شتاء ثاني لمهجروا العدوان... واعمار غزَّة لم يحن له الأوان!!!
Nov ٠٩, ٢٠٠٩ ٠١:٠٥ UTC
وكأن حرارة الصيف لم تكفي حتى داهمها الشتاء ليزيد من وقع المعاناة على كاهل آلاف الأسر الفلسطينية المهجرة والمشردة بفعل الحرب الصهيونية التي شنت على غزَّة واتت على بيوتهم فساوتها بالأرض ليضافوا
وائل أبو دقة مراسلنا من فلسطين المحتلة وكأن حرارة الصيف لم تكفي حتى داهمها الشتاء ليزيد من وقع المعاناة على كاهل آلاف الأسر الفلسطينية المهجرة والمشردة بفعل الحرب الصهيونية التي شنت على غزَّة واتت على بيوتهم فساوتها بالأرض ليضافوا إلى قائمة طويلة من الذين باتوا بلا مأوى. قرابة خمس وثلاثون ألف أسرة فلسطينية شردتها الحرب والى أن يتمكن القائمون على إعادة الإعمار يبقى هؤلاء مشتتون بين حرارة الصيف وبرد الشتاء وسيول الأمطار، يبحثون عن مأوى يقيهم حرارة الشمس، وتحميهم من أن تزحف عليهم سيول الأمطار في فصل الشتاء. وعلى وقع هكذا حال تستقبل غزَّة ثاني شتاء لها بعد حرب بشعة شنتها حكومة الاحتلال ما بين السابع والعشرين من ديسمبر والثامن عشر من يناير الماضيين، وأسفرت عن استشهاد نحو 1420 فلسطينيا، وجرح أكثر من 5450 آخرين، وتدمير نحو 16 ألف منزل، وتشريد 35 ألف أسرة؛ لتصبح الخيام المقر الدائم لمعظمهم بكل ما تحتويه من غربة وقسوة. عائلة احمد واحدة من هذه الأسر التي داهمها الشتاء ببرده وعواصفه وسيوله، ليقف عاجزاً عن فعل أي شيء يدفع عن أطفاله واحدة من هؤلاء وبألم يسكن صوته يرسم رب العائلة أبو شادي (45 عاما) معاناة عائلته المنكوبة ويقول "لا أدري بأي حال سنعيش الشتاء؟!.. قبل أيام أمطرت فنكأ المطر جراحنا.. العواصف بعثرت السقف، وطيرت أكياس البلاستيك.. وكلما حاولنا تثبيت أقمشة أو أكياس أخرى تلقي بها الرياح عشرات المرات". ويتذكر الأب بوجع كيف تسرب الماء إليهم وهم نائمون فأغرق فراشهم، وبعد أن يطيل النظر في أرجاء حي السلام شمال قطاع غزَّة المحاصر، حيث يتحد ركام بيته مع أنقاض عشرات البيوت المدمرة الأخرى يتساءل بغضب: "كيف سنعيش في هذا الجو؟! ربما كان الصيف أرحم؛ فقد كنا نهرب إلى الخارج من لهيب الصفيح، ولكن اليوم أين سنهرب؟! بحثت عن مكان يؤويني أنا وزوجتي وأبنائي السبعة فلم أجد". وبعد الحرب الأخيرة وتشريد آلاف الأسر أصبحت هناك ندرة شديدة في الشقق المعروضة للإيجار بعد زيادة الطلب عليها. ويسترجع الأب بحزن الذكريات الماطرة في بيت كان يضمه هو وأسرته كما الوطن: "كنا نتجمع بحب حول كانون النار.. نتسامر ونضحك طويلا، أما الآن فبالكاد نشعل شمعة خوفا من احتراق المكان". أما زوجته "أم خليل" فتبكي بيتها بمرارة، وتتحسر على نوافذ كانت تنقذها من لسعات البرد، وتقي أطفالها من العواصف الماطرة، وتعترف بألم: "حين أنظر إلى أولادي وهم يرسمون الشتاء في صحبة بيتنا الذي دمرته طائرات الاحتلال أكاد أجن.. كم أتمنى لو أستيقظ ذات صباح وأجد نفسي بين أرجاء مطبخي.. أعد لأطفالي أشهى الوجبات الساخنة.. وأذهب إلى غرفهم وأوقظهم من نومهم". وقد تستوعب الأم حرارة الصيف وشمس يوليو وأغسطس الحارقة، إلا أنها لا تكاد تتخيل كيف ستمضي شتاء آخر يقلعهم من مكانهم. وفي مكان ليس بعيد عن خيمة أبو شادي يقف خالد لم يبلغ السادسة من عمره على باب خيمته يحاول بيده إبعاد مجرى المياه عن خيمة عائلته ويرتجف من شدة البرد، وعلى خد "محمد" صاحب الأعوام الستة تتدحرج دمعة حين يتذكر فراشه الدافئ وغرفته الكبيرة. ويقول، سنعيش في برد وظلام هذا الشتاء، وستتسرب المياه إلينا.. لن نفلح في المذاكرة ولا في النوم بأمان". على مقربة من خالد أخذت شقيقته "مها" (17 عاما) تروي كيف تعيش أسرتها فصل الشتاء على أنقاض بيت كانت طوابقه الثلاثة تحتضن أيامهم: "لا أصدق أننا للمرة الثانية نعيش الشتاء وبرده القارس.. بعد الحرب باغتنا المطر، وعشنا أياما قاسية داخل هذه الخيمة.. وها هي ذات المأساة تتكرر من جديد.. سنغرق ونموت بردا". والى الوراء تعود الذكريات بأمل ابنة الرابعة عشر عاماً لتسأل عن بيت كان يضمها هي وأسرتها ويلفهم بفرح كبير.. وتكاد الحروف على شفتيها تتجمد وهي تشتكي وجع لا زال يكابدها: وتقول "أكاد أجن وأنا أتذكر كيف كنا نقضي الشتاء في بيتنا.. وكيف كانت أمي تستعد لاستقبال هذا الفصل باهتمام بالغ.. تحمينا من برده ولسعاته.. تلفنا بالأغطية الصوفية.. وفي المساء تعد لنا أكواب الشاي والحليب الساخن.. أما اليوم فـ...". عدد حبات المطر ستذرف آلاف العائلات المشردة في غزَّة بيوتها المنهارة، ونوافذها المحطمة، وأسطحا ليس بإمكانها أن تستر، وذلك بانتظار أمل لا زال يراود العديد من المتضررين وسكان الخيام بالحصول على مساكن تحميهم من برد قارس، توالت صيحات التحذير الدولية من وضع إنساني سيعصف بغزَّة في فصل الشتاء ويزيد من أوجاع المنكوبين. ويبقى سؤال المهجرين من المسؤول عن محنتهم؟ أهو الاحتلال الصهيوني؟ أم المجتمع الدولي؟ أم النظام العربي الرسمي؟ أم السلطة الفلسطينية؟ أم كل هذه الاطراف تتحمل مسؤولية عرقلة اعمار غزَّة وبالتالي معاناتهم التي يخشون ان تطول لشتاء ثالث قبل ان يحصلوا على الإجابة؟!!.