين الامين العام لحزب العمل والمشرف على القافلة بصوت عالى.. يا أهلنا فى غزة إنتظرونا سنأتيكم إن شاء الله مهما كانت الصعاب.. وبعد دقائق معدودة قام الأمن بغلق الطريق باتجاهيه وأفتعل صداما مع أعضاء القافلة بعد أن أحضر عددا كبيرا من جنود الأمن المركزى. وقد أصيب عدد من المشاركين فى الاشتباك مع الأمن بإصابات مختلفة أثر تعمد سيارة أمن مركزى الاصطدام بهم.. وفى هذه الاثناء قال مجدى حسين لنا بأن القافلة ستثبت فى مكانها إلى أن تجبر على المغادرة أو يسمح لها بالاستمرار فى طريقها.. وفى هذا التوقيت تعالت الهتافات ضد القيادة والسلطة في مصر ولزم جميع أعضاء القافلة الجلوس بعرض الطريق. • قوات الأمن تحاصر القافلة وفي تمام الساعة الرابعة والنصف امام اصرار الأمن على عدم وصول القافلة الى هدفها متذرعا بتوتر الأوضاع على الحدود مع فلسطين المحتلة واندلاع تظاهرات في العريش ورفح والشيخ زويد احتجاجا على الأوضاع الأمنية المتوترة بين السكان والسلطة، أضطرت القافلة بالرجوع مرة اخرى الى القاهرة بدون أن تحقق أيا من الأهداف التي ذهبت من أجلها, وفي طريق العودة خطب مجدي احمد حسين في اعضاء القافلة قائلا ان القادة العرب جميعهم أثبتوامجددا بالدليل العملي ضلوعهم ودفاعهم المستميت عن المخطط الصهيونى لمحاصرة اهلنا في غزة, وكانت قوات الأمن المركزى وقوات الشرطة قد أحاطت بأعداد كبيرة بالمشاركين فى القافلة وحاصرتها لإجبارها على العودة وهددت بإعتقال كل المشاركيين فيها محاولة بذلك إفتعال صدام يبرر الاعتداء الجسدي عليهم، وهو ما جعل اعضاء القافلة يضطرون للعودة, وذلك بعد منع السيارات المنضمة للقافلة من الحركة فى إى إتجاه, وذلك عند نقطة الميدان التى تبعد ثلاثين كيلومتر عن العريش. • أجواء غاضبة وبينما كان الأمن المصري يمنع القافلة من الوصول للحدود علمنا عبر مصادرنا فى رفح أن آلالاف من انصار حركة حماس تظاهروا على الحدود المصرية مع قطاع غزة للمطالبة بإنهاء الحصار المفروض على غزة وفتح جميع المعابر, وأدى المحتجون صلاة الجمعة قرب معبر رفح وكان من بينهم الحجاج الذين لم يتمكنوا من الذهاب إلى السعودية حتى الآن استعداد لأداء فريضة الحج الشهر المقبل. وانتظر المحتجون لفترة طويلة. وفي اتصالات تلفونية اجريت مع عدد من العالقين في مطار العريش بينما كنا في القافلة على بعد 30 كيلو متر منهم عبروا عن اسفهم لمنع قافلة المساعدات وقالوا انهم يعيشون فى ظروف صعبة للغاية من كافة النواحي وانهم في حكم المعتقلين وتجري عمليات اهدار لآدميتهم على ايدي الأمن المصري وأهابوا بكافة المنظمات الحقوقية وبأبناء الشعب المصري والقيادة المصرية التدخل لإنقاذهم. وعلى سبيل المثال أحد العالقين قال لنا عبر الهاتف بعد ان رفض ذكر اسمه خشية البطش الأمني: إنهم يعيشون في أوضاع إنسانية غاية في السوء، ولا تحتمل منذ أكثر من خمسة أشهر حيث يعانون من المرض والفاقة ونقص الملابس الشتوية ونفاد المدخرات, الى جانب أن صالة المطار التى يتم أحتجازهم بها غير أدمية حيث يفترش الفلسطينيون الارض بورق الجرائد وملابسهم لكي يناموا عليها كما أنهم يتقاسمون دورة مياه واحدة وليس هناك مكان مخصص للاستحمام ويعيشون وسط حصار أمني مكثَّف من قبل قوات الأمن المركزي التي تمنع خروج أي شخص خارج الصالة! ليس هذا فقط، بل تنتشر بينهم جنود من الامن المركزى وتمنعهم من الحديث مع بعضهم البعض. وأشار الفلسطينى العالق الى أن معظمهم من المرضى والطلبة وقد فقدوا وظائفهم ومقاعدهم الدراسية وأصيبوا بأضرار بالغة نتجت عنها أرتفاع أعداد المرضى وتدهور حالتهم الصحية بسبب عدم وجود علاجٍ مناسب لهم في مستشفى العريش بينما يرفض أمن المطار تحويل المرضى ذو الحالات الحرجة الى مستشفيات أخرى. • مضربون عن الطعام وخلال اعتراض القافلة التقيت بالحاج محمد انه يتابع اوضاع العالقيين عن قرب وأكد لنا أنه لا يوجد طبيب لمتابعة اوضاعهم الصحية واحوال المضربين عن الطعام منهم أحتجاجا على أحتجازهم غير المبرر فى مطار العريش، وأن متابعة ومعالجة المرضى او المضربين عن الطعام منهم تتم بواسطة أطباء غير متخصصين من بين العالقين أما المعاملة فهي لا ترقى بأي حالٍ من الأحوال للمستوى الآدمي وقد تعرضوا للإهانة والضرب من قبل أمن مطار العريش، بالإضافة إلى تهديدهم بالكلاب البوليسية أثناء محاولتهم الانضمام الى زملاءهم الذين دخلوا فى أضراب مفتوح عن الطعام منذ عدة أيام. وأشار الحاج محمد الى أن العالقين قدموا عدة مطالب لـ هاني جبور، على رأسها حل الأزمة، وفتح المعبر، والعودة إلى بلدهم، فإن لم يكن فالخروج من المطار إلى مدينة العريش, لكن هذه المطالب لم تحظى بأى أهتمام! • وعدنا الى القاهرة وفي طريق العودة لم نلاقي أية عراقيل والذي حدث هو العكس قامت السلطات الامنية بتسهيل كل شيء بالنسبة لنا وفتحت أمامنا الطرق المغلقة لتمشي قافلتنا بسرعة ونصل الى القاهرة، وكان اعضاء القافلة يشعرون بنوعا ً من الأحباط المرد لعدم تمكين الأمن لهم من الوصول لأهدافهم، وتأكدهم بما لا يدع مجالا للشك من ضلوع بعض الدول العربية ومنهم مصر في المخطط الصهيوني الامريكي لمحاصرة اهلنا في غزة لإجبارهم على الأستسلام، لكن ما كان يجعل هذ الآسى لا يبدو مضاعفا ان القافلة فضحت تلك الأنظمة, فالناشطين من المدونيين والاعلاميين المصاحبين لها والكتاب فضحوا الدور الرسمي العربي والمصري على صفحات الصحف وفي الفضائيات ومواقع الانترنت هذا الدور المشارك في محاصرة اخواننا في العقيدة والذي يحتاج لتحرك شعبي عربي اسلامي اكثر حشدا.