قصة اعتقال مراسلنا من قبل الصهاينة... الحلقة (10)
Jan ١٢, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
الثالث عشر من شهر رمضان المبارك وبعد عودته الى منزله من حفل إفطار في إحدى المؤسسات الإعلامية في رام الله اعتقلت قوات الاحتلال مراسلنا عبدالرحمن مصلح، وها هو يواصل حديثه عن معاناته التي تمثل معاناة الآلاف من الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني، وفي الحلقة (8) من سجن بئر السبع مرة اخرى الى المدفن...
عبدالرحمن مصلح مراسلنا من رام الله من العصافير الى المدفن الجماعي! الحلقة (10) بعد جولة العصافير التي عدت منها مندهشا من الذي حصل معي، كنت قد ارتحت من ذلك الشيء والأمور بدأت تنكشف أمامي بوضوح، لم يعد الأمر صعبا عليّ وأصبحت أتوقع أسوأ الاحتمالات، ولكن بعد زيارة المحامي لي وطمأنني عن عائلتي وعن والدتي بالأخص، كنت قد ارتحت والهم الذي كنت أعاني منه زال عنيّ، رجعت إلى الزنزانة الجماعية والتي هي أصلا لا تكبر حجما عن الزنازين الانفرادية، ولكن يوجد بها أسرّة من طابقين ويجلس في الزنزانة أربعة أشخاص، في الحقيقة الأمر مسلي جدا، وأعتقد أنني مستعد أن أصمد هنا أضعاف ما صمدته في العزل الانفرادي. كل شخص بدأ يحدث قصته مع المحققين ومع العصافير، اكتشفت ان زنازين الجماعية هي للذين انتهوا من جولات التحقيق القاسية، وهم يبعدونهم عن العزل الانفرادي كي لا تخبر الذين هناك عن العصافير طالما اكتشفت أمرهم، فلذلك لن يرجعوك الى الانفرادي طوال العمر وليس في هذه الفترة، وهذه الزنازين بعيدة جدا عن الزنازين الانفرادية. عموما... عندما يأتي الشخص على هذه الزنازين الجماعية يكون المعتقل في انتظار (البوسطة)، و(البوسطة) هي ليست عربية وتعني بريد، والصهاينة يقولوا (بوسطة) بمعنى نقل المعتقلين من سجن إلى سجن أو من سجن إلى المحكمة عبر سيارة كبيرة او حافلة، إذن أنا أيضا في انتظار (البوسطة)، ولكن متى ستأتي (البوسطة)، الذين معي في الزنزانة يكثرون عني في أسبوعين، يجب أن أهيئ نفسي أن امكث هنا أياما كثيرة. أنا الآن مع عدد من الشباب في الزنزانة رقم 35، أسمع أصوات المعتقلين في الزنازين الجماعية الأخرى، كان أحد الشباب والذين كانوا معي في هذه الزنزانة قد مكث في عدد من زنازين الجماعي، وقال لي هناك 7 زنازين جماعية وهذه الزنزانة من أصغر الزنازين الجماعية، وهناك ما يسمى بالأربعينات أي أرقامهم بالأربعين وزنازين تسمى المنفى وهي بعيدة جدا وهي زنزانتان منفيتان عن باقي الزنازين، بحيث لا نستطيع أن نسمعهم بشكل مطلق. ذلك اليوم هو يوم الأربعاء، في اليوم التالي كنا أنا والشاب المحامي المعتقل واسمه عاصف علينا محكمة، عاصف كانت تلك المحكمة بمثابة المحكمة الأخيرة بحيث إما أن يخرج أو يحول إلى الاعتقال الإداري فورا، وذلك بسبب عدم وجود أدلة تدينه، أما أنا كان وضعي إما بنقل ملفي للنيابة العسكرية أو تمديد بسبب التحقيق، وذلك كما قال لي المحامي لأنني كتبت إفادتي عند الشرطة لذلك لا بد أن يحولوني إلى قضية. كان ذلك اليوم هو يوم الأربعاء، جاء اليوم التالي وجاء طعام الإفطار، حقيقة الأمر بأن الاكل مع الجماعة له متعة جميلة، والأكل بشكل منفرد هو من أسوأ العذابات النفسية التي يتعرض لها المعتقل، كان لذلك الأكل رغم رداءته كان له متعة بسبب جمعة الشباب حولي وكنا نتحدث ونضحك فيما بيننا، الأمر أهون عليّ بكثير. جاء الشرطي ونادى على اسمي وقال لي تعال، عرفت أني ذاهب إلى المحكمة، ذهبت إلى المحكمة كما هي العادة وأنا في المدفن، ولكن هناك أمر يختلف وهو أن المحامي جاء إلي ورفع النظارة عني وبدأنا نتحدث، كان الأمر مريحا جدا، في ذلك الوقت قال لي المحامي أن الشرطة طلبت التحقيق لمدة 18 يوما، ونحن سنحاول أن نخفضها قدر الإمكان وان نطالب بالإفراج الفوري عنك، بعد فترة بسيطة جاء دوري ودخلت إلى المحكمة ثم صدر حكم القاضي بتمديد التحقيق لمدة 8 أيام. بعد صدور حكم القاضي وبينما أنا خارج من قاعة المحكمة، جاء المحامي وقال لي أنا سأستأنف الحكم في محكمة الاستئناف بعد يومين، عرفت أن لي محكمة خارج المدفن قبل المحكمة القادمة، رجعت إلى مدفن الأحياء الجماعي، ثم بعد حوالي ساعتين جاء الشرطي وطلب عاصف ثم سلمنا عليه على أساس أننا تمنينا له الخروج والذهاب إلى المنزل، فعلا لم يرجع عاصف إلينا وتوقعنا أنه قد أفرج عنه، كان كل منا يأمل بأن يخرج مثل خروج عاصف وخصوصا أنا وحسب مشاهدتي في قضية الآخرين فقضيتي ليست قضية ولا يمكن أن تكون قضية. كانت الأيام تمر أسرع من العزل الانفرادي نظرا لوجود شيء مسلي في الزنزانة وهو الرفيق، نحن الآن ثلاثة ولو كنا أربعة لكان أفضل وكلما ارتفع عددنا كان ذلك أفضل، بعد مرور ثلاثة أيام، يوم الأحد، جاء الشرطي ثم نادى على شاب كان معي من بيت لحم وقال له (بوسطة)، شعر بفرح كبير بسبب (البوسطة)، هو ذاهب إلى السجن، وهو بطبيعة الحال أفضل من هذا المكان بملايين المرات، بقينا أنا ورفيق في الزنزانة بمفردنا، وكان الوضع أسوأ من قبل نظرا لقلتنا وكانت الزنزانة رقم 34 وهي بجانبنا كان يوجد بها أربعة شبان. جاء يوم الاثنين ثم جاء الشرطي وقال للشاب الوحيد والذي بقي معي تعال لأنقلك إلى زنزانة أخرى، ذهلت من هذا الشيء لقد عدت إلى العزل الانفرادي مرة أخرى، بحكم خبرة ذلك الشاب قال لي لا تقلق بالتأكيد سيأتون بأشخاص جدد إليك اليوم أو على ابعد تقدير غدا صباحا سلمت عليه وذهب لينقل إلى زنزانة أخرى، رفيق تجول في معظم الزنازين نظرا للمدة الطويلة التي مكثها. كنت لوحدي هنا في الزنزانة، لم يعد لي سوى المناداة مع الزنزانة التي بجانبي والذين تعرفت عليهم من خلال الصوت، كان جميع من في تلك الزنزانة متعاطف معي بسبب وحدتي التي عادت إليّ، كان الوقت في الظهيرة، وحتى المساء جاء الشرطي وأعطاني أكل لنفرين قلت له أنا لوحدي، قال لي سيأتي إليك بعد قليل شاب. شعرت بارتياح كبير لأنني لن أقضي هذه الليلة وحيدا، فعلا بعد حوالي نصف ساعة ادخل الشرطة فتى صغير العمر لا يتعدى الثامنة عشر، بدا مذهولا من كل شيء ثم جلس على السرير وعرفني عن نفسه، كان خائفا، سألته عن مدة مكوثه قال لي 21 يوما، قلت له، هل جئت من عند العصافير؟ انذهل قال لا أنا أتيت من السجن، قلت له نعم أنت كنت في سجن العصافير، لماذا رجعت؟ قال لي: لا أدري. من الواضح أنه كان خائفا جدا، ومن الواضح ان جولة العصافير قد جعلته في كامل الحذر، وكأن انتهى كل شيء الان، أنت في أمان وبالنسبة اليك أصبح فلم العصافير مبيتا وتعرفه جيدا. أشعرته بالطمأنينة مني، وقلت له أن الوضع هنا يختلف، نحن معتقلون وسردت له القصة كما حصلت معي والتي هي بطبيعة الحال حصلت معه بنفس الأسلوب، اطمأن الفتى والذي يدعى مصطفى وهو معه مرض مزمن، لقد كانت حالته يرثى لها، كان يبكي كثيرا، وكنت أشجعه على الصبر وان يحمد الله تعالى أن سجنه لم يأتي على خلفية سرقة أو تزوير أو اختلاس، كان شرفا لنا هذا السجن. كان يختنق كثيرا من هذا الواقع وكنت بمثابة الأخ الأكبر له وكنت انصحه كثيرا، وان يتحدى نفسه وخصوصا بالبكاء، بعد أن اخذ الجو بدأ مصطفى بسرد قصته وما حدث له منذ اعتقاله حتى عاد من العصافير، وحتى الآن لم أجد معتقلا لم يقعد عند العصافير ولم يشك في أمرهم، إنها خدعة خبيثة من هؤلاء الأوغاد. أنا انتظر محكمة الاستئناف والتي حتى الآن لا أدري متى ستكون، من المفترض أن يبلغوني عن موعدها، ولكن لا أدري سبب ذلك التأخير، اليوم هو الاثنين ولم يبق سوى ثلاثة أيام لموعد المحكمة القادمة، ما فائدة الاستئناف إذا كان كذلك، لا أعلم حتى الآن عن موعد الاستئناف أي شيء، ولكن المهم لدي أن هذه المحكمة سأرى عائلتي هناك، وهي في معسكر عوفر غرب رام الله، لكن الأمل بدا يذهب وكنت أتوقع أنهم لن يوافقوا عليها نظرا لمدة التحقيق القصيرة والتي مددتها المحكمة العسكرية... ولكن سأخرج خلال يومين حيث هذا ما كان يخبئه لي القدر.... ولكن لا أدري إلى أين ولماذا ولم يخبروني بشيء.... وللحديث صلة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.