قصة اعتقال مراسلنا من قبل الصهاينة الحلقة (5)
https://parstoday.ir/ar/news/my_reporters-i77429-قصة_اعتقال_مراسلنا_من_قبل_الصهاينة_الحلقة_(5)
الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد عودته الى منزله من حفل إفطار في إحدى المؤسسات الإعلامية في رام الله اعتقلت قوات الاحتلال مراسلنا عبدالرحمن مصلح، وها هو يواصل حديثه عن معاناته التي تمثل معاناة الآلاف من الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني...
(last modified 2020-07-13T00:58:27+00:00 )
Dec ١٦, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
  • قصة اعتقال مراسلنا من قبل الصهاينة  الحلقة (5)

الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد عودته الى منزله من حفل إفطار في إحدى المؤسسات الإعلامية في رام الله اعتقلت قوات الاحتلال مراسلنا عبدالرحمن مصلح، وها هو يواصل حديثه عن معاناته التي تمثل معاناة الآلاف من الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني...

عبدالرحمن مصلح مراسلنا رام الله أيام جدد في المدفن والعزلة التي طالت... بعد المحكمة التي أنزلت الكثير من معنوياتي وأصبح التفكير يأخذ أغلب وقتي، النوم لم يعد لي رغبة فيه، ومن كثرة التفكير يأتي الملل القاتل والذي يعمل على إضعاف معنوياتي، استغفرت الله العظيم ودعوته وسبحت بحمده وشكرته، انه ابتلاء من عند الله تعالى، وان الله إذا أحب عبدا ابتلاه، لا بأس يا عبدالرحمن عليك بالتعامل مع هذا الواقع، لا مفر من الهروب من هذا الواقع. أتى الليل وسكونه، المكان هادئ كعادته، أنا الآن في العزلة حتى عن الزنازين السابقة، كان بالسابق بجانبي عدة زنازين، لكن من الواضح أن هذه الزنزانة معزولة وتعيش وحيدة منذ أن بدأت، أريد الآن ان يمضي الوقت، بالتأكيد سيمضي الوقت ولكن متى سيمضي الوقت، كلما فكرت في 12 يوما أخذني الإحباط بعيدا، ولكن بحمدلله وفضله أذكر الله وأوكل أمري إليه سرعان ما تعود السكينة إلى قلبي. مرت الساعات ببطء شديد حتى جاء يوم الثلاثاء، كعادتي استيقظ من النوم، أصلي وأسبح الله وأمشي داخل الزنزانة لكي يضيع الوقت، ولكن أريد أن أخرج، أريد ان أذهب الى أي مكان حتى لو كان التحقيق، أريد أن أخرج من هذه العزلة، لا أدري كيف أستطيع ان أخرج من هنا. في ليل الثلاثاء، بدأت الهواجس المخيفة تحيط تفكيري، ترى ماذا يفعل هؤلاء الضباط، ماذا يصنعون لي، ماذا سيفعلون في هذه المدة التي أنا فيها هنا، أريد أن أذهب الى التحقيق، لقد سئمت من الانتظار، ولكن لن أدق الباب كما يريدون، أنا في مرحلة التحدي، لن أفعل ما يريدون لان هذا ما يريدون، تحطيم نفسيتي ومعنوياتي، عليّ أن أظهر أمامهم بمظهر الواثق والمتحدي. جاء يوم الأربعاء بعد ملل طويل من يوم الثلاثاء، باب الزنزانة يفتح، وإذا بالشرطي يحضر لي ملابس، وقال لي هذا من المحامي، قلت له أين هو قال لي ممنوع أن تراه، وذهب الشرطي، فتحت حقيبة الملابس، الآن الوضع مختلف، شعرت بسعادة كبيرة، إنها ملابسي شممت من خلالها رائحة البيت، لقد اشتقت إلى البيت كثيرا، وبينما أبحث في داخلها وإذا بالقرآن الكريم بين يدي، لم أشعر بتلك السعادة من قبل حتى وأنا خارج الزنازين، يجب أن أقرا القرآن لأطرد الشياطين من داخلي، وليحميني الله تعالى من شر هؤلاء الأعداء وما يخططونه لي. بدأت أقرأ القرآن الكريم وبعد نصف ساعة من القراءة، بدأ ألم عيني يظهر، لم أستطع إكمال ما أقرأه، ولكني أقرأ في الخارج وفي أوقات فراغي الضيقة أكثر من ذلك، ولكن إنارة الزنزانة الخافتة المزعجة لا تساعد ساكن هذه الغرفة على قراء أي شيء والاستمرار فيه، وكلما قرأت قليلا تعود عيناي إلى الألم، حقا إنهم خبثاء مزعجون، انه والله أشد من التعذيب الجسدي، يا الهي على مكرهم وخداعهم وخبثهم. لم أستطع تلاوة القرآن لأكثر من نصف ساعة وبعدها أستريح وأرح عيناي قليلا وسرعان ما أعود إلى قراء القرآن، ولكن لا أستطيع أن أصمد بعدها لأكثر من 10 دقائق، فعلا الإنارة مزعجة، وهم متعمدون في تعذيب الإنسان بهذه الطريقة وطرق أخرى لا أعلمها حتى الآن. عاد إلي الملل في اليوم التالي والإحباط يأتي ويعود، وأقرأ ما تيسر من القرآن حتى تتألم عيناي ولا أقوى على القراءة، ومن وقت لآخر أتساءل متى سأخرج وأرى الناس، متى سأذهب إلى غرفة التحقيق، أريد أن أغير جو هذه الغرفة، لكن ما زال التحدي يسيطر على تفكيري، لن اخضع لشروطهم ولا لما يريدون، سأبقى هنا حتى لو كلفني ذلك حياتي. مرت الأيام وكأنها سنين طويلة حتى جاء يوم الأحد، أي بعد موعد المحكمة بستة أيام، جاء الشرطي وفتح باب الزنزانة وقال لي تعال وأحضر جميع أغراضك، بعد حوالي 10 أيام من العزل القاسي حولني هذا الشرطي إلى الزنازين التي عشت فيها أول أيامي في المدفن، دخلت زنزانة رحبة وواسعة، أي أوسع بقليل من السابقة، كنت مرتاحا جدا بعد نقلي الى هذه الزنزانة على الأقل وكما نسميه تغيير جو. بعد ترتيب هذه الزنزانة استدعاني محقق في الشرطة الإسرائيلية، ويدعي انه خبير للكمبيوترات، وأعطاني ورقة يجب أن أوقع عليها وهي عبارة عن موافقتي على تفتيش محتويات أجهزة الحاسوب والأقراص التي صودرت من المنزل، وبدا هذا الشرطي ممازحا وكأني أعرفه منذ وقت طويل، ياللعجب على مثل هذه البيئة!، قرأت الورقة وفي نهايتها مكتوب عليها من حقك أن تستشير محامي الدفاع قبل أن توقع، قلت له وأين هذا المحامي، من المفترض أن أراه يوم الخميس الماضي كما قال لي القاضي، قال لي محقق الشرطة: أنت الان ممنوع من رؤيته وقد جددت لك الشرطة هذا المنع حتى صباح الغد، قلت له حسنا حتى صباح الغد سأستشير المحامي واوقع على هذه الورقة، أريد أن أستشيره، ضحك بصوت مرتفع وقال لي يا عبدالرحمن بتوقيعك او بدونه سنعمل على فحصه هذه فقط إجراءات قانونية، واذا لم توقع فسنفحصه أيضا، ولكن بتوقيعك يحفظ حقوقك أنت، وأكمل قائلا: افرض يا عبدالرحمن كمبيوترك ضاع، هذه الورقة بتحفظ حقك، بصراحة أقنعني في كلامه، وتوقيعي فيه او بدونه لن يغير من الأمر شيء، يجب أن أوقع، أمر آخر هو أنه لا يوجد في الجهاز أي شيء يدينني. بعد التوقيع رجعت الى الزنزانة، ورغم قصر الوقت الا أنني غيرت جو أكثر من أي يوم اخر، ولكن لا أدري لماذا حتى الآن لم أذهب إلى التحقيق، أصبح هذا اليوم العاشر الذي لا أذهب فيه الى التحقيق، مالذي يجري؟، ماذا حدث في التحقيق، هل هم حقا يلعبون معي من يصيح اولا، ومن يقول اااخ أو لا، لن أقول ولن استجديهم ولن أفعل ما يحلوا لهم، مازلت صابرا موكلا أمري الى الله تعالى، وكل تأخيره فيها خيرة كما يقول البعض!. جاء يوم الاثنين مثل الايام السابقات التي كنت في الزنزانة أنتظر فيما لو أتى الشرطي وقال لي تعال الى التحقيق او تغيير الزنزانة او غير ذلك، ولكن يوم الاثنين كان مملا جدا فلم أر غير العساكر الذي يقومون باعطائي الاكل او الحمام في منتصف الليل او للاطمئنان على صحتي وعلى حياتي ونفسيتي كي لا أنتحر!!!. ذهب ذلك اليوم بعد طول انتظار ويوم الثلاثاء مر النهار كله ولم يطل علي أحد، وعندما جاء طعام الافطار وبينما أنا أتناول طعامي جاء الشرطي وقال لي: تعال معي، قلت له ألم تراني أتناول الطعام ارجع لاحقا، صرخ علي وقال لي: خلص بسرعة مش فاضيلك، وأغلق الباب بصراحة بينت له أنني لم اكترث ماذا يريد مني ولكن أكملت طعامي سريعا لكي أعرف الى أين سأذهب، وعاد الي مرة أخرى وقال لي هل انتهيت قلت له: نعم، وأكملت له: هل احمل امتعتي وملابسي معي، قال لي: لا أنت ذاهب الى التحقيق. الحمد لله رب العالمين، بعد اثني عشر يوما كسرت حاجزهم واتوني بانفسهم، انها فقط حرب أعصاب، عندما وصلت الى غرفة التحقيق خلع النظارة السوداء من عيني، انه محقق جديد عليّ، شيبته تخبرني أنه تجاوز سن الخمسين، وبقي صامتا ولم نتحدث، وبعد نصف ساعة، قال لي: كيف الفندق معك يا عبدالرحمن، قلت له باستهزاء: خمس نجوم بس الأكل بارد!، قال: عنجد بتفكر حالك بفندق شكلك، بدي أخدمك يا عبدالرحمن وماعندي مصلحة تقعد أكثر من هيك، سألني كم صارلك عنا: اجبته 14 يوما، قال لي: كم مرة طلعت عالتحقيق؟ أجبته: هذه المرة الثالثة. ضحك وقال أن هذا كثير عليك وقضيتك لا تستحمل، وقضيتك تافهة ونستطيع ان نحل الموضوع فقط بعشر دقائق ونحن لدينا قضايا مهمة جدا لذلك لم نكترث لك ولم نطلبك طول هذه الفترة ونريد أن نخلص منك. مالذي يريده هذا المحقق مني، لا ادري عن ماذا يتحدث، هل هي خديعة أم حقا هي مسرحية أقوم فقط بلعب دور البطل الثاني فيها ليتم اعتقال والدتي، أجبته بعد وقت قصير، قلت له أتحداك ان تثبت عليّ شيء، قال لي: ماذا تقول أنت مثبت عليك أمر وعليك الاعتراف به، قلت له: ما هو هذا الأمر، أجابني: علاقتك بهذه المنظمة، قلت له: يظهر إنكم غلطوا في العنوان. ضحك من هذا الجواب وقال: لقد سمعت هذه الإجابة من أشخاص كثر ولكن يا عبدالرحمن ليس من مصلحتك البقاء في هذا المكان، قضيتك ما بتسوى الإنكار اللي أنت فيه، أنت ستذهب إلى السجن وليس إلى البيت. قلت له: لا يوجد عندي ما أقوله، احمر وجهه وصرخ في وجهي وقال: إحنا يا عبدالرحمن مش مستعجلين، ارجع على زنزانتك وراجع حساباتك، وقلت له وبلهجة متحدية، وأنا لست مستعجلا هنا ولا أريد أن ارجع إلا إذا كان لديكم دليل واحد على ما تتهمونني به. لم أمكث في هذا التحقيق أكثر من ساعة ونصف حتى عدت إلى الزنزانة، ولكن ما تبين لي أنهم يستعملون معي سياسة نفسية أشبه بعض الأصابع، وهو من يستجدي أولا، هي جولة اعتبرت نفسي منتصرا فيها، وهي أنهم أتوني من دون أن اطلبهم واعتبرته انجاز لي، ورجعت إلى الزنزانة سعيدا لأنني غيرت جو الزنزانة ورأيت أشياء مريحة. بحمد الله مرت تلك الليلة بسرعة وفي صبيحة يوم الأربعاء، أتى الشرطي وقال لي تعال، وخرجت معه وأخرجني خارج السراديب ثم فتح عن عيني النظارة السوداء، هذا المكان مررت منه في أول يوم من اعتقالي، هنا حركة الناس والسجون المدنية والجنائية، فعلا هو أجمل منذ 15 يوما، ولكن الى اين سيأخذني، هل أتى المحامي؟، وصلت الى المكان سأجلس فيه، واذا بامرأة من لباسها عرفت أنها ممثلة الصليب الأحمر الدولي. ابتسمت لي وقالت الحمد لله على سلامتك، تتحدث إلي باللكنة المصرية، وقالت أنا اسمي نيللي وأنا من الصليب الأحمر وأزور هذا المركز كل يوم أربعاء، وأسأل عن المعتقلين واخبر أهلهم فيما بعد عن وضعهم الصحي والإنساني فقط. قلت لها تشرفت بمعرفتك ولكن مالذي يحدث هنا، لقد تأخر عليّ المحامي كثيرا إلى متى سأظل هكذا ممنوع من رؤيته، قالت لي لا أدري، ولكن هناك وقت محدد، ولكن لا ادري متى ينتهي، قلت لها حسنا تفضلي، قالت أريد أن أعبئ هذه الاستمارة لنعمل لك وكالة ونخبر أهلك عن وضعك الصحي، وأكملت: ماذا تحب أن تقول لأهلك، قولي لهم أن عبدالرحمن بخير وبصحة جيدة وكل عام وهم بخير فالعيد على الأبواب يا نيللي، قالت حسنا إن شاء الله سوف أخبرهم اليوم عن صحتك وعن وضعك. لم أمكث أكثر من عشر دقائق مع نيللي حتى أرجعني الشرطي الى زنزانتي، ذلك اليوم كان يوم الأربعاء، وغدا عندي محكمة، وبات من الواضح أنني سأمدد من قبل المخابرات وذلك لمراجعة حساباتي من قبل ضابط المخابرات، أيضا هم غير مستعجلون، إذا لا داعي أن انتظر هذه المحكمة، لأنها وبكل صراحة تعمل على إحباطي كثيرا، ولكن كم يوم سيمددني هؤلاء؟. جاء يوم الخميس وفي صبيحته، جاء ت الشرطة وما يعرف ب(الشاباص) والتي تنقل المعتقلين إلى المحكمة، وذهبت وبنفس الطريقة ودخلت ولا يوجد محامي ولا أهل، قال لي القاضي أنت يسمح لك برؤية المحامي يوم الثلاثاء القادم، ضحكت في داخلي، وقال لي نفس الكلام الذي قاله في المحكمة الأولى، طلبت الشرطة تمديدي لمدة 18 يوما أما المحامي فقد طلب بالإفراج الفوري عني وذلك حسب ما قاله القاضي لي، أخيرا صدر حكم القاضي العسكري وقال أنت ممدد لمدة 12 يوما. كالعادة شعرت بالإحباط ورجعت إلى الزنزانة لانتظر جولة المخابرات الجديدة في الأسلوب المتبع، ولكن بدأت أشعر بروح متحدية أكبر من الماضي، وأنا أنتظر أي مفاجأة سيأتون بها او يفعلونها لي. وفي ذلك اليوم اخترعت أمرا جديدا لاختراق الملل والتحدث إلى الأقربين إلي، بدأت أصرخ في الزنازين، من يسمعني، وبسرعة أجابني أحد المعتقلين من أنت ومن أين، أجبته أنا عبدالرحمن من رام الله، وقال لي اسمي خليل من بيت لحم، قلت له حياك الله أخي الكريم، ومن خلف الجدران اخترقت حاجز الصمت الذي دب في وسط الزنازين، شعرت بسعادة بالغة، لاول مرة منذ 16 يوما أتحدث إلى أخ وصديق لي وليس مخادعا ولا عدوا ولا محتلا، ولهذا الحديث نصيب في الحلقات القادمة حيث المفاجآت تنتظرني ولكن لا أدري متى.... وللحديث صلة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.