المخطوطات الفارسية شاهدة على حضارة اُمة
Oct ٢٣, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
المخطوطات الفارسية المحفوظة فى دار الكتب والوثائق القومية المصرية، يصل عددها الى ما يقرب من ۱۱۰۲ مجلد مخطوط ، تتضمن ۲۲۰۸ عناوين وتتناول معارف انسانية مختلفة تعود بعضها الى القرن الثامن الميلادي
هدى امام مراسلتنا من القاهرة المخطوطات الفارسية المحفوظة فى دار الكتب والوثائق القومية المصرية، والتي يصل عددها الى ما يقرب من ۱۱۰۲ مجلد مخطوط ، وتتضمن ۲۲۰۸ عناوين وتتناول معارف انسانية مختلفة تعود بعضها الى القرن الثامن الميلادي فهي تكشف عن الدور البارز الذى قامت به الدولة الفارسية فى تنمية الحضارة الانسانية فى ميادين الفكر والفلسفة والتاريخ و الطب وعلم الاحياء وغيرها من العلوم وا لاداب، وهو مادفع اللجنة الاستشارية الدولية التابع لمنظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» الى ادراج (الشاهنامة) ومجموعة المخطوطات الفارسية التى تحتفظ بها دارالكتب المصرية ضمن برنامج ذاكرة العالم الذى أنشئ عام 1997 ويهدف إلى حفظ التراث الوثائقي الذي يشكل ذاكرة للعالم ويعكس تنوع اللغات والشعوب والثقافات. • باريس الشرق وقبل أن نستعرض أهم وأشهر المخطوطات الفارسية التى تحتفظ بها دار الكتب والوثائق المصرية لا بد أن نتعرف على مكانة تلك الدار التى يحرص على زيارتها ملوك ورؤساء الدول عند زيارتهم لمصر، حيث تعتبر هذه الدار أول مكتبة وطنية في العالم العربي والتى كانت تعرف بـ"الكتبخانة" التى يعود تاريخ إنشائها إلى عام 1870، وتأسّـست على غرار المكتبة الوطنية في باريس، تحقيقًا لحلم الخديوي إسماعيل بأن تصبح القاهرة "باريس الشرق". وكان الغرض من تأسيس المكتبة آنذاك "تجميع المخطوطات النفيسة واتخذت دار الكتب مقراً لها عند افتتاحها الدور الأسفل من قصر مصطفى فاضل باشا (شقيق الخديوي إسماعيل) وقد بلغت الكتب المخطوطة والمطبوعة التي وسعها المكان عند الافتتاح نحو 30.000 مجلد. وبعد عدة سنوات بدأت الدار تضِـيق بمحتوياتها من المخطوطات والكتب، وفي 23 يوليو سنة 1961، وضـع حجر الأساس لمبنى الدار على كورنيش النيل في منطقة رملة بولاق، وبدأ الانتقال إليه في عام 1973، وتم افتتاحه رسميًا سنة 1977، وظل مبنى الدار القديم الواقع فى منطقة باب الخلق بوسط القاهرة، الذي يقع على مساحة أربعة آلاف متر مربع منذ ذلك التاريخ مهملاً إلى أن بدأت الحكومة المصرية تطويره منذ ست سنوات، ليُـعاد افتتاحه في أواخر فبراير 2007 في احتفال رسمي. تبلغ مخطوطات دار الكتب ما يربُـو على مائة ألف مخطوط ، تُـعد من أنفَـس المجموعات على مستوى العالم قاطبة، بتنوّع موضوعاتها وخطوطها المنسوبة ومخطوطاتها المؤرخة. كما تضم دار الكتب أندَر المصاحف والمخطوطات التراثية والبرديات والمسكوكات والمطبوعات الأولى، التي صدرت في القرن التاسع عشر، وتحفًـا نادرة، أبرزها نموذج مصغّـر لقبّـة الصخرة، التي أمر ببنائها الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان، وهذا النموذج مرصّـع بالأحجار الكريمة والجواهر ومحلى من الداخل والخارج بنقوش وكتابات عربية وفارسية. كما توجد أيضًا حبّـة قمح كُـتبت عليها تواريخ حكّـام مصر منذ عمرو بن العاص عام 641 ميلادية حتى الملك فؤاد، الذي توفي عام 1936. أما البرديات، فإحداها تعود إلى عام 709 الموافق 90 هجرية في عهد الحاكم الأموي الوليد بن عبد الملك، إضافة إلى 132 مخطوطًا بالعربية والفارسية والتركية في الطب والأدب والديانات والفلك، منها (مشكل القرآن) لابن قتيبة نسخ عام 989 ميلادية. كما تضم مخطوطة ديوان "يوسف وزليخة"، من نظم حمد الله بن آق شمس الدين، إضافة إلى 27 مخطوطًًا للمصحف الشريف بأجْـود الخطوط وأروع الزخارف، وخمس نُـسخ من توراة موسى، وكتاب الفلاحة، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة. وتُـعد النسخة الوحيدة من "الرسالة في أصول الفِـقه" للإمام محمد بن إدريس الشافعي، والتي كتبها الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي في مطلع القرن الثالث الهجري وعليها إجازة بخطه بنسخ الكتاب، والمؤرخة في سنة 265 هجرية، أقدم مخطوطات الدار على الإطلاق. • شاهنامة الفردوسى تعد الشاهنامة هي من أهم المخطوطات الفارسية التي تحتفظ بها دار الكتب المصرية والتي تعتبر أهم ملحمة أدبية فارسية عن الحياة في بلاد فارس منذ بدء الخليقة حتى دخول الإسلام إليها و تتحدث عن عظمه اللغة الفارسية، و اكبر شاهد على ازدهار الحضارة الايرانية القديمة واستغرق نظمها شعرا أكثر من 30 عاما. و شاهنامة الفردوسي هى ديوان من الملاحم و القصص و الفنون الادبية و الفلسفية، نظمت بحيث اصبحت تاريخاً لشعب متمدن قديم و جمعها الشاعر الفارسى أبو القاسم الفردوسي في 60 ألف بيت لتضم اهم الاساطير الايرانية القديمة و عرضها عبر تخيله الخلاق باسلوب رائع و اطار مدهش نظمت بحيث اصبحت تاريخاً لشعب متمدن قديم، حتى اصبحت الشاهنامة مصدر الهام لعدد كبير من الشعراء و المفكرين عبر العصور، واحدى روائع الادب والفن في العالم. و الشاهنامة ليست كتاب قصة و تاريخ و ادب فحسب، بل تطرقت الى مجالات الفلسفةه، و الاخلاق والحكمة، و العقائد و غيرها. كما انها لم تتقيد بتصوير جانب واحد من جوانب الحياة فى بلاد فارس فهي صورت الآداب الفارسية القديمة كالزواج و الوفاة، و الاحتفالات، و مآدب الضيافة، و آداب المعاشرة، و آداب السفارة، و مراسم الصيد، و التدبير و الحلية في الحرب، و معاملة الاسرى، و طريقة استخدام الاسلحة، و اسلوب كتابة الرسائل، و علاقات الشعوب القديمة ببعضها، و غيرها من الامور الانسانية. • بستان سعدي من أهم المخطوطات الفارسية المحفوظة بدار الكتب المصرية أيضا مخطوط "بستان سعدي" المنسوخ عام 839 للهجرة أو حوالي عام 1300 ميلاديا وهو عبارة عن حكايات ومواعظ أخلاقية واجتماعية كما يضم المخطوط مجموعة لوحات للرسام الشهير كمال الدين بهزاد ( فنان القرن الخامس عشر في إيران) والمعروف بروفائيل الشرق وتمثل أحدى لوحات بهزاد التى جاءت فى مخطوط بستان سعدي قصة سيدنا يوسف مع زليخا زوجة العزيز حينما شيدت له قصرا من سبعة أبواب في محاولة لإغوائه، ووضعت في الغرفة الداخلية لوحة تمثلها في أحضان يوسف حتى يدرك هدفها. ولكنه رأى برهان ربه فولى هاربا، بينما أخذت "زليخا" تطارده وتشد قميصه من دبر. حرص بهزاد كعادة مصوري الفرس آنذاك على إحاطة رأس يوسف بهالة بيضاء. وإلى جوار الموضوع الأخلاقي الذي تقدمه اللوحة نجد أيضا قدرات بهزاد في عرض الردهات المتعاقبة والعقود المزدانة بوحدات زخرفية متنوعة. وقد حظي مخطوط بستان سعدي بأهتمام الادباء والمفكرين فى مصر وكان الدكتور زكي حسن العميد السابق لكلية الاداب جامعة القاهرة أول من وضع كتابا عربيا في التصور الإسلامي شرح خلاله خصائص فن "بهزاد " حيث كشف أن هذا الفنان قام بتوقيع أعماله بخط يده. وتعتبر هذه خاصية غير معروفة أو غير ذات اهتمام عند السابقين عليه. أيضا أوضح الدكتور زكي حسن أن "بهزاد" تميز بتصوير بعض الشخصيات وتوضيح معالم الوجه والصفات الجسمية، أو بمعنى آخر اهتمامه بعرض الحالة النفسية بجانب اهتمامه بالشخصية التي يعرضها ، وكان الإبداع التشكيلي في زمان (بهزاد)، ونتيجة لتراث حضاري قديم يقوم على ثلاثة أشياء: الرسم، و النسخ، و التذهيب، نجد نموذجا لهذا اللون من الفن في مخطوط (بستان سعدي)، حيث اشترك في إنجازه "غير النص المكتوب" ثلاثة فنانين" سلكان علي" قام بنسخه بخط متميز مبدع. وقام الفنان "يا رسى" بتذهيبه بطريقة مدروسة، وقام "بهزاد" بإنجاز لوحاته. وتعتبر هذه الخاصية الأولى لفن التصوير آنذاك، أي الارتباط بإبداع عمل فني يقوم على تقديم الكتاب بالتصوير أو التشكيل في إطار متكامل من الفنون الثلاثة الخط والتصوير والتذهيب. ومن يشاهد مخطوط ( بستان سعدي) فى دار الكتب المصرية يعرف أن بهزاد نجح فى أن يوظف ملكات الحس الفني النابعة من تاريخه وتراثه فى نسج مظاهر الحياة اليومية بشكل مبدع ورائع ليكون خالدا على مر العصور. كان للفرس أيضا نجاحا مؤثرا فى المجالات العلمية أستفادت منه الشعوب الاخرى كالطب والفلك والاحياء وعلم التشريح وهذا ما كشفه مخطوط علم التشريح (لابراهيم بن عثمان الهمداني) وتم نسخه عام 1297 هجرية. وهو المخطوط الذى تحتفظ به أيضا دار الكتب المصرية منذ مئات السنين. الخاتمة حضارة الفرس لم تكن بالحضارة الهينة ابدا لكنها أثرت فى الحضارة الانسانية وغيرت مجرى التاريخ، وارتبطت الحضارة الفارسية بأوثق الروابط وأقوى الصلات بالأمة العربية. فقبل الإسلام تجاور الفرس والعرب، و على الرغم من أنهم تبادلوا الحروب إلا أنهم ربطتهم المنافع والتجارة، وقامت بينهم العلاقات السياسية والاقتصادية، فأثر الفرس في العرب وتأثروا بهم. وهذا ما كشفته المخطوطات الفارسية المحفوظة فى دار الكتب والوثائق القومية المصرية.