بيوت العزاء تفترش شوارع غزّة المستباحة
Dec ٣١, ٢٠٠٨ ٠٤:١٧ UTC
في ظل استمرار الغارات الصهيونية على غزّة وارتقاء المزيد من الشهداء الذين تكدست جثامينهم في مستشفيات غزّة, انشغل مواطنو القطاع من رفح جنوبا وحتى بيت حانون شمالا في نصب خيام العزاء لأحباء كانوا بالأمس القريب بين
في ظل استمرار الغارات الصهيونية على غزّة وارتقاء المزيد من الشهداء الذين تكدست جثامينهم في مستشفيات غزّة, انشغل مواطنو القطاع من رفح جنوبا وحتى بيت حانون شمالا في نصب خيام العزاء لأحباء كانوا بالأمس القريب بين ظهرانيهم واليوم واروهم الثّرى وانتشرت خيام العزاء في شوارع القطاع في انتظار وفود المعزيين الذين لم يأتي منهم إلا القليل جدا بعد أن لازم المواطنون منازلهم تخوفا من الصواريخ التي لا تفارق سماء غزّة ولا تفرق بين أحد، حتى باتت خاوية على رؤوس ناصبيها. ففي مدينة غزّة ما أن تخرج الطائرات وتلقي بصواريخها حتى تتعالى أصوات النساء وبكاء الأطفال على أثير الإذاعات المحلية طالبين النجدة. منصورة أبو عمرة "18" عاما والتي سقط بيتها القريب من مجمع الوزارات في مدينة غزّة والتي استهدفته طائرات الاحتلال بأكثر من ثلاثة عشر صاروخ سقط عليها وأسرتها بينما كانوا نيام ما أدى إلى احتجازهم تحت الركام إلى حين وصل رجال الإسعاف وانتشلوها مع أمها وأبيها وأخيها الصغير ذو الثلاثة أعوام وتركوا أخيها يحي 17 عاما لعدم تمكنهم من رؤيته إلا أن فقدته أمها وأخذت تصرخ وتؤكد نسيانهم فلذة كبدها تحت الركام ليعود رجال الإسعاف وينبشون بأيديهم الحجارة ويجدونه متيبسا في البرد القارس لا يحرك ساكنا. ابوعمرة قالت من على أحد أسرة مجمع الشفاء الطبي تعاني كسورا في قدميها ويديها قالت "رفضنا إخلاء البيت لأننا لا نملك مكان آخر نذهب إليه فنحن اثنا عشر فردا أين سنذهب والآن وقد دمروا منزلنا لا نعرف أين سنذهب في هذا البرد بعد خروجي أنا وأسرتي من المشفى، سنتخذ المشفى مأوى إلى حين أن يفرجها الله ويلهمنا ماذا نفعل. وتقول أم محمود صبيح 47 عاما بينما كانت تنظف بيتها من حطام الزجاج وتلملم ما ستأخذه من البيت تمهيدا لتركه مؤقتا "والله ما تركناه خوفا، ولكن رحمة بهؤلاء الأطفال، الذين أصابهم الهلع ليلة أمس ومكثنا الليل البارد في العراء وتحت زخات المطر"، مؤكدة بأنهم صامدون وسيبنون ما تهدمه حكومة الاحتلال. أما الفتاة ورود والتي كانت تجمع بعض كتبها الدراسية من بين حطام الحجارة المتناثرة في شقتهم السكنية في برج النور فقالت لنا "لن ينتصروا علينا، وإنا صامدون في أرضنا، سندرس ونتعلم ونبني وطننا الحبيب، وسأعود إلى غرفتي وسريري ومكتبتي، مهما قصفوا ودمروا لن يخيفونا. الطفلة لما أحمد نصر 10 أعوام والتي كانت تساعد أمها في إخلاء منزلهم فعبرت لنا عن خوفها من صوت الانفجارات التي تعالت في سماء غزّة، قائلة "لما سمعت صوت الصاروخ خفت كثير، ونزلنا تحت البرج في المطر والبرد"، ولدى سؤالنا لها عن وجهتها قالت "حنروح بيت خالتي بعيد عن القصف". ورغم كل هذه المصائب التي لا تأتي فرادى فلا تكاد تخلو شوارع قطاع غزّة عموما ومدينة غزّة تحديدا من خيام العزاء المنصوبة لشهيدين وثلاثة من نفس العائلة، بشكل يعبِّر عن الخسائر الهائلة في الأرواح عدا عن الدمار المعنوي والمادي، ما أثر على حركة سير المواطنين والمركبات واضطر الجميع إلى تغيير خط سيره بعيدا عن تلك الخيام التي افترشت شوارع القطاع. وإذا حاولت الاقتراب من خيام العزاء لا يلفت نظرك إلا عيون حائرة، وعقول شاردة، في بعض أجساد غيبتها الصدمة وحركتها أرواح مهددة بالصعود إلى خالقها في أي لحظة خاصة وأن قطاع غزّة ببشره وحجره بات في مرمى الهدف الصهيوني، فلا أمان لك حتى لو التزمت بيتك وامتنعت عن النزول للشوارع فصواريخ الطائرات الصهيونية تعرف طريقها جيدا للشقق السكنية في الأبراج المكتظة في مدينة غزّة. وابدت وفود المعزين استغرابا شديدا مما يتعرض له قطاع غزّة، مؤكدين أن ما هو آت أشد وأقسى في ظل ما وصفوه تخلي الدول العربية عنهم وعلى رأسهم جمهورية مصر العربية، مشيرين إلى أن حكومة الاحتلال لم تتجرأ على فعلتها تلك إلا بعد أن أطمعها الغياب العربي عن قضايا الأمة وهمومها وعدم مقدرة دولة بحجم مصر التي تتباهي دائما بأنها حاضنة وواجهة الدول العربية والتي تربطها علاقات دبلوماسية وسياسية بحكومة الاحتلال والولايات المتحدة بالمشاركة مع وزراء خارجية الدول العربية على اتخاذ قرار واحد بفتح معبر رفح البري وفك الحصار عن مليون ونصف المليون مواطن. الحاج أبو محمد ولدى توجهه لتقديم واجب العزاء لإحدى العائلات في شارع الوحدة في مدينة غزّة قال: "عندما يصل الأمر بحكومة الاحتلال إلى ضرب المساجد على رؤوس المصليين على مرأى ومسمع العالم وبصور تنقلونها عبر كاميراتكم دون تحريك أدنى رد فعل فلتصمت الأقلام ولتطفأ الكاميرات وننتظر رحمة الله فلا ناصر لنا إلا رب العالمين"، مؤكدا حالة الخوف التي باتت تعتري المواطنين وتمنعهم من مغادرة منازلهم، لافتا إلى أنه خرج من البيت وهو يحمل روحه على اكفه. أما الشاب محمد رمضان فقد استوقفناه بينما كان متوجها لتعزية صديقا له ارتقي شهيدا مع أخيه الصغير في غارة استهدفت سيارة كانت تمر بالقرب منهم في شارع "الصناعة" وسط مدينة غزّة بينما كانا يجلسان بالقرب من منزلهم عبَّرَ عن صدمته وعدم استيعابه لما يجري، معربا عن خيبة أمله من كل شيء فلا ناصر لأهالي قطاع غزّة، متهما الأنظمة العربية بالتواطؤ مع حكومة الاحتلال في الجريمة ضد قطاع غزّة، مؤكدا بأن الأمر بات لا يتعلق بحماس وفتح وإنما حرب مفتوحة ضد كافة شرائح الشعب الغزّي. وعبّر رمضان عن تردده من مغادرة المنزل لتقديم واجب العزاء، مؤكدا بأنه كان لا ينوي الخروج من البيت تخوفا من الطائرات الصهيونية التي لا تغادر قطاع غزّة وتستهدف المواطنين في الشوارع العامة، مضيفا "أصبحنا كلنا في عداد الأموات. وداخل خيمة عزاء تعود لعائلة الترك بدت شبه خالية كغيرها من تلك الخيام المنتشرة قال لنا المعزيين كيف سيحضر المعزيين إذا كنا نحن خائفين أن تطالنا صواريخ الطائرات داخل تلك الخيام، معبرين عما يعتريهم من غضب إزاء ما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزّة. وحول ما شهدته بعض العواصم العربية والأوروبية من اعتصامات ومظاهرات جماهيرية تطورت إلى مهاجمة مباني السفارات المصرية، قالت عبلة قشطة 28 عاما من داخل احد بيوت العزاء " تلك التظاهرات غير كافية للجم العدوان الصهيوني، مطالبة باتخاذ خطوات أكثر جدية وقسوة مع الاحتلال ورد كرامة العرب التي بعثرتها حكومة الاحتلال، ودفع ثمنها الفلسطينيين وحدهم من أرواح أطفالهم وشبابهم ونسائهم"، محملة المجتمع الدولي ما سيتعرض له قطاع غزّة من عدوان جديد في ظل التلويح الصهيوني باستمرار العملية.