الطواقم الطبية الفلسطينية... جنود مجهولون
Mar ١٤, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
المحرقة الصهيونية التي بدأت قوات الاحتلال الصهيوني اولى فصولها في شمال قطاع غزّة وبقرار سياسي صهيوني كشفت عن حجم المعاناة التي تعيشها الطواقم الطبية الفلسطينية التي وجدت نفسها رهينة بين القيام
المحرقة الصهيونية التي بدأت قوات الاحتلال الصهيوني اولى فصولها في شمال قطاع غزّة وبقرار سياسي صهيوني كشفت عن حجم المعاناة التي تعيشها الطواقم الطبية الفلسطينية التي وجدت نفسها رهينة بين القيام بدورها والمشاهد المروعة التي تعيش تفاصيلها هذه الطواقم والتي باتت تتأثر بما تشاهده يومياً من مناظر دموية بشعة يرتكبها الاحتلال الصهيوني ، سيما وأن ذلك الاحتلال يستخدم أبشع الوسائل القتالية والحربية بحق أبناء الشعب الفلسطيني مما تنعكس سلباً على نفسية العاملين في المستشفيات. فيعبر د. معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة ، عن مدى تأثره نفسياً بالعديد من المناظر الذي وصفها بالبشعة والفظة جراء قيام الاحتلال الصهيوني بالاستخدام المفرط للأساليب القتالية الحربية المتنوعة والوحشية جعلهم يستقبلون في المستشفيات مئات الحالات التي تؤثر في نفسيتهم يومياً. ويصف حسنين المواقف الصعبة والمحرجة :" يصلنا إلى المستشفيات نتيجة أجسام مقطعة الأطراف أو الجسد مفصول عنه الرأس ومشوه ، وفي بعض الأحيان أشلاء وفتات أجسام مزقتها القذائف الإسرائيلية كاللحمة المفرومة والمحروقة المتفحمة مما يجعلنا نصاب بالصدمة الكبيرة جراء تلك المناظر ويصعب علينا ايضا أن نترك شهداءنا وخاصة وهم فلذات قلوبنا". ويشير حسنين إلى أنه يشاهد المناظر الدموية بشكل يومي تجعل درجة الإحساس والعواطف عنده تموت بالتدريج وترتفع نسبة اللامبالاة والغضب والانفعال ، وأحياناً تؤثر على حالته النفسية وتنعكس على حياته الأسرية في تعامله مع زوجته وأولاده ويقول:" الحد النفسي أصبح لدي جباراً جداً إلا أنني أقف ضعيفاً وأواجه الموقف بصبر وبحكمة حتى لا يتأثر كل من حولي من العاملين والمسعفين". ويؤكد مدير عام الاسعاف والطوارئ أن الأطباء والممرضون كانوا يتأثرون كثيراً في بداية الانتفاضة كلما رأوا شهيداً أو جريحاً يصل إلى المستشفى مصاباً بعيار ناري خفيف ، إلا أنهم في الوقت الحالي يتجرعون جرعات كثيرة من المناظر الدموية البشعة التي تخلفها قوات الاحتلال كلما قصفت أو اجتاحت " أنا اكتشفت ان العاملين والمسعفين أكثر صلابة مني ، من ناحية نفسية وعاطفية ومن كثرة الشهداء الذين نسعفهم وجدت أن العشرات من زملائي يقفون بين سيارات الإسعاف ويبكون على الواقع ويتألمون ألما شديدا وحالتهم النفسية صعبة جداً ولا يريدون ان يصفوا معاناتهم ، وبصبر وجلد وتحمل يشكون همومهم إلى الله". ويؤكد حسنين أن كافة الطواقم الطبية وهو ضمنهم في الآونة الأخيرة أصبحوا أشباح رجال ووضعهم النفسي صعب للغاية وسط الظروف الصعبة التي تحيط بهم من الحصار الاجتماعي والاقتصادي وإطلاق النار من قبل الجيش الصهيوني على الطواقم الطبية وإيقافهم على الحواجز في الضفة الغربية ، منوهاً إلى انه يقف بموقف صعب وخطير جداً عندما يلتقط الشهيد أنفاسه الأخيرة والأطباء عاجزين عن توفير الأكسجين له. ولفت إلى أن العاملين في وزارة الصحة وصلوا الى درجة من الكفاءة والتعامل ميدانيا مع الحالة اكثر من شعوب العالم لان الخبرة أصبحت واسعة في ظل العمل دون توفير الامكانات المسعفة اللازمة على حد قوله ، مطالباً بتوفير الامكانيات اللازمة لتدريب العاملين في علوم الاسعاف والطوارئ وحاجتهم الى رحلات ونشاطات خارجية لترفيههم نفسياُ و لتبعدهم عن الأجواء الصعبة. فيما تقول الحكيمة سماح محمد شعبان"29 عاماً" ، الممرضة في قسم العناية المركزة بمستشفى الشفاء بمدينة غزّة ، أن المشاهد القاسية التي تخلفها مجازر الاحتلال تترك أثارا سلبية على نفسيتها وتشعر بأنها سوف تتعرض في أي لحظة لمثل تلك الأحداث توقعها ضحية مماثلة لما تشاهده في المستشفى. وتصف حالة طفل في العاشرة من عمره لم تفقده ذاكرتها حين وصل إلى المستشفى مصاباً بقذائف الاحتلال التي استهدفته وهو يسير على الطريق ، مما أدى إلى إصابته بشلل كلي ، معبرة عن أسفها لعجزها عن تمريض الطفل وهي تراه على سرير الشفاء جسد هامد على جهاز التنفس الصناعي رغم استخدامها أسلوبها المهني والعاطفي في علاجه وتوفير كل الخدمات المتوفرة لحالته. وتقول سماح :" هذه المناظر تحطم نفسيتنا وتجعل الدمع ينزل من أعيننا حزناً وألماً ، نشعر بأن الحياة بدون طعم نفقد شهيتنا للطعام والشراب.. ونعيش الحياة بضيق وألم ، متسائلة :" ما ذنب هؤلاء الأطفال سوى أنهم مروا في الطريق التي تقصف فيه قوات الاحتلال هدفها!" ، مشيرة إلى أن من كثرة ما تشاهد من مجازر دموية بشعة قلبت شخصيتها الرقيقة والحساسة العاطفية لكي تكون امرأة جامدة ، صلبة تحوصل عاطفتها بعيدا عما تشاهده من أموات تحت مسميات بالأحياء يصابون بفعل قذائف الاحتلال الإسرائيلي. وتقول سماح إلى أن هذه المشاهد الدموية تزيد من انتمائها الوطني ، كما تزيد من حقدها على الاحتلال الإسرائيلي وتقول :" تسيطر علينا فترات تكثر فيها الإصابات والشهداء ما يدفعني شعور بالتفكير إلى أن اخرج وأنتقم من الاحتلال الإسرائيلي لهم". ومن جهته يقول زميلها في قسم العناية المركزة الحكيم يحيى الفراني ، أن الإنسان مهما تجرد من الشعور والإحساس إلا انه يتأثر كثيرا عندما يرى المجازر الدموية التي ترتكبها آليات الاحتلال الصهيوني ، مشيراً إلى انه يشاهد مناظر تقشعر لها الأبدان خاصة في الفترة الأخيرة التي تستخدم فيها قوات الاحتلال الصهيوني صواريخ قتالية حربية تحرق الجسد وتذيب الجلد عن العظم وتنزع عنه المعالم. ويوضح الفراني أن جرائم الاحتلال الكثيرة والتي بدت واضحة في محرقة جباليا الاخيرة لم تترك لهم فرصة لكي يفحصوا حالتهم النفسية والصحية ، بل يواصل الممرضون طوال الليل والنهار يستقبلون إصابات في حالات القصف العشوائي المتواصل والذي يذهب ضحيته العشرات مما تشبعهم تلك المجازر مآسي وآلام. ولا يستطيع الفراني الذي يعمل في مستشفى الشفاء منذ الانتفاضة الأولى أن ينسى منظر طفل أصيب بقذيفة مدفعية صهيونية أدت إلى حرق نصفه الأيمن ويقول :" ذهبت الى غرفة الاستقبال والطوارئ لأجد طفل يده ورجله اليمنى ممزقتين واللحم يتساقط منها وعينه مفقودة والدم كالنافورة يخرج منها والطفل يصرخ ويستغيث ألحقوني... أسعفوني.. وأنا أتألم مع آلامه.. وما أجد نفسي إلا عاجزاً عن وقف نزيفه الدموي". ويتعجب الفراني عند مشاهدته تلك المجازر البشرية التي يرتكبها الاحتلال مخلفة أرقاماً من الشهداء والجرحى والمعاقين مع صمت العالم العربي والدولي والذي لا يستطيع مساعدة الشعب الفلسطيني ونجدته ، متسائلاً عن قلب ذلك الاحتلال الذي تجرد من الإنسانية والرحمة. ويرى الأطباء النفسيون ضرورة عمل تقييم نفسي للعاملين في المجال الصحي كي لا تترك المناظر العنيفة التي يرونها باستمرار أثارا على حياتهم اليومية وتعاملهم مع الآخرين.