محرقة غزّة... شهيد حي والحي في القبر شهيد
Mar ١٧, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
رغم ان المحرقة الصهيونية او ما اطلق عليها عملية الشتاء الساخن الصهيونية والتي استهدفت شمال قطاع غزّة وتحديداً مخيم جباليا انتهت الا ان فصول معاناتها للفلسطينيين لم تنتهي بعد ومع مرور الايام تتكشف
رغم ان المحرقة الصهيونية او ما اطلق عليها عملية الشتاء الساخن الصهيونية والتي استهدفت شمال قطاع غزّة وتحديداً مخيم جباليا انتهت الا ان فصول معاناتها للفلسطينيين لم تنتهي بعد ومع مرور الايام تتكشف عن المزيد وجديدها هذه المرة قصة شهيد دفنه ذووه اتضح بعد ايام انه من دفن ليس ابنهم وان ابنهم لازال على قيد الحياة ومن دفن هو ابن عائلة اخرى , اما فصول القصة والتي تداولها الفلسطينيون على رسائل هواتفهم المحمولة وبريدهم الإلكتروني وأحاديثهم الصبّاحية بشغفٍ وبعيونٍ مفتوحة على كل علامات الدهشة ، لدرجة ان بعضهم لم يصدقها... وما أكثرهم من لم يُصدقوا تفاصيل المشهد ، إلا أن حقيقة الأسماء والدموع والصرخات ودقة الصورة ألبست الجميع رداء الصمت وارتفع هُتاف : "سبحان الله"... كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟... وبقية علامات الاستفهام والتعجب بدأت حين اكتشفت عائلة الطفل أحمد أبو سلامة "15 عاما" أن ابنها ما زال حيا يرقد في أحد مستشفيات القطاع ولم يستشهد كما تصوروا في البداية... دمعات الأم.. فاجعة الأب.. صرخات الأحبة.. آهات حنين الأطفال.. مسيرة التشييع.. هُتافات الانتقام.. مواراته الثرى.. فتح بيت العزاء.. كُلها طقوس لم تكن لأحمد ، بل كانت لطفلٍ آخر... طقوس خلّفتها دراما المحرقة الإسرائيلية الحارقة للأجساد والمشُوهة لكافة تفاصيل الحياة والموت.. الاكتشاف الذي بدّل الأدوار فأحال دمعة البيت الأول إلى بسمة وضحكة البيت الآخر إلى غصة وآهة جاء متأخرا.. فبعد أسبوعين مضت على محرقة غزّة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في شرق جباليا وراح ضحيتها أكثر من 130 شهيدا ومئات الجرحى.. جاء الخبر: "ابنكم أحمد لم يمت..". كيف بدأت هذه الدراما الفلسطينية القاسية.. والد أحمد يروي لـ "إسلام أون لاين" وأمارات الذهول وعدم التصديق مرسومة على وجهه : " تلقيت نبأ تعرض ابني للقصف في اجتياح قوات الاحتلال لشمال جباليا.. توجهت على الفور أنا وعائلتي للمستشفيات بحثا عنه عله يكون مصابا ، فلم نجده بين الجرحى ولا بين الشهداء". بعد انتهاء الاجتياح بحثت العائلة عن ابنها في كل أماكن التوغل ولكن أحمد ما كان هناك.. في مستشفي "كمال عدوان" ، قالوا لهم توجد لدينا جثة مجهولة الهوية فهرعوا للتعرف عليه فوجدوا أنفسهم حيارى: "ابننا.. نعم.. لا.. كيف ستأتي الإجابة الشافية وشظايا الموت أحالت الجسد إلى فتات وكومة من اللحم...". بعد موجات من الحيرة وسيل التكهنات حملت العائلة الشهيد ووارته الثرّى.. فتحت بيت العزاء لأحمد الذي كان يرقد على سرير المرض ملفوف الوجه لصعوبة إصابته.. جاء الناس من كل حدبٍ وصوب لمواساة العائلة باستشهاد أحمدهم.. وحده إحساس الأم رفض التصديق.. لم تقتنع أن الجثمان لقرة عينها.. ساعات وأيام وينفض العزاء. وفجأة بدأت تسري الإشاعات في مخيم جباليا : "أحمد حيٌ يُرزق..." رفضت العائلة التصديق وأغلقت هواتفها في وجه وسائل الإعلام وسلّمت أمرها لله. مساء الجمعة الماضي ، وبعد ثلاثة عشر يوما هرول أصدقاء أحمد نحو الأم ليهتفوا بكل حب : "رأيناه.. نقسم لك إنه حي.. يرقد في مستشفى الشفاء بغزّة في قسم العناية المُركزة...". بعد الأصحاب جاء التأكيد من الشقيق الأكبر فالأب فالطبيب.. وانتشر الخبر وعلت زغاريد الفرح والحياة.. إذن أحمد لم يمت فمن ذا الذي شيُع جثمانه... الوجه الآخر الحزين لهذه الدراما كانت في انتظار عائلة "منصور حجازي".. الشهيد المدفون، عائلته كانت تقف على باب العناية المُركزة تعد الدقائق والساعات لتحتضن أيمن منصور سالما.. ولم يدر بخلدها أن من يرقد على السرير "أحمد أبو سلامة" فيما يرقد أيمن بهدوء هُناك... وفي جميع الأحوال ، فإن أم أحمد فرحتها لن تكتمل فطفلها الحي فاقدّ للنطق.. وجهه محروق بالكامل من دون معالم.. رفعت الأم أكف الضرّاعة بأن يشفي الله فلذة كبدها.. ويحلل عقدة لسانه. داخل المستشفى أعرب الأطباء عن دهشتهم للحادثة.. أحدهم أكد أن المدة طالت دون التعرف على الحقيقة لأن أهل الطفل أيمن منصور ظلّوا خارج المستشفى طيلة الفترة السابقة لأن زيارة المصاب كانت ممنوعة لشدة الإصابة ، واعتقدوا أن من يرقد في قسم العناية المكثفة هو ابنهم. عائلة سلامة تنفست السعادة ، والأمل يحدوها بشفاء ابنها.. أما عائلة حجازي المستيقظة على الحقيقة المرة فسادها الحزن والحداد. أم أحمد اعترفت أن ثمة شعورا غريبا للغاية يسيطر عليها: "رجع أحمد لي بعد أن شيّعناه.. أتمنى له الشفاء العاجل والكامل.. وصبر الله آل حجازي على ما ابتلاهم". عائلة أحمد " الابن الحي " الراقد علي سرير العناية المركزة سارعت لإلغاء شهادة وفاته التي كانت قد استخرجتها قبل نحو أسبوعين.. عائلة حجازي المُصابة بالصدمة القوية هرعت نحو المقبرة لتلمس ابنها المدفون وتبكيه بصمت. في غزّة أسدل الستار على حكاية باتت حديث الناس في كل مكان وقلوبهم تسأل بحرقة : " أما آن لقصص العذاب أن تنتهي؟".