قصة اعتقال مراسلنا من قبل الصهاينة... الحلقة (9)
Jan ٠٤, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد عودته الى منزله من حفل إفطار في إحدى المؤسسات الإعلامية في رام الله اعتقلت قوات الاحتلال مراسلنا عبدالرحمن مصلح، وها هو يواصل حديثه عن معاناته التي تمثل معاناة الآلاف من الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني، وفي الحلقة (8) من سجن بئر السبع مرة اخرى الى المدفن...
عبدالرحمن مصلح مراسلنا من رام الله أنا الآن في سجن بئر السبع المركزي في صحراء فلسطين والتي تقع جنوب البلاد، بعدما دخلت السجن شعرت بارتياح أكبر من قبل ولكن ما زال بالي يشغلني على أهلي في الخارج، كنت أسمع وأنا خارج السجن أن المعتقلين يستطيعون تهريب الهواتف الخلوية ويتصلون عن طريقها إلى أهلهم، سألت مسئول القسم وهو بطبيعة الحال أحد المعتقلين القدامى وقلت له ألا يوجد في هذا السجن هاتف، أريد أن اطمئن على أهلي، قال لي نعم يوجد ولكن ليس في هذا القسم وإنما في الأقسام الأخرى الكبيرة، إن شاء الله يا عبدالرحمن خلال أيام قلائل ستسطيع أن تتكلم مع أهلك ولكن نحن سنتصل هذا اليوم وسأقوم بزيارة قصيرة إلى الأقسام الرئيسية وأخبرهم عنك وبالتأكيد سيتصلون بأهلك وان شاء الله سنطمئنهم عنك، هذا ما قاله لي ذلك المعتقل الذي يدعى أبو أيمن. في اليوم التالي من وصولي السجن المركزي، ذهبت وسألت أحد المعتقلين القدامى أيضا قلت له متى سأستطيع الاتصال بأهلي لقد اشتقت إليهم أريد أن اسمع صوتهم، قال لي عليك أن تصبر ويجب علينا أن نجتمع معك على انفراد في جلسات أمنية، قلت له وما هي هذه الجلسة، قال لي عما جرى لك في التحقيق كي نستطيع دراسة حالتك الأمنية، قلت له ولما لا، جيد هذا الأمر ولكن متى؟، قال لي عليك بالصبر، حسنا صبرت ثلاثين يوما في العزل لماذا لا أصبر ساعات بدون العزل. كان الأمر هناك وفي حقيقة الامر مريحا بالنسبة للزنازين وكان اليوم يمر بسرعة وذلك لوجود أشياء مفيدة تستطيع تضييع الوقت فيها، أما الزنازين فلا تستطيع فعل شيء سوى الجلوس والانتظار، جاء شخص من المعتقلين القدامى وهم الذين يسمون أنفسهم بالإدارة العليا للمعتقلين ويقولون أنهم متفقين مع إدارة السجن على هذا التقسيم ويستطيعون أن يزورا كافة أقسام السجن وذلك بناء على اتفاقية بين المعتقلين وبين إدارة السجن والسبب هو ضبط السجن والمعتقلين لكي لا تكثر المشاكل داخله. جاء هذا المعتقل ويسمى أبو منذر وقال لي تعال، ذهبت إليه ودخلنا في احد غرف السجن لوحدنا وقال لي: أنا يا عبدالرحمن موجه أمني واريد ان اسمع منك بعض الأشياء مما جرى في التحقيق فهل أنت جاهز؟ قلت له جاهز، قال لي: حدثني بالتفصيل مالذي جرى معك في التحقيق وماهو سبب اعتقالك، حدثته بكل ما جرى لي خلال التحقيق، وسألني بعدها، هل كان لك أي نشاط طلابي مع أي حركة داخل الجامعة، قلت له لا، قال لي وما هو تاريخك النضالي، ضحكت من سؤاله وقلت له أنا لست مناضلا وأنا ابتعد عن هذه الأمور ولا أقرب إليها، قال لي لماذا؟ قلت له لأنني لست أهلا لذلك ولا أرغب السجن أبدا، قال لي: أنت الآن مسجون، قلت له: قدر الله وما شاء فعل وحتى الآن لا أدري سبب اعتقالي وأعتقد أن السبب هو ضغط على والدتي، قال لي على الأغلب أن هذا هو السبب وأنت ليس عندك أي قضية وستخرج ان شاء الله في القريب العاجل، قلت له أريد أن أتحدث مع عائلتي قال لي أنا سأتحدث معهم اليوم وسأخبرك غدا بأحوالهم، انتظرت غدا بفارغ الصبر وجاء أبو منذر من الأقسام الأخرى وقلت له هل اتصلت بأهلي قال: نعم وهم سعداء لأنك خرجت من التحقيق وهم اطمئنوا وارتاحوا كثيرا عندما سمعوا أخبارا عنك، قلت له وكيف حالهم وكيف حال أمي، قال لي: الجميع بخير يا عبدالرحمن، وأنا تحدثت مع والدتك وهي بخير، شعرت بسعادة لا توصف الحمدلله أمي بخير، ولكن هناك ما ينقص أريد أن اسمع صوتهم، ولكن لا بأس اصبر يا عبدالرحمن وان شاء الله ستفرج في نهاية المطاف، كنت أقضي اليوم ببرنامج معين وهو الخروج تحت أشعة الشمس التي طالما حلمت بها طيلة فترتي في المدفن، وكنت أيضا أرفه وقتي في لعب الشطرنج مع احد المعتقلين الآخرين وهي إحدى هواياتي، وكنت استمتع أيضا بلعب كرة الطائرة والتي كنت ألعبها قبل اعتقالي يومين في الأسبوع في إحدى النوادي الرياضية في رام الله، وكنت أقرأ القرآن وأدعو الله تعالى أن يفرج كربي وكرب جميع المعتقلين، كنت أتحدث مع المعتقلين حول ما جرى معي في التحقيق وكانوا يحدثوني أيضا وحديثهم عن أساليب المخابرات في التحقيق لا يختلف كثيرا عن حديثي، كنت أشاهد التلفاز وأقوم بمشاهدة الأخبار عبر القنوات الإخبارية المعروفة، وكنت أيضا أقرا القصص والكتب الدينية والثقافية والفكاهية، كان هناك ثلاث وجبات رئيسية ولكن هناك فرق كبير بين هذا الأكل واكل المدفن، الأكل ساخن هنا وأستطيع عمل الشاي الذي كنت أشربه باردا في المدفن وهو المشروب الوحيد الذي كنت أشربه إلى جانب الماء، ولكن هنا في السجن كان الوضع أفضل بكثير، كنت أقوم بتحضير القهوة التي أنا أدمنت عليها منذ صغر سني وكنت أشرب المشروبات الغازية ومسليات أخرى كثيرة، هكذا كنت أقضي يومي في داخل سجن بئر السبع المركزي. كان في خلال تلك الفترة يأتي الموجه الأمني ويسألني أسئلة غريبة وتخص والدتي وفي حقيقة الأمر لم أكن أعرف عن هذه الأسئلة شيئا، وفي ذات المرات صرخت في وجهه وقلت له ألا يكفي التحقيق الذي أزعجني ماذا تريدون أنتم بجلساتكم هذه، قال لي يا عبدالرحمن نحن هدفنا من هذه الأسئلة هو كشف ملابسات اعتقالك ويمكن أن نستطيع من هذه الأسئلة الكشف عن جاسوس لكي نفضح أمره، نظرت إليه قلت له أنا صحفي وأمي تمارس عملا آخر ماذا سأعرف عن عمل والدتي، كان الموجهون الأمنيون يغلب عليهم طابع التدين والثقافة الدينية العالية، وهم يجيدون الخطابة ومنهم من خطب خطبة الجمعة وكانوا يوقظننا على صلاة الفجر، هم على علم واسع في الدين الإسلامي الحنيف، وكان بعض هؤلاء المعتقلون القدامى أيضا من هم في اللجنة الثقافية وكان يأتي كل يومين شخص يدعى أبوجميل ويعطينا محاضرة عامة عن فلسطين والإسلام والمسلمين وهو يقول عن نفسه أنه محكوم عليه بالمؤبد، كان أبو جميل واسع الثقافة والمعرفة ومتدين ويأتي بأدلة من القرآن الكريم كثيرا، كنت أحس أنه حافظا لكتاب الله أو على الأقل معظم المصحف الشريف. في كل يوم تقريبا كان يدخل سجين جديد قادم من إحدى مراكز التحقيق، تعرفت على اثنين وأنا داخل السجن هناك قدموا من المدفن (المسكوبية) والكلام عنهم سيكثر في الحلقات القادم، وكان أيضا كل يوم يأتي احد المسئولين من المعتلقين ويقوم بنقل المعتقل الذي يأتي دوره إلى الأقسام الكبيرة، كنت أحسدهم كثيرا لهؤلاء المعتقلين لأنهم سيكلمون أهليهم، ولكن لا بأس يا عبدالرحمن الدور قام لك ولكن إن الله مع الصابرين، و بعد حوالي ثمانية أيام وأنا في اليوم الثامن والثلاثين من اعتقالي، وفي صبيحة يوم الأربعاء وكانت الساعة تشير الى الثامنة جاء أحد مسئولي الأقسام وأيقظني من النوم وقال لي عبدالرحمن غيّر ملابسك واحضر جميع أغراضك سوف تذهب إلى الأقسام، كانت فرحتي لا توصف في ذلك الوقت، قمت مسرعا وخلال دقيقة واحدة كنت جاهزا. وبينما أنا اخرج من باب القسم ودعت المعتقلين وقلت لهم أن شاء الله نراكم في الأقسام، فتح الباب وأغلق من خلفي ثم فتح الباب الآخر والذي يؤدي إلى خارج المبنى وإذا بشخصين من ناقلي السجون يحملون جنازير وأمسكوني وقيدوني وكان مسئول القسم الذي اخبرني قد سلمني لهم، أيها الأوغاد لقد وقعت في فخكم أيها العصافير!!! كيف لم أنتبه طيلة هذه الفترة، أحمد الله تعالى بداية أنني لا أملك المعلومة حتى أعطيها، ولكن هذا الأسلوب كنت سمعت عنه كثيرا جدا، ولكن مالذي حصل لماذا لم تكتشف الامر يا عبدالرحمن. قيدوا يداي وقدماي وادخولني داخل السيارة ورجعت نفس الطريق إلى القدس وبالتحديد، إلى مدفن الإحياء، شعرت بغصة ملأتني، كنت سأبكي ولكن ليس لأنني سأعود الى المدفن، ولكن لأنني لم أكتشف أمرهم هؤلاء العملاء، أنا أتحسر على من بقي هناك من المعتقلين الذين هم مثلي، ولكن لن يعلموا بذلك، المخابرات لها أسلوب نفسي وهي تجعل السجين في التحقيق يصل إلى نفسية أخرى، لذلك لم اكتشف أنني بين عصافير أو بمعنى آخر عملاء، أوهموني أنني في السجن، ولكن كنت في وكر للمخابرات وهناك يقع الفرسان، الذنب ليس ذنب الفرسان أعان الله المعتقلين جميعا، لا يحق لشخص أن يلوم شخص آخر بسبب انه اعترف في التحقيق، من الواضح أن مسألة العصافير هي التي تلعب بها المخابرات في جمع المعلومة من المعتقلين. كنت محترقا من شدة غضبي على هؤلاء ولكن لا املك سوى الدعاء عليهم بعدما كنت ادعوا لهم هؤلاء الأوغاد، يستغلون الدين ويكونون أئمة في الصلاة علينا نحن المعتقلين الحقيقيين، أيها الأوغاد إنكم في الدرك الأسفل من النار، يا الهي على هذا الحال الذي انا فيه. بعدما وصلنا إلى مدفن الأحياء مرة أخرى أدخلوني وبنفس التفاصيل إلى العيادة للفحص الطبي ثم أغمضوا عيناي بالنظارة السوداء، ولكن هذه المرة مباشرة ذهبت الى التحقيق كانت المحققة في انتظاري تمالكت نفسي وكأن شيئا لم يحدث معي، دخلت ثم فتحوا اعيني ورأيتها جالسة على المكتب ونظرت الي بشكل طبيعي ثم نظرت اليها وضحكت باستهزاء، كان في داخل الغرفة محقق آخر يجلس على زاوية أخرى من الغرفة وقال لي عبدالرحمن: انت اللي عملت (طوشة) وتعني اشتباك بالأيدي وهي باللهجة العامية، قلت له أين؟ قال: في السجن: قلت له: بتتمسخروا علي كنت عند العصافير، ضحكت المحققة بصوت مرتفع وقالت: عبدالرحمن أنا تأكدت انك مش عامل اشي وقضيتك تافهة جدا ولا تستحق أن تسجن عليها شهر او شهرين، قلت لها: لا أستحق ان اسجن دقيقة أو دقيقتين، قالت لي: يا عبدالرحمن نحن كنا فقط شاكين في أمرك ولكن كل شيء مكشوف لدينا الآن. أنا الآن خائف على أمي وزاد القلق ويجب أن أعرف ماذا حل بعائلتي، ولكن أنا في مرحلة التحدي أمام هؤلاء، لن أستجدي أحد والله تعالى سيكتب الخير لنا بإذنه تعالى، بعد قليل جاءت بورقة وقالت هذه جميع أقوالك عند العصافير يا عبدالرحمن، قلت لها لا يوجد داخلها ما يفيدكم، قالت: اعرف ذلك ونحن بالنسبة لنا أخر أسلوب في التحقيق هو العصافير، لم أصدقها رغم أن كلمتها جوهرية، المعتقل الآن هو في حالة ذهن مفتوح ويكتشف وقتها فوائد لسانه. بعد ساعتين من التحقيق والساعة الآن تجاوزت الثانية عشرة أخذني الشرطي إلى الزنازين لأعود إلى الحالة الأولى أغمض عيناي ومشى في السردايب، ثم فتح باب الزنزانة وفتحت عيناي ولأول مرة كهذه الزنازين، يا الهي داخلها ثلاثة معتقلين ومن ضمنهم محام معتقل وأعرفه جيدا وأعرف انه معتقل قبل اعتقالي، وهو اعتقل قبلي بحوالي أسبوعين، نظرنا إلى بعضنا وسلمت عليه بحرارة وكان هناك معتقلان آخران، ولكن في حقيقة الأمر ومن الواضح أنهم ليسوا عصافير، إنهم مثلي ذهبوا إلى العصافير ولولا ذلك الشخص لشككت في أمرهم ولكن عرفت أسلوبهم الروتيني في التحقيق، وبدأت بالحديث معهم ومع هذا المحامي وقال لي: عرفت انك معتقل منذ حوالي شهر تقريبا والمحامي اخبرني بذلك، قلت له توقعت انك نقلت إلى السجن، قال لي غدا يظهر كل شيء إما إلى السجن أو إلى البيت، قلت له إن شاء الله إلى البيت، وبدأت بعدها اسرد لهم ما حدث معي، وقلت لهم أنني اطمأننت لشخص دخل علي إلى الزنازين، قال لي هذا الشخص دخل إلى معظم المعتقلين وهو عميل. صعقت من هذا الكلام، هل تذكرون ذلك الشخص الطيب والذي اطمأننت منه والذي حدثني عن تجربة اعتقاله قبل، انه الذي حدثني وقال لي ممنوع من زيارة الصليب والذي يدعى شاكر من بيت لحم، هذا جاسوس، يا الهي ماهي حال هذه الدنيا، ألهذا الحد وصلت النفوس الضعيفة، ولا يتعاملون معنا إلا بالدين هؤلاء الأوغاد. كنت مندهشا من سلسلة الأحداث التي مرت معي من العصافير وحتى هذه الزنزانة وما سمعته، عموما أنا الآن في انتظار المحامي والذي أخبروني في التحقيق أنني مسموح برؤيته أخيرا. وفي ذلك اليوم وبعد أن دقت الساعة السادسة مساء جاء الشرطي وقال لي أن المحامي يريد رؤيتك. أخيرا جاء الفرج الحقيقي بالنسبة لي، خرجت اليه ورأيت المحامي في غرفة الزيارة، وكان أول سؤال سأله لي بعد السلام هو متى عدت من العصافير، قلت له أنت معتاد على ذلك يا فراس، والمحامي اسمه فراس وهو محامي الدفاع عني في محكمة المسكوبية والذي كان يراني عندما كنت أدخل الى قاعة المحكمة ولكنني لم أكن أراه بسبب أنني ممنوع من رؤيته، سألته عن أهلي وامي وقال لي الجميع بخير، بعد أن اطمأننت عليهم من خلال المحامي سردت له ما حدث معي بالتفصيل وماذا قلت في التحقيق. بعد ان انتهيت قال لي لا يوجد قضية أصلا ولكن من الواضح ان هناك هدف لإعتقالك ولكن يوجد لديك محكمة في الغد وإذا كان قرارها هو تمديد الاعتقال للتحقيق سأعمل لكي نستأنف لك في محكمة الاستئناف لنطع قرار المحكمة، غادر المحامي وأنا الآن انتظر غدا المحكمة ولكن هذه المرة بصحبة المحامي، على كل حال نحن في الزنزانة أربعة أنا والمحامي الذي اعرفه سابقا واسمه عاصف وعمره داخل المدفن 53 يوما وشاب أخر اسمه رفيق وقد تجاوز ال 60 يوما في المدفن وشاب آخر من بيت لحم واسمه احمد وهو تجاوز ال 50 يوما. لا تزال المفاجآت تملأ الطريق أمامي وللحديث صلة في الحلقة القادمة ان شاء الله.