موائد الرحمن فى مصر... من الجميع وللجميع
Aug ٣١, ٢٠٠٩ ٢٣:٠٠ UTC
رمضان فى مصر يعكس مظهراً من مظاهر التكافل الاجتماعي والترابط وعطف الغني على الفقير، وذلك من خلال مايعرف بموائد الرحمن التي قسمتها الدراسات إلى 3 أنواع، الأولى تتولى الإشراف عليها المساجد
هدى امام مراسلتنا من الفاهرة رمضان فى مصر يعكس مظهراً من مظاهر التكافل الاجتماعي والترابط وعطف الغني على الفقير، وذلك من خلال مايعرف بموائد الرحمن التي قسمتها الدراسات إلى 3 أنواع، الأولى تتولى الإشراف عليها المساجد فيما يعرف بـ"موائد المساجد"، ويتم تمويلها من أموال لجان الزكاة الخاصة بالمساجد، بالإضافة إلى معونات خاصة من الأفراد والأهالي، ويتم إعدادها طوال شهر رمضان. والثانية هي "موائد القادرين" التي يقيمها بعض الأغنياء، ويتولون الإشراف عليها، وتقام أمام منازلهم أو متاجرهم أو محالهم. والثالثة "موائد الشباب" أو "الموائد التطوعية"، ويتطوع للقيام بها عدد من الشباب الذين يتولون الإشراف عليها من حيث إعداد الطعام، وعلى كل متطوع أن يشارك أسرته في الإعداد والإشراف ومراسم الاستضافة. • التسابق فى الخيرات أوضحت دراسة أعدتها جامعة الأزهر مؤخرا أن موائد الرحمن في القاهرة تتكلف قرابة مليار جنيه، بينما ينفق أهالي المحافظات الأخرى خارج القاهرة على هذه الموائد نحو مليار جنيه آخر. وأشارت الدراسة إلى أن عدد رواد موائد الرحمن في مصر يقدر بحوالي 3 ملايين مواطن، كما يبلغ عدد منظمي موائد الرحمن نحو 10 آلاف شخص ينفقون على موائد القاهرة. وتشير أحدث دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن "موائد الرحمن في رمضان" إلى وجود أكثر من 4000 مائدة بالقاهرة وحدها، يفطر عليها أكثر من 10 آلاف شخص يومياً. • أشهر الموائد يختلف المؤرخون حول البداية الحقيقية لموائد الرحمن، لكنهم لا يختلفون على مظاهر تطورها وتوسعها كماً ونوعاً من عام لآخر، ويرجع بعضهم جذور هذه الموائد إلى عصر الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - حين كان بالمدينة المنورة وقدم إليه وفد من الطائف، اعتنقوا الإسلام واستقروا فيها لفترة، فكان الرسول يرسل إليهم إفطارهم وسحورهم مع بلال بن رباح. وبالنسبة للعصر الذي شهد انتشار هذه الظاهرة بمصر، فنقلا عن "المقريزي" فإن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي كان أول من وضع تقليد إقامة المآدب الخيرية في عهد الدولة الفاطمية، وأول من أقام مائدة في رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق "عمرو بن العاص"، وكان يتبرع بنحو 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع من قصره على الفقراء. وكان الفاطميون فى مصر يعدون موائد ممتدة تحت اسم "دار الفطرة" بطول 175 متراً وعرض 4 أمتار. ومن أشهر أصحاب الموائد في تلك الفترة الأمير "ابن الضرات" المولود بحي شبرا بالقاهرة، حيث كانت له أراض واسعة تدر عليه نحو 2 مليون دينار سنوياً، كان ينفقها في رمضان بأن يعد موائد بطول 500 متر ويجلس على رأسها وأمامه 30 ملعقة من البلور. وهناك من يقول إن الأمير أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية هو أول من أقام مائدة الرحمن في مصر في السنة الرابعة لولايته، حيث دعا الأعيان وكبار رجال الدولة وتجار المحروسة إلى مائدة رمضانية عامرة بحفل إفطار ضخم، وعندما وصل المدعوون الحفل وجدوا إلى جوارهم عددا كبيرا من فقراء مصر جاءوا بدعوة من الأمير أيضا. ويومها خطب "ابن طولون" فيهم قائلاً "إنني لم أجمعكم حول هذه الأسمطة إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم في حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، ولكنني وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم في رمضان، ولذلك فانني آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم، فيتذوقها الفقير المحروم". وأبلغهم أن المائدة ستستمر طوال أيام رمضان لإستقبال الفقراء والمساكين وعابري السبيل، وحث "ابن طولون" الأعيان وكبار التجار على أن يقتدوا به، ومن يومها أصبحت موائد الرحمن معلما مصريا رمضانيا، ثم عربيا وإسلاميا، حيث أمر أحمد بن طولون ابتداءً من عام 880 هـ بإقامة موائد الإفطار للصائمين في رمضان بالأماكن العامة، وورث ابنه "خمارويه" هذا التقليد عنه. • موائد بالكمامات ! وفي عام 1967 تولى بنك ناصر الاجتماعي الإشراف على موائد الرحمن بشكلها الحالي في مسجد الخلفاء بمصر الجديدة من أموال الزكاة، وبعد ذلك بحوالي 10 أعوام ازدادت مشاركات الوزراء ورجال الأعمال ورؤساء الجامعات ورجال الدين أقباط ومسلمين في إقامة موائد الرحمن كنموذج للوحدة الوطنية. وتتميز موائد الرحمن التى تشهدها القاهرة هذا العام بوجود حملات دورية للكشف على صحة ضيوف الرحمن وقياس درجة حرارتهم، تلافياً لإنتشار إنفلونزاالخنازير، وبعض الموائد حرص أصحابها على توزيع كمامات على الضيوف، وذلك رضوخا لأوامر وزارة الصحة. ومن أشهر مواقع الموائد الشعبية بوسط القاهرة، منطقة باب الشعرية والجمالية بالدرب الأحمر أمام المساجد، حيث اعتاد الشباب المشاركة في إقامة مائدة رمضانية بخيمة صغيرة، يساهم المواطنون في تعميرها بإرسال ما أعدوه من منازلهم للخيمة وأحيانا يوزعون اصناف الطعام عليهم، أما تجار حي السبتية فيقيمون شادرا لمائدة الرحمن، يتولى موظفون الإشراف عليه من حيث الطهي والنظافة والتجهيز ولا يفطرون قبل أن يطمئنوا على كل شيء. واشتهر ميدان عابدين بوسط القاهرة أيضا بإقامة مائدة ضخمة لأهالي المنطقة. وفي ميدان رمسيس أكبر ميادين القاهرة تقام مائدة شهيرة خلف مسجد الفتح بها مجموعة عمل مكلفة بإعداد الطعام. ومن موائد الأحياء الراقية، المائدة التي تمتد أمام سور نادي الصيد بمنطقة الدقى بوسط القاهرة، وتحتشد بنحو 2000 ضيف في اليوم قبل أذان المغرب بأكثر من نصف ساعة. هذا بخلاف موائد الفنانات، والتى أثارت جدلاً في المجتمع المصري، خاصة تلك الموائد التى تقيمها بعض الراقصات وسط موجة انتقادات وسخرية، وقد فسرها البعض بانها الفطرة السليمة التي تبقى بذورها في نفس الانسان فما ان ياتي المناخ الروحي المناسب فتبرز لتعبر عن نفسها، في حين يفسرها البعض بالجهل الذي كان سبباً في انخراط بعض النساء في مهنة الرقص دون وعيهن بانها تتعارض مع تعاليم الاسلام الحنيف، وتساهم في ذلك عوامل عديدة منها الفقر ونوع النظام الحاكم. • موائد المشاهير وهناك عشرات الموائد الشهيرة التي يقيمها الأزهر الشريف، وتمثل فرصة لاجتذاب المشاهير في عالم الكتابة أو الأدب أو الفن أو المال. كذلك موائد رجال الأعمال والبرلمانيين المشهورين مثل مائدة د. أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب في السيدة زينب مقر دائرته الانتخابية. ورغم أن موائد الرحمن التي يقيمها رجال الأعمال والأغنياء وبعض المسئولين في تزايد مستمر إلا أن المساجد لا تزال أشهر الجهات القائمة على إعداد موائد الرحمن، حيث لا يخلو مسجد في مصر من مائدة رمضانية. وقد انتشرت فى مصر مؤخراً ظاهرة توصيل الطعام للمنازل من موائد الرحمن في عدد كبير من الجمعيات الخيرية الإسلامية والمساجد، حيث بدأت بعض الجمعيات في تطبيق تقليد جديد هو إرسال وجبة الإفطار إلى منازل الفقراء. • جو روحانى ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن كمية ونوعية "موائد الرحمن" قد تطورت بشكل ملموس، ولم تعد قائمة ضيوف "موائد الرحمن" تقتصر على الفقراء والمساكين وعابري السبيل فقط، لكنها امتدت لتشمل فئات أخرى ترتادها لأسباب مختلفة، منها التنزه، وخوض تجربة الإفطار بالهواء الطلق، فأصبحت تستضيف بعض الأجانب، حيث يجتذب شهر رمضان السائحين بطقوسه الخاصة، مثل طريقة إعداد الموائد الرمضانية، حتى أن البعض منهم يقبل على تجربة الصيام ويدعو نفسه للجلوس على موائد الرحمن للاستمتاع بهذا الجو الروحاني الذي يسوده التراحم والمودة، في محاولة لممارسة هذه الحالة الثقافية من ناحية، وتوفير ثمن وجبة من ناحية أخرى. وقد زاد من عدد وتنوع ضيوف الموائد الأزمات المرورية الطاحنة التي يشهدها رمضان في ساعة الذروة، مما يضطر غير المحتاجين أحيانا للجلوس عليها بحكم تأخرهم عن العودة لمنازلهم وقت الإفطار. وهكذا تصل بركات هذا الشهر الفضيل المادية والمعنوية الى الجميع... الفقير والغني، البر والفاجر، الشريف والوضيع، الرئيس والمرؤوس، والمقيم والمسافر، شاؤوا أم أبو.