الحجاج الفلسطينيون مأساة جديدة فى العريش
Dec ٣٠, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
تواجه القيادة المصرية مأزقاً أنسانيا ً وسياسيا ً محرجاً للغاية بسبب ما أصطلح على تسميته في الإعلام العربي والدولي والمحلي بأزمة الحجاج الفلسطينيين والذين تحولوا الى عالقين الآن على حدود فلسطين المحتلة
هدى أمام مراسلتنا من القاهرة تواجه القيادة المصرية مأزقاً أنسانيا ً وسياسيا ً محرجاً للغاية بسبب ما أصطلح على تسميته في الإعلام العربي والدولي والمحلي بأزمة الحجاج الفلسطينيين والذين تحولوا الى عالقين الآن على حدود فلسطين المحتلة مع مصر داخل 11 مخيم ايواء أقامتها لهم السلطات المصرية في مدينة العريش القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة من أجل أستيعاب أكثر من ألفي وثلاثمائة حاج غالبيتهم من العجائز والمسنين والمرضى، وهذا المأزق الأنساني المحرج أعترف به الرئيس المصري حسني مبارك خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فى القاهرة حيث قال مبارك أن الفلسطينيين أهلنا ونحن في مصر نشعر بأزمتهم ونحاول أن نجد لها حلا ً، وأن كان مبارك أبدى شعوره بالغضب تجاه ما يسمعه ويشاهده في الفضائيات من أنتقادات لحكومته بسبب موقفها من تلك الأزمة، وهي الإنتقادات التي توجه للقيادة المصرية على أعتبار أن القاهرة هي التي تقف في وجه المدفع بالنسبة لقضايا اهل غزة لكون أن مصر هي المعبر الوحيد لقطاع غزة نحو العالم وبدونها يتحول القطاع الى سجن. • بداية الأزمة وكان الرئيس المصري قد أمر قبيل عدة اسابيع بالسماح لهؤلاء الحجاج بالخروج من معبر رفح او بوابة صلاح الدين وهو الأسم الرسمي للمعبر على إثر احتشادهم على المعبر بشكل شعرت معه حكومته ايضا بأحراج بالغ ووعدهم ايضا بالعودة الى قطاع غزة مرة اخرى بدون اية مشاكل وعبر معبر بوابة صلاح الدين ايضا, إلا ان الحجاج عند عودتهم من السعودية شعروا وهُم في ميناء العقبة بوجود تغيّر في الموقف المصري، وذلك عقب اصرار السلطات المصرية على ان يوقع كل حاج على اقرار بالدخول الى غزة عبر معبر كرم أبو سالم المحتل من قبل الغزاة الصهاينة، ونظرا ً لأن الحجاج تنتمي أعداد منهم الى حركات المقاومة الفلسطينية وخصوصا ً حماس فإنهم رفضوا الأمتثال للطلب المصري لكون أن الصهاينة سوف يقومون بأعتقالهم عند المرور عبر معبر كرم ابو سالم الخاضع لسيطرة الكيان الصهيوني، والحكومة المصرية من جهتها كما يقول الحجاج انفسهم تتفهم المخططات الصهيونية العدوانية بالنسبة لهم لكنها تواجه ضغوط صهيونية وامريكية وايضا ضغوط من قبل السلطة الفلسطينية لكي لا تسمح للحجاج بالمرور من خلال معبر بوابة صلاح الدين، بيد ان حكومة تسيير الأعمال برئاسة حماس في غزة تصر على أن معبر صلاح الدين بين مصر وقطاع غزة لا علاقة لأي طرف ثالث به ومن ثم يتعين على مصر الوفاء بما ينص عليه القانون الدولي في هذا الأتجاه. • سجن جديد! وحسب ما أكدته مصادر فى العريش فأن الحجاج قرروا الإضراب عن الطعام في حال لم يتم الاستجابة لمطالبهم العادلة بالعودة لوطنهم وديارهم عبر معبر رفح الذي خرجوا منه. وأشارت المصادر الى تدهور الحالة الصحية للعديد من الحجاج حيث أن معظمهم من كبار السن والمرضى. كما ناشد الدكتور خميس النجار النائب فى المجلس التشريعي وأحد الحجاج العالقين جميع القادة العرب والمسلمين التدخل الفوري والعاجل لإنهاء هذه المأساة الإنسانية الكبيرة وتمكين الحجاج من العودة لديارهم ووطنهم بكرامة وعزة كما خرجوا عبر معبر رفح الذي لن يكون إلا معبراً فلسطينياً مصرياً خالصاً، كما قال. ووفقا لبيان صادر عن لجنة فك الحصار عن غزة والتي استقت معلوماته كما قال بيانها عن مصادر من الحجاج المتواجدين الان في العريش تواصل السلطات الأمنية المصرية محاصرتها للحجاج حيث قامت بتقسيم الحجاج إلى 3 أقسام يضع كل قسم بمعزل على الآخر ليسهل السيطرة عليهم. على الرغم من أنهم مدنيين وعزل من السلاح وأكثر من نصفهم نساء وشيوخ ورغم أنهم موجودون فى منطقة صحراوية في العريش بالقرب من الحدود مع فلسطين غير كثيفة السكان. كما رفض عدد من الحجاج الذي تم نقلهم الى العريش لدخول لمخيمات الإيواء التي اقيمت لهم داخل اسوار المدينة الرياضية بالعريش والتي وصفوها بأنها مخيمات اعتقال، وأقيمت المخيمات فى هذا المناخ الصقيع حيث يتم تزويد كل حاج ببطانية واحدة ومرتبة أسفنج رقيقة. وعندما رفض الحجاج هذا الوضع المشين وأصروا على البقاء فى الحافلات مع المطالبة بالتحرك شرقا الى معبر رفح حتى يعودوا إلى ديارهم، هاجمتهم قوات الأمن المركزي وهي تصدر اصواتاً عالية تستهدف أرهابهم من اجل إحكام الحصار حولهم حيث تم تقسيمهم إلى مجموعتين (مجموعة فى القرية الاولمبية) و(مجموعة فى استاد العريش) حتى يتم الاغلاق على كل مجموعة فى هذا السجن الجديد المبتكر - وفقا لما ورد في البيان - مع منع اتصالهم بأى شخص من سكان العريش. • الموقف المصري الرئيس المصري حسني مبارك أكد ان حكومته ملتزمة بأتفاقية دولية ألا وهي اتفاقية المعابر بين مصر والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية ثم الإتحاد الأوروبي وبمقتضي تلك الإتفاقية يجب ان يتواجد مندوب اوروبي في معبر رفح الى جانب ممثل السلطة الفلسطينية لكي يسمح للحجاج بالمرور إلا ان الممثل الأوروبي يرفض الحضور للمعبر منذ الأحداث الأخيرة التي اعقبت سيطرة حكومة حماس على قطاع غزة، ومن ثم - والكلام لمبارك - فإن حكومته تواجه الآن أدعاءات اسرائيلية بأن الحجاج يحملون معهم ممنوعات ومتعلقات غير مشروعة، وهذا يعني انه إذا سمحت مصر للحجاج بالمرور فأنه ستحدث أزمة بين الجانبين الصهيوني المدعوم امريكيا والمصري، وهو ما تحاول القيادة المصرية ان تتلاشاه من خلال الاتصالات الدبلوماسية التي تكفل ايجاد صيغة مناسبة لحل تلك الأزمة. • وشايات صهيونية وكما صرحت لنا مصادر في القاهرة فأن دوائر امنية صهيونية كانت تعرف ان القيادة المصرية تنوي ان تسمح للحجاج بالعودة مرة اخرى الى غزة عبر معبر رفح، ولذلك بادرت بلفت انتباه الجانب المصري الى ان ثمة مئات من الحجاج ينتمون لحركة حماس وانهم يحملون معهم مبالغ مالية طائلة بهدف تسليمها لحركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة، وتلك الوشاية كانت ستضع الجانب المصري في مأزق في حالة سماحه للحجاج بالعبور كما اعترف بذلك الرئيس المصري نفسه، لا سيما وأن تلك الوشاية الصهيونية أعقبتها توترات ملحوظة في العلاقات المصرية الأمريكية على خلفية تقرير رفعته وزيرة الخارجية الصهيونية ستيفي ليفني وأعضاء بالكنيست الى الكونجرس الأمريكي والبيت الأبيض يحتوي على وثائق مرئية ومكتوبة غير حقيقية تشير لدور مزعوم لعناصر امنية مصرية في تهريب السلاح لرجال الأنتفاضة في غزة عبر انفاق تربط بين جانبي الحدود، وهي الوشاية الصهيونية التي نفتها القاهرة واتهمت اجهزة صهيونية بفبركتها والتي دفعت بواشنطن الى ارسال لجنة تقصي حقائق الى المناطق الحقوقية بين سيناء وقطاع غزة، واعقب ارسال تلك اللجنة المشار اليها والتقرير الذي تقدمت به للدوائر الأمريكية المعنية بعد ذلك أن اتخذ الكونجرس الأمريكي قرارا بتعليق مائة مليون دولار من المعونة العسكرية الامريكية السنوية المخصصة لحكومة مصر منذ توقيعها اتفاقية كامب ديفيد تلك المعونة التي تصل الى 1,2 مليار دولار تقريبا ً، وهي الأموال التي قال الكونجرس بوضوح ان واشنطن ستنفقها بمعرفتها على منظمات مجتمع مدني مصرية وعلى التعليم من اجل تطويره، وذلك التدخل في الشأن المصري الداخلي أغضب القيادة المصرية للغاية لا سيما وأنه تدخل في هذه المرة يُطال أمور ادارة الدولة المصرية. و في ظل تلك الأجواء جاءت عودة الحجاج الفلسطينيين لتصب الزيت على النار في ازمة العلاقات بين القيادة المصرية والصهيونية، والملفت للإنتباه ان وزير الحرب الصهيوني ايهودا باراك والذي كان ضيفا على القيادة المصرية في شرم الشيخ قبيل تفجر ازمة الحجاج بأيام قليلة صرح أن كيانه لن يسمح لهم بالمرور من معبر رفح من اجل اخضاعهم للتدقيق الأمني. • أتفاقية المعابر والغضب شعبي وداخل مصر ترفض القوى الوطنية والإسلامية اتفاقية المعابر وتجمع على انه غير مقبول ان لا تستفيد حكومة مصر من تجاربها الماضية وتورط البلاد من جديد في إبرام اتفاقية مهينة أخرى لكرامتها وسيادتها - وحسب تلك القوى - فقبيل اكثر من عقدين تم توقيع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني تستعيد من خلالها مصر سيناء منقوصة السيادة حتى ان الثلث الأخير من سيناء كما قال لنا خبير قانوني وهو مثلث العريش رأس محمد الحدودي مع فلسطين المحتلة غير مسموح لأي قوات مصرية منذ انسحاب الغزاة الصهاينة عنه قبيل 26 عام ان تتواجد فيه بأستثناء حرس للحدود وتنتمي عناصره لرجال الشرطة المصرية، بينما تسمح الأتفاقية المشار اليها والمسماة بمعاهدة السلام المصرية الصهيونية في كامب ديفيد للصهاينة بدخول جنوب سيناء بغرض السياحة الترفيهية والدينية بالهوية الصهيونية، أما أتفاقية المعابر و التي تنتقدها القوى السياسية هي الإتفاقية المتعلقة بتنظيم الدخول والخروج من المعابر المؤدية من قطاع غزة وإليه، وهي الإتفاقية التي وقعتها حكومة العدو الصهيوني مع مصر والسلطة الفلسطينية والجانب الاوروبي قبيل ان تنسحب قوات الاحتلال من قطاع غزة، تلك الإتفاقية التي جعلت من شرطة مصر حارسا للأمن الصهيوني كما تقول المعارضة المصرية الغاضبة الآن من انصياع الحكومة المصرية للضغوطات الامريكية والصهيونية ورفضها ادخال الحجاج عبر بوابة صلاح الدين. وبالفعل فلقد أصدرت قوى سياسية داخل مصر بيانات تدعو الحكومة المصرية لعدم الأنصياع لتلك الضغوط وتمثل ذلك في هجوم عنيف شنته المعارضة على الحكومة في مجلس الشعب واتهمتها بالخضوع للكيان الصهيوني وواشنطن، واصدر الأخوان المسلمين بيانا ناشدوا فيه القيادة المصرية ان لا تضع نفسها موضع السجان للأهل في غزة وان تسمح بعبور الحجاج فورا الى بلادهم، كما طالبت أحزاب المعارضة القيادة المصرية بإلغاء اتفاقية المعابر وان لا تنصاع للضغوط الصهيونية، ونظم حزب العمل الإسلامي المصري وقفة احتجاجية في القاهرة بالتزامن مع احتجاز الحجاج في عرض البحر وطالب السماح للحجاج بالعوة الى بلادهم وادان خضوع القيادة المصرية للضغوط الصهيونية والأمريكية، ودعت لجنة فك الحصار عن غزة إلى تنظم وقفة احتجاجية امام البرلمان المصري. ولاتزال البيانات الشاجبة والمنددة بالموقف الرسمي المصري تصدر في القاهرة من احزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني، والحكومة المصرية من جهتها تشعر الان بتوتر شديد لكون ان قياسات الرأي التي ترفعها الأجهزة للقيادة المصرية تشير الى ان الشارع في مصر فى حالة غليان تعاطفا مع اهلنا في غزة ورفضا للحصار المفروض عليهم ومن هنا لم تتواني قوات الأمن المصرية كما صرح لنا قيادي بنقابة المحاميين ان تمنع عقد مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين بنقابة المحامين للمطالبة بفك الحصار عن غزة والسماح للحجاج بالعودة لديارهم وتهدد بإعتقال خمسة آلاف مشارك فيه ان اصرت الجماعة على عقد المؤتمر متعللة بأن الأجواء ملتهبة ولا تسمح بمثل تلك التجمعات. • العود الى غزة وعلى كل فإن المحللين بالقاهرة يتوقعون أن تنفرج أزمة الحجاج نضرا للضجيج الإعلامي المحلي والأقليمي والدولي الذي سببته هذه الأزمة، مما يشكل ضغوطات كبيرة على كافة اطراف الأزمة، ولكون أن الحجاج عندما خرجوا من غزة عبر معبر رفح لم يخرجوا بقرار مصري وطني خالص انما خرجوا إثر اتصالات دولية اجرتها القيادة المصرية اوضحت خلالها للأمريكيين والأوروبيين وحتى الصهاينة أنها تواجه موجات سخط عارمة داخل مصر وفي العالم العربي والإسلامي بسبب رفض السماح للحجاج بالمرور عبر مصر تجاه الأراضي الحجازية المقدسة ويبدو ان هؤلاء القادة الاوربيين والامريكيين والصهاينة تفهموا المأزق الذى تمر به القاهرة، فأعطوا الضوء الأخضر للقيادة المصرية للسماح للحجاج بالعبور من غزة الى هدفهم المقدس، وهو الضوء الأخضر الذي لم تتردد الحكومة المصرية خلال الساعات الماضية ان تقول بشأنه أنها تبذل اتصالات دبلوماسية مكثفة بمختلف دول المنطقة والعالم من اجل تسهيل عمليات عبور الحجاج العائدين الى غزة على امل ان تشكل الضغوطات الحادثة الآن أنفراجة في الأزمة. واذا كانت مشكلة الحجاج حتما ستنفرج فأن ثمة مليون ونصف فلسطيني في غزة يواجهون حرب حصار وتجويع لم يشهد لها التاريخ مثيلا، بينما ذوي القربي من حكام في المنطقة لا يترددون في المساهمة بهذا الحصار وهو امر يحتاج لدور شعبي واعلامي وانساني اكبر في العالم العربي والإسلامي بل ومن قبل كافة الخيرين من اجل فك هذا الحصار الظالم المفروض على اهلنا في غزة.