قصة اعتقال مراسلنا من قبل الصهاينة الحلقة (6)
Dec ٢٢, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد عودته الى منزله من حفل إفطار في إحدى المؤسسات الإعلامية في رام الله اعتقلت قوات الاحتلال مراسلنا عبدالرحمن مصلح، وها هو يواصل حديثه عن معاناته التي تمثل معاناة الآلاف من الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني... الحلقة(6)
عبدالرحمن مصلح مراسلنا من رام الله هذا هو الصديق الاول لي في زنانزين المسكوبية، خليل من بيت لحم تعرفت عليه عن طريق الصوت، ولا أعرف صورته ولكن أتخيل أنه مثلي يواجع معاناة لا أدري ما هي في الحقيقة، لا أدري ما هي قضيته ولماذا أتى الى هنا، تحدثت اليه وجاءتني الفرحة في التعرف على اول شخص في الزنازين، سألني خليل وبطبيعة الحال صوت مرتفع: كم يوم لبثت هنا، أجبته هذا اليوم هو السابع عشر، وبأعلى صوته قال لي وااال انت منذ زمن أنا حتى الان لم أمكث أكثر من أربعة أيام، لقد هون علي الكثير، خليل هو صديق الزنازين الذي لم أره ولكنني وفي ذلك الوقت تكلمت معه وكأن لي سنوات على معرفة معه، لقد تحدثنا في مواضيع اجتماعية عن ماهية عمله، وأين يسكن وماذا يعمل في هذه الحياة، سالته بعد حين: ياخليل، أنا مكثت فترة طويلة ما هي الاخبار في الخارج، قال لي: لا يوجد أخبار جديدة كلها مثل بعض يا عبدالرحمن لكن يقال ان العيد سيأتي يوم السبت، قلت له: ليأتي أي يوم بالتأكيد سأمكث فترة العيد لوحدي في هذه الزنزانة، تذكرت المحكمة التي مددت لي 12 يوما وسألت خليل: هل تعرف الى أي مدى تستطيع المحكمة تمديد فترة اعتقالي في التحقيق، أجابني: والله لا أعرف ولكن لدي قريب مكث هنا لأكثر من ثلاثة شهور، يا إلهي ثلاثة شهور، يبدو أنني في بداية المشوار، لا بأس سأصبر وليس لدي الا الصبر، جاء موعد الافطار ثم أديت صلاة المغرب، لم أسمع صوت خليل منذ فترة أريد أن أتحدث معه، بأعلى صوتي خليل،.. خليل... خليل،.. لا أحد يجيب ماذا يفعل هل هو نائم ولكن حتى لو كان نائما لا بد أن يسمعني، بعد فترة عرفت أن خليل قد تم نقله الى زنزانة اخرى كما هي العادة التي يمارسها رجال الامن مع المعتقلين في الزنانين، شعرت بحزن شديد، أريد التحدث مع أي شخص، أريد رؤية الناس، أريد أن أخرج من هذا القبر حتى لو كان الى غرفة التحقيق، هناك أستطيع أن اتنفس أن اتحدث حتى لو كان مع عدوي ومع من يعتقلني ويمكر بي، في تلك الليلة فكرت كثيرا، من كثر الملل، ولكن بدأت بالاستغفار والتسبيح وأديت صلاة قيام الليل، بعد ذلك استغرقت في نوم عميق وفي منتصف الليل جاء الشرطي الى الزنزانة وقال لي: اليوم لا يوجد سحور كل عام وأنت بخير غدا عيد، شعرت أنه يشمت ويسخر مني، هذا الوغد يريد أن يلعب بأعصابي مثلهم، لا تبكي يا عبدالرحمن، لن يفيد البكاء في شيء، ربما نفسيتي سترتاح من البكاء ولكن مانسيت قط أنني في مرحلة التحدي، في اليوم التالي وهو أول أيام العيد، جاء طعام الإفطار الساعة الثامنة صباحا، استيقظت وأكلت بما فيه الكفاية، وفي الساعة الثانية عشر جاء طعام الغداء، والساعة السادسة طعام العشاء، هكذا هو البرنامج أصبح بعد الشهر الفضيل، كان يوما حزينا علي أفكر في عائلتي وماذا يفعلون، وكنت أحسب الوقت وكنت أتمنى أن يمشي سريعا، لا أريد أن احزن أكثر من ذلك، كان أسوأ يوم في حياتي، العيد مزعج وأنت لوحدك، ولكن هذا قضاء الله وقدره وكنت ادعوا الله أن يجمعني مع عائلتي في عيد الأضحى القادم، وبعد حين سمعت صوتا بعيدا ينادي للصلاة، انه الأذان وبعد الأذان بدأ بتكبيرة العيد، في ذلك الوقت شعرت بالسعادة، ياللروعة، هناك أناس أقوياء ومعنوياتهم مرتفعة ويعيشون العيد ويعيدون كما أمرنا ديننا الحنيف حتى لو كنا في تلك المعاناة. ذهب أول أيام العيد وثاني أيام العيد وفي اليوم الثالث من العيد عشت فترة صعبة، لقد طال بي المكوث هنا ماذا يحدث، لا أريد أن انهزم، ولكن صدقا مللت من الجلوس وكنت أقرأ القران ولكن القراءة مزعجة ولم أكن أصمد أكثر من دقائق أما الأنوار الخافتة التي تزعجني من دون ان أقرأ ولم تكن تطفأ حتى في ساعات الليل ووقت النوم، اليوم هو الأحد وهو اليوم 20 بالنسبة لي في المدفن (المسكوبية). ذهب ذلك اليوم وجاء اليوم التالي وهو يوم الاثنين، في عصر ذلك اليوم جاء الشرطي وقال لي تعال معي، وضعت القرآن الكريم في جيبي وخرجت معه وبعد مروري في السراديب وصلت الى الهدف الذي يريدني أن أصل اليه، قبل أن يخلع النظارة السوداء من عيني شممت رائحة الجائر عرفت انني عند المحققة التي حققت معي في أول الأيام، بعد أن خلع النظارة السوداء قيدني في الكرسي وذهب الشرطي، وبدأت المحققة بالتحدث الي، وقالت لي، امل يا عبدالرحمن أن نتفاهم اليوم وان ننهي موضوع الفاضي، قلت لها: لا يوجد موضوع، بدأت بالصراخ علي وقالت أن الآن أما أقوى مخابرات في العالم ولدينا من الوثائق ما يدينك ويرميك الى السجن، قلت لها: حسنا وهناك محكمة ولماذا أنا هنا الأمر متعلق بكم أنتم لا يوجد لدي ما أقوله. سكتت لفترة طويلة وعادت وكلمتني وسألتني: كيف كان العيد؟ هي تحاول أن تلعب بأعصابي، لقد انتهى العيد ونسيته والحمدلله الذي ذهب وأجبتها: كان رائعا جدا، عادت إلى سكوتها المعهود وبدأت بنفس الحركات وهي تطبع على الحاسوب او تتكلم بالهاتف لفترة طويلة او تغادر المكتب وتبقيني مقيد اليدين لفترة طويلة، جاءت بعد ذلك وسألتني عبدالرحمن هل أنت الساعد الأيمن لوالدتك، ضحكت بأعلى صوتي وقلت لها ومن تكون امي حتى تصفوني بالساعد الأيمن لها، قالت لي، عبدالرحمن من الذي يأتي عند والدتك سواء على البيت او على المكتب، الآن بدأت الصورة تتضح لي، أنا أتوا بي للعب دور المسرحية، أنا لست الهدف وإنما والدتي ولكن لماذا أنا بالتحديد؟ أجبتها بعد هذا التفكير: قلت لها لا أدري هذا عمل امي وليس عملي اسأليني عن عملي. بعدها قالت لي ومن الملل حسنا وماذا تعمل؟ أجبتها: صحفي، قالت هل متخصص بشيء معين أم لا؟ قلت لها أحب السياسة كثيرا، قالت لي: ولحساب من تعمل؟ أجبتها معظم عملي لحساب إذاعة طهران، نظرت الي وبدأت في اهتمام أكبر بالموضوع وبدأت تكتب على الحاسوب وكأنها سحبت اعترافا خطيرا مني، قالت لي وكيف استطعت أن تصل إليهم، قلت لها بالمراسلة والتكنولوجيا، قالت: يعني مش عن طريق أمك؟ أيتها الخبيثة تريد أن تربط المواضيع ببعضها، أجبتها لا وأمي ليس لها علاقة بعملي وأرجو ان لا تسأليني عن والدتي بعد ذلك، ثم سألتني: كيف يتم تحويل المبالغ المالية لك، قلت لها عن طريق البنوك، وأكملت: مالذي جرى لك أيتها المحققة لم أكن أتوقع أنك بهذا الجهل. بعد ذلك بدأت المحققة تتحدث بالسياسة وتحلل تحليلاتها السياسية وتتحدث عن الدور الإيراني في العالم وأن إيران هي جهة معادية، قلت لها حسنا اتهميني أنني اعمل لإذاعة طهران، ضحكت وقالت: لا تقلق من هذا الشيء في إسرائيل يوجد حرية الصحافة والتعبير عن الرأي لأي جهة كانت ويحق لك أن تقول ما تشاء وهذا لن تجده في أي دولة في المنطقة. تحسبني جاهل، أعرف أن لإيران مكاتب صحفية في الضفة الغربية وأعرف أن القانون الإسرائيلي لا يمنع مراسلة أية جهة حتى لو كانت في إيران، بعد ذلك عادت لنفس السؤال، وهو من الذي يزور والدتك في مكتبها قلت لها لا أدري وهذا ليس من عملي وبدأت بتضييق الأسئلة ماهو البريد الالكتروني الخاص بوالدتك ومن هذه الأسئلة. لم اجب عليها والتزمت الصمت وبعد مضي حوالي أكثر من 7 ساعات على التحقيق خرجت ثم جاء محقق آخر وبدأ بسؤالي نفس الأسئلة التي كانت تطرحها سلفها، وقال لي هذا المحقق يا عبدالرحمن لقد طال بك المقام هنا، صدقني الإنكار لا يفيد، أيها الأوغاد اليوم فقط صارحتموني بالقضية التي أتيتموني من اجلها وهي أمي، ولكن هذه أمي وهذا عملها وهي دبلوماسية ووزيرة سابقة وبرلمانية، ماذا سأجيبهم هؤلاء مالذي يريدوه؟ بعد مضي فترة ثلاث ساعات مع ذلك المحقق قال لي سيأتي الآن محقق جديد ليسهر معك الليلة، كنت في غاية السعادة، المهم أن لا أظل لوحدي في الزنزانة، الساعة وصلت تقريبا 11 ليلا وجاء محقق يدعي الطيبة وقال لي أنا يا عبدالرحمن لا أحب هذه المهنة ولن أسألك عن شيء أريد فقط أن اجمع معلومات شخصية بحتة عنك، قلت له مثل ماذا قال: اسمك الرباعي أسماء إخوانك وأخواتك وهكذا. عرفت هدف هذا المحقق لا يريد أن يجعلني أنام، أسلوب جديد اتبعوه الان وهو عدم النوم وذلك بعد فشل محاولتهم الأولى في عزلي لأكثر من 15 يوما. بدأت الساعة تمشي وأنا بطبيعة الحال مقيد اليدين على الكرسي، وبدأت أضيق من الكرسي ومن التعب الذي بدأ يأتي، اصمد يا عبدالرحمن، بدا هذا المحقق بالحديث عن معتقلين سابقين وكيف كان يتعامل معهم ومع معتقلات سابقات وكيف كان يمضي أوقاته في التحقيق، الساعة الآن الثالثة صباحا وحتى الآن مكثت 14 ساعة على الكرسي مقيد اليدين، عرفت أنني في آخر مراحل التحقيق وأنهم سئموا ويريدوا أن يتخلصوا من ملفي للمشي في الحلقة القادمة وهو اعتقال والدتي. في ذلك الوقت خرج المحقق وقال لي قبل أن يخرج أريد أن أجلب لك مفاجأة، لا أدري مالذي يحضره ذلك الوغد، بعد عشرة دقائق جاء بصورة والدتي في إحدى احتفالاتها بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية، قلت له ماهذا، قال لي صورة أمك، قلت له أين المفاجأة، قال لي صورة أمك وليست مفاجأة قلت له أمي في قلبي وليست في الصورة اشتقت اليها كثيرا ولكن هذه ليست مفاجأة وأعرف ان عندكم الكثير منها قبل قدومي إليكم، سكت لوقت طويل وخرج ولا أدري أين خرج على باب الغرفة يوجد عدسة سحرية حيث ينظر إليها المحققين للمعتقلين عندما يتركوهم لوحدهم، تركني ذلك المحقق وبدا النعاس يسيطر على وجهي والتعب أكل جسدي، حاولت النوم على جلستي في الكرسي وأنا مقيد اليدين، وكلما غفوت فتح المحقق الباب ودخل نصف دقيقة وخرج، هذه هي سياستهم تجاهي الآن، عدم النوم والتعب, سأحاول أن أصبر، الساعة الآن الثامنة صباحا، حتى الآن مكثت على الكرسي 19 ساعة، جاء المحقق وقد بدا عليه النعاس وقال لي سيأتي لك طعام الإفطار وأنا سأغادر وسيأتيك محقق غيري، يا الهي فعلا أنا متعب جدا وما زلت مقيد اليدين، فك يد واحدة من القيد لكي أتمكن من الأكل وبعد انتهائي عاد وقيدني ثم ما لبثت أن انتهيت من ذلك حتى دخلت المحققة التي تركتني مساء اليوم السابق، قالت لي: عبدالرحمن يكفي صدقني حالتك النفسية والجسدية صعبة وأنا لا أحب أن يصل الموضوع إلى ذلك أو أكثر من ذلك، في حقيقة الأمر صدقت تلك المحققة أن النعاس يسيطر علي ورأسي بدأ يتوجع كثيرا، لا أريد التحقيق، اااه يا زنزانتي الحبيبة والله إني اشتقت إليك، انك أفضل صديق لي في هذا المكان، أريد أن أعود إلى الزنزانة، يارب أنجني من هؤلاء القوم وأبعدهم عني. جلست المحققة وبدأت في غضب شديد وتصرخ وتهدد بأنها ستعتقل جميع عائلتي إذا لم أعترف، متى سأنتهي من هؤلاء، لقد سئمت كثيرا واستمر الوضع على ما هو عليه وبدأوا بالتحقيق معي حول علاقتي بمؤسسات منظمة (إرهابية) كما يدعون وعلاقة أمي بها وعلاقة أمي بهؤلاء وهكذا، لا يوجد لدي ما أقوله وربما إن كان لدي شيء لقلته لكي أخلص من هذا الأمر، لقد تعبت كثرا، حتى الآن أكثر من 24 ساعة وأنا على الكرسي متى سأنتهي، أريد أن أخلص. ذهبت المحققة وأتى إلي محقق جديد وعلى نفس المنوال لقد تعبت كثيرا والله لم اعد احتمل، فلا أن الإنسان ضعيف، وأمنيتي الوحيدة الآن هي النوم حتى لو كان على هذا الكرسي الذي أكل عظامي، لا أستطيع الوقوف حتى. كنت كذلك حتى الساعة الثانية بعد الظهر من صباح يوم الأربعاء بمعنى من الساعة الواحدة بعد ظهر الاثنين وحتى الساعة الثانية بعد ظهر الأربعاء كنت قد جلست على الكرسي 49 ساعة، بعد ذلك جاءت الي المحققة وقالت: عبدالرحمن لقد انتهيت من التحقيق سوف نفحص أقوالك ثم تذهب إلى السجن، قلت في نفسي ومالذي قلته حتى تفحصوه، ليس لدي إلا الدعاء ولكن المهم أن أذهب إلى الزنزانة وأنام، وبعد أن أنام سأفكر، مازال الوقت طويلا أمامي، أخذني الشرطي إلى الزنزانة ودخلت، ثم أديت الصلوات التي ضاعت علي وأنا في التحقيق قمت بقضائها وبعد ذلك استلقيت على الفراش وما إن أستلقي حتى غطست في نوم عميق، وكان الأكل يأتي ولم اكترث له، لا أريد سوى النوم، 49 ساعة على الكرسي مقيد اليدين، كنت آمل أن يكون ذلك هو أقسى ما أمر به ولكن في ذلك الوقت حمدت الله تعالى أنني رجعت إلى الزنزانة وبقيت أدعوا الله أن أظل الزنزانة التي هي أفضل من التحقيق حيث كانت أمنيتي قبل ذلك الخروج من هذه الغرفة. هذا هو اليوم 23 حتى الآن لا أعرف مالذي سيحدث وما هي المفاجآت التي لم تنتهي حتى الآن والتي تنتظرني ولكن بعد أن استيقظ من النوم يبدأ وضع جديد لي وحتى ذلك سيكون للحديث صلة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى....