المرضى الفلسطينيون امام خيارين
Oct ٣٠, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
لم يكن من المستغرب على الاحتلال الصهيوني ان يسعى الى ابتزاز الفلسطينيين في كافة مناحي حياتهم والتضييق عليهم حتى في احتياجاتهم التي هم في امس الحاجة اليه، الابتزاز هذه المرة كان في ابشع صوره، والمستهدف منه
لم يكن من المستغرب على الاحتلال الصهيوني ان يسعى الى ابتزاز الفلسطينيين في كافة مناحي حياتهم والتضييق عليهم حتى في احتياجاتهم التي هم في امس الحاجة اليه، الابتزاز هذه المرة كان في ابشع صوره، والمستهدف منه كان المرضى الفلسطينيين الذي يحصلون وبشق الانفس على تحويلات مرضية للوصول الى المشافي الصهيونية للعلاج من امراض خطيرة ألمت بهم وتقطعت بهم السبل في غزة المحاصرة والمنكوبة، ليجد نفسه محاصر بين خيارين لا ثالث له اما التعاون مع الاحتلال كي تتمكن من مواصلة مشوراك نحو العلاج او تعود بعد ان تكون اجابتك بالرفض وهو ما يعني استكمال مشوار الموت البطيء في غزة. • معبر بيت حانون مصيدة المرضى هذا ما يحدث بالفعل على معبر بيت حانون ايرز الواقع على الحدود الشمالية لقطاع غزة والوحيد المتبقي من مجموعة المعابر التي اغلقها الاحتلال وهو يعمل للحالات الاستثنائية فقط كما يدعي الاحتلال. وليس هذا بالامر الجديد فكثير من الفلسطينيون في قطاع غزة اشتكوا من انهم يتعرضون لضغوط من جانب جهاز الامن العام الشاباك لحملهم على التعاون معه لدى وصولهم الى معبر ايرز مقابل السماح لهم بدخول الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 لتلقي العلاج الطبي في مستشفياتها. ويستدل من إفادات هؤلاء الفلسطينيين ان اولئك الذين يرفضون التعاون مع جهاز الشاباك لا يسمح لهم بالدخول بداعي انهم يشكلون خطرا امنيا، إلا ان بعضهم تمكنوا من دخول اراضي 48 في نهاية المطاف بعد تدخل منظمات لحقوق الانسان. ويبرر جهاز الامن العام انه يشترط منح تصاريح الدخول بالتعاون معه. • الابتزاز الصهيوني الصحافي بسام الوحيدي ( 30 عاماً) واحد من هذه الحالات التي تعرضت للابتزاز، يوشك على التسليم بفقدانه بصره والعيش في ظلمة دائمة، في حال لم يجري عملية لإعادة شبكية العين الى موضعها، كان من المقرر أن تجرى له في إحدى المستشفيات الفلسطينية في القدس الشهر الماضي. فرغم اتمام الوحيدي الصحافي كل الإجراءات الإدارية والفنية اللازمة لسفره للقدس، إلا أن ضابط جهاز المخابرات الداخلية الصهيونية "الشاباك" المتواجدين في معبر "ايرز" الصهيوني الذي يقع على الحدود الشمالية بين قطاع غزة والاراضي المحتلة عام 48 لا يسمحون له بالمرور حتى يوافق على أن يكوناً عميلاً لهم ويقدم معلومات حول أنشطة حركات المقاومة الفلسطينية العاملة في القطاع وقادتها وعناصرها. عندما توجه الوحيدي في اليوم المقرر لإجراء العملية الى القدس، استوقفه عناصر "الشاباك" في معبر"ايرز"، و قاموا بإهانته، و تعريته كاملاً، قبل أن يتم إدخاله على أحد محققي الجهاز في أحد الطوابق الأرضية في المعبر. المحقق الذي عرف نفسه بـ "الكابتن"، وجه له على مدار خمس ساعات ونصف سيلاً من الأسئلة حول حركات المقاومة، طالباً تزويده بكل ما يعرف عنها، حتى يسمح له بالوصول للقدس لإجراء العملية، مستخدماً شتى أساليب الترغيب والترهيب، التي تتقنها أجهزة المخابرات. الوحيدي الذي ينتمي الى إحدى العائلات الفلسطينية الغزاوية العريقة التي إرتبطت بالنضال ضد الإحتلال، رفض مجرد التفكير في عروض محقق "الشاباك"، وسخر من محاولاته لتجنيده ليصبح مجرد عميل. في هذه الأثناء حل موعد إجراء العملية وهو مازال في غرفة التحقيق، وفي تمام الساعة السادسة مساءاً، وبعد أن يئس "الكابتن" من الوحيدي، نهره من المكتب، واعداً إياه بأنه "سيفقد بصره" للأبد، ولن يسمح له بالتوجه للقدس حتى يوافق على توظيف الإمكانيات المتاحة له كصحافي في التعاون مع "الشاباك" في تقديم معلومات حول حركات المقاومة، وتحديداً نشطائها الضالعين في عمليات إطلاق الصواريخ على المستوطنات اليهودية. الوحيدي الذي روى لـ "ويكلي" قصته يقول بثقة أنه تحديداً بعد كل ما تعرض له على أيدي عناصر "الشاباك" تكرست لديه القناعة بأنه يتوجب مقاومة الاحتلال لتغيير الواقع الذي يسمح له بالتأثير على حياة الفلسطينيين الى هذا الحد. • بداية القصة مثل هذه القصص ومحاولات الابتزاز التي يصفونها بالعادية التي يتعرض لها المرضى الفلسطينيون الذين يعانون الأمراض المزمنة على أيدي عناصر "الشاباك"، أصبحت حديث الشارع في قطاع غزة لكثرة المحاولات التي يبذلها هؤلاء من أجل إسقاط أكبر عدد من هؤلاء المرضى في شباكهم. وتبدأ القصة عندما يتقدم المريض الفلسطيني بطلب للدائرة التنسيق المدني الصهيوني الفلسطيني للحصول على تصريح يسمح للمريض بالسفر من غزة الى إحدى مستشفيات الضفة الغربية أو اراضي 48 لإجراء عملية، و بعد جهود مضنية، يحصل المريض على هذا التصريح ويتوجه الى معبر "إيرز"، وهناك يحدث مع معظم هؤلاء المرضى ما حدث مع الوحيدي. • الفلسطينيون امام الابتزاز ولم يميز الشاباك الصهيوني في عمليات ابتزازة بين شاب او شيخ او امرأة وحتى طفل، البرفسور كامل المغني (65 عاماً)، عميد كلية الفنون الجميلة سابقاً في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، يقطن في حي "الشجاعية" بمدينة غزة، أصيب قبل عامين بمرض السرطان في الرقبة. أجريت له عملية جراحية في إحدى المستشفيات الصهيونية، الأمر الذي أدى الى تحسن حالته الصحية، المشرفون على علاجه طلبوا منه أن يقوم بزيارات دورية لتلقي علاج بالإشعة حتى لا تحدث انتكاسة في وضعه الصحي. قبل شهر توجه المغني الى احدى المستشفيات الصهيونية، لكن في معبر "إيرز"، فوجئ بعدد من عناصر "الشاباك" يقتادونه الى غرفة ارضية ليتعرض للإبتزاز من قبل أحد محققي "الشاباك"، الذي أوضح له بشكل لا يقبل التأويل أن السماح له بمواصلة طريقه الى المستشفى الصهيوني يتوقف على مدى استعداده للتعاون مع "الشاباك" وتزويده بمعلومات عن نشطاء المقاومة. المغني الذي استهجن أن يجرؤ رجل "الشاباك" على طرح هذا العرض عليه، وهو يعرف منزلته العلمية وتقدمه في العمر، رفض العرض، فعاد الى غزة، وهو يخشى أن يحدث ما يخشاه وتنتكس حالته من جديد. • تجاوز للقوانين الدولية راجي الصوراني، مدير "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان"، أبلغ "ويكلي"، أن مركزه رصد حالات قام فيها ضباط "الشاباك" بمحاولة اسقاط أطفال مرضى عبر مقايضة حصولهم على الخدمة الصحية بتقديم معلومات استخبارية لـ "الشاباك". الصوراني يشير الى نقطة بالغة الأهمية وتتمثل في أن "الممارسات الإجرامية " للشاباك قادته الى محاولة استغلال الأوضاع الصحية القاسية لبعض المعتقلين الفلسطينيين في السجون الصهيونية، ومقايضتهم تلقي العلاج بالتجسس على زملائهم في السجن. الصوراني يشدد على أن ما يقوم به "الشاباك" يمثل تجاوز لكل القوانين الدولية والتي تؤكد على حق المرضى تلقي العلاج المناسب لهم، مشيراً الى أن ما يقوم به جهاز "الشاباك" وحكومة الاحتلال يمثل "جريمة حرب ضد الانسانية". لكن الصوراني الذي نجح مركزه في استصدار مذكرة اعتقال ضد عدد من جنرالات الجيش وقادة المخابرات الصهيونية في بريطانيا وأمريكا بعد اتهامهم بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، يقر أنه من الصعب جداً على مركزه رفع دعاوى قانونية ضد قادة "الشاباك" وزعماء الاحتلال بسبب عمليات الإبتزاز التي يقومون بها ضد المرضى الفلسطينيين، حيث أن رفع الدعاوى القضائية يتطلب وجود شهود يدلون بشهادات مشفوعة بالقسم أمام المحاكم. ويرى الصوراني أن ضحايا الإبتزاز يرفضون في أغلب الحالات الكشف عن انفسهم، وتقديم شهادات لأنهم يظلوا يأملون بأن تسمح لهم حكومة الاحتلال بالمرور لتلقي العلاج، ويخشون أنه في حال قاموا برفع دعاوى ضد حكومة الاحتلال، فأن فرصهم بالحصول على تصاريح للوصول للمستشفيات ستتهاوى. أما الدكتور داني فيلك، رئيس "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، فيعتبر أن ما يقوم به "الشاباك" ضد المرضى الفلسطينيين بتفويض من الحكومة الصهيونية "أمر مرفوض من حيث الاخلاقيات الطبية ومن منطلق كل رؤية اخلاقية يمكن ان تخطر على البال. فليس كل شيء متاح من الناحية الاخلاقية باسم الامن. ومثلما يحظر التعذيب فالضغط على المريض أو استغلال مرض انسان ما لتحويله الى عميل هو أمر مرفوض كذلك. المناعة الاخلاقية والمعايير الاخلاقية هما في نظري اللذان يوفران الأمن للدولة على المدى الأبعد. الدولة التي تتدهور اخلاقيا لا تصمد كمجتمع ". • ممارسة اقصى درجات الإبتزاز واللافت للنظر أن ضباط "الشاباك" الذين تقاعدوا يعترفون أن لديهم تعليمات مشددة بممارسة اقصى درجات الإبتزاز والإستغلال من أجل اجبار المرضى الفلسطينيين على أن يصبحوا عملاء للاحتلال. أفنير أحد كبار ضباط "الشاباك" سابقاً، وقد تسرح من الخدمة قبل عدة سنوات يعترف في حديث مع صحيفة "معاريف" الصهيونية بأن التعليمات الصادرة للضباط المسؤولين عن تجنيد العملاء بألا يترددوا في استغلال أي حالة إنسانية مهما كانت صعبة من أجل تجنيد أكبر عدد من العملاء في صفوف الفلسطينيين. واللافت للنظر ايضاً أن جهاز "الشاباك" مثله مثل جهاز "الموساد" يخضع مباشرة "لسلطة رئيس الحكومة الصهيونية، وكل العمليات التي يقوم بها هذا الجهاز تتم بعد المصادقة عليها من رئيس الوزراء شخصياً. • جريمة حرب النائب محمد بركة، رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية البرلمانية، وصف عمليات الابتزاز التي يتعرض لها الفلسطينيون المرضى من قبل الشاباك في غزة بجريمة حرب وفقاً لما جاء في رسالة بعث بها بركة الى رئيس حكومة الاحتلال طالبه فيها بوقف جرائم الابتزاز التي ينفذها جهاز الاستخبارات العامة، "الشاباك" ضد مرضى قطاع غزة الذين يطلبون التوجه إلى مستشفيات في الضفة الغربية لمواصلة العلاج. وتابع بركة رسالته التي جاءت في اعقاب تحقيق نشرته صحيفة "معاريف" الصهيونية، حول أشكال ابتزاز جهاز الشاباك لمرضى قطاع غزة الذين يطلبون التوجه إلى خارج القطاع لمواصلة علاجهم، إن ما يجري عند حواجز قطاع غزة هو أمر لا يتقبله العقل والضمير الإنساني، فقد كنت شاهدا بعيني كيف ان طفلا فلسطينيا بقي في سيارة إسعاف لساعات طويلة عند حاجز بيت حانون (إيرز) لساعات لتسمح له الأجهزة الأمنية الصهيونية بالدخول، لمواصلة العلاج، رغم وضعه الصحي المتردي. وأكد بركة، أن مثل هذه التصرفات وهذه الإبتزازات هي جريمة حرب أخرى تضاف إلى سجل جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش والأجهزة الأمنية، يوميا وعلى مدار عشرات السنوات، بإيعاز من الحكومة. وقال بركة، إن كل الذرائع الأمنية الواهية التي تحاول الحكومة وأجهزتها التذرع بها لا يمكن ان تبرر مثل هذه الجرائم، خاصة وان الجهة التي تمارس الاحتلال مسؤولة مباشرة، وأولا وقبل كل شيء، عن سلامة الشعب الضحية الواقع تحت احتلالها. وطالب بركة أولمرت بإصدار أوامره الفورية لوقف هذه الجرائم وتسهيل وتسريع معالجة كل القضايا الإنسانية وخروج مرضى قطاع غزة إلى العناوين الصحية التي عليهم التوجه اليها. وحدهم الفلسطينيين الذين يمنعون من ابسط حقوقهم الانسانية وفي مقدمتها حقهم في تلقي العلاج لمجرد رفضهم ان يكونوا عملاء يتعاونون مع عدوهم على شعبهم من يتفهم حجم الكراهية التي تغلف قلوبهم تجاه حكومة الاحتلال، اما غيرهم من العالم المحيط فلا يزيد الجرح الا ألماً بصمته الذي يشارك كياناً يمارس اجراماً منظماً بحق شعب اعزل.